الرئيسية / تعليم / هل ماتت الجامعات في العالم الإسلامي؟!

هل ماتت الجامعات في العالم الإسلامي؟!

إحياء الجامعات في العالم الإسلامي
مقال ل: نضال قسوم وأطهر أسامة في مجلة نيتشر

الحضارة الاسلامية هي مكان لواحدة من اقدم الجامعات التنفيذية في العالم وهذه الجامعة هي جامعة القرويين في فاس في المغرب والتي وجدت حوالي 859 للميلاد، اي في بداية العصر الذهبي الاسلامي. على الرغم من هذه البداية المبشرة في المنطقة الا ان الجامعات في المنطقة الاسلامية هي في حالة يرثى لها.

57 بلدا في العالم الاسلامي-تلك البلدان التي يشكل فيها المسلمون الاغلبية من السكان وينتمون لمنظمة التعاون الاسلامي- تُعد موطنا ل25% من سكان العالم. لكنها رغم ذلك لم تسهم الا في 1.6% من براءات الاختراع في العالم اعتبارا من 2012 ، بالاضافة الى 6%  فقط من المنشورات الاكاديمية مما نشر في العالم.

ولم تنفق تلك الدول سوى 2.4%  من ناتجها الوطني الاجمالي على البحوث العلمية. هذه الدول اليوم لديها اقل من دزينة من الجامعات من ضمن الجامعات ال400 الافضل في التصنيف العالمي، ولا توجد أيَّ منها في قائمة افضل 100 جامعة في العالم.

لتقييم الوضع، كُنّا قد أنشئنا منظمة عمل غير حكومية وغير حزبية من مجموعة من الخبراء التي شكّلتها مبادرة العالم الاسلامي للعلوم والتي يترأسها زاكري عبد الحميد المستشار العلمي لرئيس وزراء ماليزيا، وشمل عشرات من الخبراء والعلماء-بما في ذلك واضعي سياسات ورؤوساء جامعات واساتذة واعلاميين علميين من جميع انحاء العالم.

وتم تأكيد عملنا حول المشاكل المعروفة على نطاق واسع، كما يتضح ذلك في تقارير مثل تقرير الجمعية الملكية في 2014 المُسمى “اطلس العالم الاسلامي للعلوم والابتكار”. حيث ذكر”على سبيل المثال” ان دول منظمة المؤتمر الاسلامي تستثمر في المتوسط 0.5% من الناتج المحلي الاجمالي في مجال البحوث والتطوير. عدا ماليزيا التي تنفق ما يزيد قليلا عن 1% -للمقارنة فان المتوسط العالمي 1.78% – بينما اكثر البلدان المتقدمة تنفق 2-3%”بالاضافة ان الطلاب من العالم الاسلامي الذين يشاركون في الاختبارات الدولية للعلوم الموحدة متاخرين كثيرا عن نظرائهم في جميع انحاء العالم. كما موضح في المخطط التالي:

12227692_893360434088674_7850805907737130831_n

اما تقريرنا فيبرز صعوبات اكثر، فمحتويات برامج العلوم محتوياتها ضيقة للغاية وطرق التدريس عفا عليها الزمن . ففي معظم دول منظمة المؤتمر الاسلامي يتم فصل الطلاب الى مرحلتين: العلمي واللاعلمي”الادبي”في سن 14 والتعليم يكون ثنائي تماما: طلاب العلوم والتكنولوجيا يتلقون القليل من العلوم الانسانية والعلوم الاجتماعية وتعليم اللغات والفنون والعكس بالعكس بالنسبة للفروع الادبية باستثناء جامعة واحدة تُقدّم برنامجا في”دراسات العلوم والتكنولوجيا” هي جامعة مالايا في كوالالامبور.

لكي تصبح الجامعات منارات في المجتمع، تحتاج الجامعات في منظمة المؤتمر الاسلامي الى إنعاش طرقهم التدريسية مع خلط العلوم مع الفنون والليبرالية الفكرية مثل التاريخ والفلسفة. ولتصبح الجامعات اكثر جدارة يجب العمل على تطوير طرق جديدة لتقييم اعضاء هيئة التدريس ومكافأة البحوث القيّمة والتدريس والتوعية. لكي يحدث ذلك على الحكومات اعطاء الجامعات المزيد من الحكم الذاتي.

مابين الكميّة والنوعية:

فريق العمل قام بجمع البيانات عن الانتاج العلمي ل 20 دولة من دول منظمة المؤتمر الاسلامي وتلك الدول تُمثّل اكثر من 90% من الانتاجية العلمية لللدول في تلك المنظمة على مدى العقدين الماضيين. من الفترة 1996-2005 والى منتصف ال2006 فقد تضاعفت الاوراق العلمية المُنتجة وبعضها بلغ ثلاثة اضعاف انتاجها. فدولة قطر قفزت بمعامل 7.7 وايران بنسبة 7.6 . لكن رغم ذلك فان عدد الاوراق العلمية ما زال اقل من المتوسط للبلدان التي تمتلك ناتجا محليا اجماليا مماثلا. لقد وجد فريق البحث ان متوسط انتاج الاوراق العلمية لعينة منظمة المؤتمر الاسلامي تبلغ 4.2 في العقد الاخير، مقارنة بمتوسط 8.6 لمجموعة من البلدان المقاربة في الناتج المحلي الاجمالي مثل البرازيل واسبانيا وكوريا الجنوبية وجنوب افريقيا واسرائيل.

اما الاستشهادات من الاوراق العلمية للمنظمة فكانت 5.7 بالمتوسط للفترة 2006-2015 مقارنة مع 9.7 لجنوب افريقيا و13.8 لاسرائيل-وهي بلدان مقاربة لدول المنظمة من ناحية الناتج المحلي الاجمالي- اما ضمن قائمة الاستشهاد ال 100 الاكثر ذكراً منذ عام 1900 لحد الان فلم يُستشهد منها لاحد المؤلفين الرئيسيين للبحوث من اي دولة من ضمن الدول ذات الغالبية المسلمة.

يجب ان تكون البحوث العلمية مستجيبة للاحتياجات الفكريةوالعلمية للمجتمع. هذا الهدف غالباً ما يكون بعيدا عن الانظار الان-بل انه في الغالب لا يؤخذ بنظر الاعتبار-بالنسبة لمعظم المؤسسات الاكاديمية في المنطقة.

على العلماء والمهندسين ان يبتكروا طُرُقاً خلاّقة ومبتكرة وقادرة على التعامل مع مسائل الاخلاق والدين والغرض الاجتماعي الاوسع للبحوث، ويجب على الطلاب الحصول على التعليم بنمط الفنون الليبرالية الموّسع.

القليل من المؤسسات التي تربط طلابها مع خلفيتهم الثقافية من جهة والمعرفة المعاصرة من جهة اخرى. ففي بداية السبعينيات بدأت جامعة شريف في طهران للعلوم التكنولوجية برنامجا غنيا تم الخلط من خلاله بين التاريخ الاسلامي والفلسفة والثقافة والعلوم والهندسة. لازال برنامج تلك الجامعة لفلسفة العلم في الدراسات العليا هو الوحيد في دول منظمة المؤتمر الاسلامي الذي عرفناه في بحثنا. لذا، ربما ليس من المصادفة ان تُدرج جامعة شريف باعتبارها افضل جامعة ايرانية وبالمركز الثامن من ضمن دول منظمة المؤتمر الاسلامي حسب تصنيف التايمز للتعليم العالي في الجامعات العالمية.

في السنوات الاخيرة، تم استخدام الفنون الليبرالية للتعليم في المؤسسات على غرار الولايات المتحدة الامريكية، مثل الجامعة الامريكية في بيروت والجامعة الامريكية في القاهرة. احد هذه الجامعات هي الجامعة الامريكية في الشارقة في الامارات العربية المتحدة، حيث احتلت هذه الجامعة المركز السابع في تصنيف QS للجامعات من ضمن 22 دولة عربية. هذه الجامعة ممولة ذاتياً وهي محلّية المنشأ ودون انتماء رسمي مع المؤسسات الامريكية ، حيث يتطلب من دارس العلوم او الهندسة لدخول ثلث الكورسات المطلوبة منه للتخرج-بما يقارب 40 كورسا- في العلوم الانسانية والعلوم الاجتماعية واللغة والتواصل.

اما جامعة حبيب التي تأسست العام الماضي في مدينة كراتشي الباكستانية فتتبع هذا الطراز ايضا، حيث يُطلب من طلاب العلوم والهندسة اخذ دورات في”فهم الحداثة” و”الحكمة” وكورس الحكمة يتضمن سلسلتين، اولاها عن “الحكمة التقليدية” فضلا عن العديد من المؤسسات الاخرى التي تسعى لخلق تقريب بين العلوم الهندسية والمتخصصين في العلوم من العلوم الانسانية والاجتماعية . يجب على المؤسسات ان تحذو حذوها.

إبتكار المناهج الدراسية:

دروس العلوم فيها مشاكل خطيرة، فغالباً ما يتم استيراد الكتب المدرسية المستخدمةفي دول منظمة المؤتمر الاسلامي من الولايات المتحدة واوربا، وعلى الرغم من المستوى العال لهذه الكتب الا ان هذا يخلق انفصال بين المتعلمين وثقافتهم. ولتشجيع الاكاديميين على انتاج كتب عالية الجودة من الكتب المدرسية والمواد الاكاديمية الاخرى، تحتاج الجامعات لمكافأة الموظفين لانتاج هذه الكتب بقدر ما تفعله لنشر البحوث.

من المشاكل المهمة، النظر الى بعض الحقائق الاساسية على انها مثيرة للجدل وبالتالي تُهمّش. فالتطور على سبيل المثال، عادةً ما يتم تدريسها لطلاب البايولوجيا فقط وغالباً ما يتم تسميتها”نظرية فقط” ونادرا ما يتم توصيلها بباقي جسم المعرفة. وقد وجدت احدى الدراسات-على سبيل المثال- ان معظم الاطباء الماليزيين وطلاب الطب في ماليزيا يرفضون التطور- يجب تدريس التطور على نطاق واسع وتبيان انه على توافق مع الاسلام وثقافته. ان تدريس الفلسفة وتاريخ العلوم يساعد في ذلك جداً.

إن الاجماع العالمي للهدف من العلوم هو تعزيز فهم أعمق للقوانين العلمية، لكن معظم الجامعات في منظمة المؤتمر الاسلامي تعتمد طريقة تدريس المحاضرة وهذه الطريقة لا تزال سائدة فيها. استثناءات نادرة لطرق التدريس  منها معهد البترول، جامعة الهندسة في ابو ظبي الامارات، حيث انشأت هيئة التدريس تجربة التدريب العملي وجاء بنتائج ايجابية بالنسبة لاهتمام الطلاب وزيادة نسب الالتحاق خصوصا من قبل النساء.

مشكلة اخرى تواجه اعضاء هيئة التدريس فهم نادراً ما يتلقون تدريباً في مسائل التقويم والتقييم التدريسي-ربما بعضهم لا يتلقاها ابدا-وهذا الامر يصح في اي مكان اخر من العالم، لكن التغيير امر أصعب عند الحديث عن التغيير في العديد من دول منظمة المؤتمر الاسلامي. في الاغلب، فان المناهج والمقررات الدراسية يتم وضعها من قبل لجان مركزية من الوزارة وبقواعد بيروقراطية وكذلك الامر بالنسبة للتعيينات والترقيات لاعضاء الهيئات التدريسية وهذا لا يترك مجالا كبيرا للجامعات للابتكار في هذا المجال.

المُضي قُدماً للأمام:

تحتاج الجامعات في دول منظمة المؤتمر الاسلامي الى المزيد من الحكم الذاتي والى المزيد من رؤساء الجامعات المُختارين على اساس قدراتهم، وبذا تسعى تلك المؤسسات الى التفوق العلمي وهذا سيؤدي-فيما بعد- الى هبوب رياح التغيير نحو المزيد من الشفافية والحكم الجدير داخل مجتمعاتهم.

الجامعات بحاجة الى تعزيز المقاييس الصحيحة، بحيث لا تُشجع-عن قصد او غير قصد- على الانتحال والعلم غير المرغوب به. تحتاج جامعات المنطقة الى بيانات متسقة وواضحة المعالم لكل من طلاب العلوم واعضاء هيئة التدريس، والمناهج الدراسية وطرق التدريس ولغة التدريس …الخ. كما ندعو الى اصلاح مناهج العلوم والتربية. كذلك فأن الجامعات بحاجة الى المزيد من الاختصاصات المتعددة ، وتعليم العلوم الاستكشافية. ستكون البداية جيدة بأن يبدأ التدريب لاساتذة الجامعات ، مع ورش عمل حول الادوات والاساليب الجديدة في التعليم. لابد أيضاً من كسر الحواجز بين الاقسام والكليات والبرامج الجديدة التي تم انشاؤها. الأساتذة بحاجة الى ان يكونوا احرارا في الموضوعات التي لم يتم تنظيمها من قبل الوزارات بيروقراطياً.

هناك جهود شعبية في جميع انحاء العالم الاسلامي لتحفيز الفضول حول العلم بين الطلاب في جميع الاعمار، وتعمل تلك الجهود من دون الدعم الحكومي بأكثر الاحيان. فشخص مثل أحمد جبار، مؤرخ العلوم الفخري في جامعة ليل في فرنسا، قام بعمل موقع على الانترنت لرفع المستوى ماقبل الجامعي، اطلق على موقعه اسم””الاكتشافات في الدول الاسلامية” والموقع متوفر بثلاث لغات، ويتعلق الموقع بشرح المفاهيم العلمية والاكتشافات الكبيرة بالاضافة الى قصص من العصر الذهبي الاسلامي.

الجامعات تحتاج الى تنفيذ الاصلاحات بشكل فردي-اي تتولى كل جامعة اصلاحاتها بنفسها-فالامل يأتي من بعض”جُزُر التميّز” التي قد تُحوّل مجرى الرأي العام في كل الشؤون منها السياسية. ففي باكستان، هناك جامعتان للتعليم الخاص أُنشئتا في الثمانينات-جامعة اغا خان ومستشفى تابع له فيكراتشي وجامعة لاهور للعلوم الادارية- حيث قاما بثورة للتعليم الطبي والاعمال في غضون عشر سنوات فقط. حيث بدأ الطلاب في الاماكن الاخرى تطالب بعمل جامعات على غرارهما. وهذا شيء يمكن القيام به بالامور العلمية.

انها دعوة مفتوحة لكل الجامعات في حجميع انحاء العالم الاسلامي للانضمام الى شبكة تطوعية للجامعات العلمية -NEXUS- والتي ستُفتتح في العام المقبل وهدفها اعداد مدارس صيفية لرؤوساء الجامعات والعمداء لرصد التقدّم المُحرز بعد وضع الاصلاحات في الجامعات المشاركة، واصدار تقارير من شأنها تقييم اداء الجامعات في تحقيق الانجازات والاعتراف بالعثرات وادخال المزيد من التحسينات. إن العمل يتطلب التحول الحقيقي بعمل الكثير من الوزارات والهيئات التنظيمية ووكالات التمويل، وهذه المؤسسات هي اكثر مؤسسات مقاومة للتغيير.

المصدر: هنا

عن Raad Talib

شاهد أيضاً

الرسم ليس مجرد فن بل أداة رائعة للتعلم 

بقلم : مات ديفيس  بتاريخ :20-9-2018  ترجمة : دعاء عماد  تدقيق : ريام عيسى تصميم …

الطالب اللامع للعالم العربي.. مالذي تعلمه تونس لجيرانها عن قيمة التعليم

كتبه لفورين بوليسي: كيم غطاس منشور بتاريخ: 9/ 4/ 2019 ترجمة : ياسين إدوحموش تدقيق …