الرئيسية / مناخ/ تغير مناخي / تغير المناخ يُضر بالزراعة العالمية، وهذه الأخيرة تُدمر المناخ كذلك

تغير المناخ يُضر بالزراعة العالمية، وهذه الأخيرة تُدمر المناخ كذلك

بقلم: جايسون هيكيل
ترجمة ياسين إدوحموش
تدقيق: ريام عيسى
تصميم الصورة: نورا محمود 
لو طُلب من الناس ذكر أكبر الأخطار الناجمةِ عن انهيارِ المناخِ، فسيبدأ جُلهم بالحديث عن أحداث مناخية قاسية، مثل الأعاصير المدمرةِ والعواصِف الشديدة والمَوْجات الحَارةِ الفتاكة والفيضانات المفاجئة والحرائق الهائلة. لا غرابةً في هذا، بالنظرِ إلى طريقة تًغطية نِظامِنا الإعْلامي لأزمةِ المناخ. تُعطينا الأحداث المناخية القاسية دليلاً ملموساً للإشارة إليه، إذ يمكننا أن نراها تحدث في الوقت الفعلي، وبِوسعِ أي شَخص يُولي اهتماماَ أن يعلم أنها تزداد سوءًا.
ولكن في حينِ يُشكلُ الطقسُ القاسي تهديداً حَقيقياً على المُجتمعاتِ الًبشريةِ (انظر إلى ما فعله إعصار ماريا لبورتوريكو)، فإن بعض الجوانب الأكثر إثارة للقلق لتغير المناخ أقل وضوحًا وغير معروفة حتى. من الأمثلة على ذلك تقرير جديد مُكون مِن 1400 صَفحة صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، يستكشف تأثير انهيار المناخ على أهم سمات الحضارة الإنسانية، وهي نظامنا الغذائي.
يكفي النظر إلى جبال الهيمالايا الجليدية. فعندما نفكر في ذوبان الأنهار الجليدي، نبكي على فقدان الأعجوبة الطبيعية وينتابنا القلق حيال ارتفاع مستوى سطح البحر، ولا نفكر كثيرًا في علاقة الأنهار الجليدية بالطعام، إذ هنا تكمن الأزمة الحقيقية.
يَعتمدُ نِصفُ سُكانِ آسيا على المياه التي تَتَدفقُ من الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا – ليس فقط للشرب والاحتياجات المنزلية الأخرى ولكن الأهم من ذلك للزراعة. لآلاف السنين، تتجدد المياه الجارية المنحدرة من تلك الأنهار الجليدية كل عام بسبب تراكم الجليد في الجبال. لكن في الوقت الحالي، تذوب هذه الأخيرة بمعدل أسرع بكثير من معدل استبدالها. وفي مسارنا الذي نسلكه حالياً، إذا فشلت الحكومات في التقليل من الانبعاثات بشكل جذري، فإن معظم تلك الأنهار الجليدية ستزول خلال جيل واحد، كما سيؤدي هذا إلى تمزيق النظام الغذائي في المنطقة، تاركاً 800 مليون شخص في مواجهة أزمة.
وهذا بالنسبة لقارة آسيا فقط. في العراق وسوريا ومعظم مناطق الشرق الأوسط، سيجعل الجفاف والتصحر مناطق بأكملها غير صالحة للزراعة. أما جنوب أوروبا فسوف يذبل ليتحول إلى امتداداً للصحراء، كما ستتضرر المناطق الرئيسية لزراعة الأغذية في الصين والولايات المتحدة. وفقًا لتحذيرات وكالة ناسا، فإن الجفاف الشديد يمكن أن يحول السهول الأمريكية والجنوب الغربي إلى أرض قفرة عملاقة، وهي مناطق تعد اليوم مصادر موثوقة للغذاء. ومن دون اتخاذ إجراءات عاجلة متعلقة بالمناخ، سيتغير ذلك. كما يقول ديفيد والاس-ويلز في كتاب The Uninhabable Earth، يقدر العلماء أنه لكل درجة ترتفع فيها درجة حرارة الكوكب، ستنخفض غلة محاصيل الحبوب الأساسية بنسبة 10٪ في المتوسط. وإذا بقيت الأمور على حالها، فمن المرجح أن تنهار المواد الأساسية بنسبة 40 في المائة مع نهاية القرن.
في الظروف العادية، يمكن تغطية أوجه النقص في الأغذية في المنطقة باستعمال فوائض من أماكن أخرى على الكوكب. لكن النماذج تشير إلى وجود خطر حقيقي من أن انهيار المناخ قد يؤدي إلى نقص في قارات متعددة في وقت واحد. فوفقًا لتقرير اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، من المحتمل أن يتسبب ارتفاع درجات الحرارة بأكثر من درجتين مئويتين في “اضطرابات مستمرة في الإمدادات الغذائية على مستوى العالم”. وكما كتب المؤلفون الرئيسيون للتقرير : “يتزايد الخطر المحتمل لفشل سلة الغذاء”.
من المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى رفع معدلات الجوع وسوء التغذية وتوقف نمو الأطفال. غير أننا سنخدع أنفسنا إذا اعتقدنا أن الأمر يتعلق بعدم وجود ما يكفي من الطعام لتناوله، إذ أن للأمر عواقب وخيمة على الاستقرار السياسي العالمي. ستشهد المناطق المتأثرة بنقص الغذاء نزوحًا جماعيًا بحيث سيهاجر الناس إلى المناطق الصالحة للزراعة في العالم أو يبحثوا عن إمدادات غذائية مستقرة. في الواقع، هذا يحدث بالفعل. فكثير من الأشخاص الذين يفرون من أماكن مثل غواتيمالا والصومال يفعلون ذلك الآن لأن مزارعهم لم تعد صالحة.
تتعرض الأنظمة السياسية للإجهاد بالفعل بسبب ثقل أزمة اللاجئين: بدأت الحركات الفاشية مسيرتها، والتحالفات الدولية تتلاشى، حيث تعد عاملاً في خسارة 40 في المائة من الغلة الزراعية، ولا يمكن التنبؤ بالحرائق التي قد تنشب.
ثمة مفارقة مثيرة للقلق هنا. يتسبب تغير المناخ في تقويض أنظمة الغذاء العالمية، ولكن في الوقت نفسه تعد أنظمة الغذاء لدينا سببًا رئيساَ في انهيار المناخ. فوفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تساهم الزراعة بما يقرب من ربع جميع انبعاثات الغازات الدفيئة البشرية المنشأ.
بطبيعة الحال، ليست المشكلة هنا هي أي نوع من الزراعة فقط، بل هو بالتحديد النموذج الصناعي الذي سيطر على الزراعة خلال نصف القرن الماضي أو نحو ذلك. هذا النهج لا يعتمد فقط على إزالة الغابات بصورة عدوانية لإفساح المجال أمام زراعة أحادية المحاصيل واسعة النطاق، والتي تولد وحدها 10 في المائة من غازات الدفيئة العالمية؛ حيث إنه يعتمد كذلك على الحرث المكثف والاستخدام المكثف للأسمدة الكيماوية، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور تربة الأرض بسرعة وأثناء العملية إطلاق سحب عملاقة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
قد تبدو هذه مشكلة لا يمكن التغلب عليها، في ظاهر الأمر. ففي النهاية، نحن بحاجة إلى إطعام سكان العالم، ويبدو أن الزراعة المكثفة هي الطريقة الأكثر نجاعة للقيام بذلك. وبالنظر إلى أن حوالي مليار شخص لا يحصلون على ما يكفي من الطعام للأكل في واقع الأمر، ربما يجدر القيام بالكثير منها. وإذا كان الأمر كذلك، فيبدو أنه من المستحيل تقريبًا تحقيق الأهداف المناخية وفي الوقت نفسه إنتاج ما يكفي من الغذاء لإطعام العالم.
ولحسن الحظ، هناك حل سهل، ويعتمد على إدراك أن كمية كبيرة من الزراعة الصناعية ليست في الواقع ضرورية لتلبية احتياجات الإنسان.
ضعوا في الاعتبار ما يلي: وفقًا لـلفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، يتم إهدار حوالي 30 بالمائة من الإنتاج العالمي للأغذية كل عام، معظمها يأتي من البلدان ذات الدخل المرتفع. فمن خلال القضاء على هدر الغذاء وتوزيع فوائض الطعام بشكل أكثر إنصافًا، يمكن إنهاء الجوع مع تقليل الإنتاج الزراعي العالمي بالفعل. يقدر العلماء أن ذلك يمكن أن يحرر عدة ملايين من الأمتار المربعة من الأرض ويخفض الانبعاثات العالمية بنسبة 8 إلى 10 في المائة، ما سيقلل الضغط عن المناخ. وهذا ليس صعب التحقيق. في كوريا الجنوبية، يتعين على الأسر دفع رسوم مقابل كل كيلوغرام من الطعام الذي يرمونه. حظرت فرنسا وإيطاليا نفايات الطعام من قبل محلات السوبر ماركت. يمكن فعل الشيء نفسه بالنسبة للمزارع، بداية بنقطة الإنتاج.
تُعتبر معالجة النفايات الغذائية خطوة أولى مهمة نحو جعل النظم الزراعية أكثر عقلانية تجاه المناخ. ولكن هناك تدخل آخر، ربما أبسط، يجب أن يكون مطروحا على الطاولة.
يتم استخدام ما يقرب من 60 في المائة من الأراضي الزراعية العالمية لمنتج غذائي واحد، هو لحوم البقر. ومع ذلك، وبعيدًا عن كونها وجبة أساسية في النظام الغذائي البشري، فإن لحم البقر لا يمثل سوى 2 في المائة من السعرات الحرارية التي يستهلكها البشر. وإذا ما نظرنا إلى السعرات الحرارية والعناصر المغذية التي تحتويها، فإنها واحدة من أكثر الأطعمة غير الفعالة والمدمرة بيئيًا على هذا الكوكب، والضغط لإيجاد أرض جديدة للمحاصيل العلفية ومحاصيل العلف هو أكبر دافع لإزالة الغابات. من حيث التأثير الكلي للمناخ، ينطوي كل كيلوغرام من لحم البقر على انبعاثات صافية تُعادل رحلة ذهاب وعودة عبر المحيط الأطلسي.
وفقًا للبحوث المنشورة في مجلة Climatic Change، فإن خفض استهلاك لحوم الأبقار لصالح لحوم الحيوانات غير المجترة أو البروتينات النباتية مثل الحبوب والبقول يمكن أن يحرر ما يقرب من 11 مليون ميل مربع من الأرض – أي حجم الولايات المتحدة وكندا والصين مجتمعة .ووفقًا لـلفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، سيتيح هذا التحول البسيط في النظام الغذائي تحويل مساحات شاسعة من الكوكب إلى موائل الغابات والحياة البرية، وخلق بالوعات كربونية جديدة وخفض انبعاثات صافية بنسبة تصل إلى 8 جيجاطن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهذا حوالي 20 في المائة من الانبعاثات السنوية الحالية.
مرة تلو الأخرى، يجد العلماء أن خفض استهلاك لحوم البقر – وخاصة في البلدان ذات الدخل المرتفع – من بين أكثر السياسات التحويلية التي يمكن تنفيذها وتعد ضرورية من أجل تجنب تغير المناخ الخطير. ومن حيث الأهداف المناخية، يمكن أن يعني ذلك الفرق بين النجاح والفشل.
كيف يمكن تحقيق ذلك؟ تتمثل الخطوة الأولى في إنهاء الدعم الكبير الذي تقدمه معظم البلدان المرتفعة الدخل لمزارعي لحوم البقر. يختبر الباحثون أيضًا مقترحات لفرض ضريبة على اللحوم الحمراء والتي وجدوا أنها لن تقلل من الانبعاثات فحسب، بل ستجلب أيضًا مجموعة واسعة من الفوائد على الصحة العامة بينما تخفض التكاليف الطبية. يتمثل النهج الأكثر طموحًا في التخلص التدريجي من منتجات لحوم البقر تمامًا، بينما نسعى إلى التخلص التدريجي من الفحم والوقود الأحفوري. هناك سابقة لمثل هذه الخطوة: الحوت وزعنفة سمك القرش أصبحا خارج القائمة لأسباب بيئية. معظم الدول لديها قواعد صارمة بشأن المنتجات الخطرة مثل المخدرات والبنادق – لذلك من المنطقي التوفر على قواعد مماثلة بشأن المنتجات المدمرة بيئيًا.
بالإضافة إلى التغيرات الغذائية وتقليص هدر الطعام، وجدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن التحول السريع من أساليب الزراعة الصناعية التقليدية نحو الأساليب التجديدية – الحراجة الزراعية، الزراعة المختلطة، الزراعة بدون حرث، والنُهُج العضوية – سوف يقطع شوطًاً طويلاً نحو استعاد قوة التربة وامتصاص الكربون من الجو، وتحسين الغلات طويلة الأجل، وجعل المحاصيل أكثر قدرة على تحمل تغير المناخ.
تم طرح العديد من هذه الأفكار في مقترح الصفقة الجديدة الخضراء، وقد جعل المرشح الرئاسي الأمريكي تيم ريان بعض منها في قلب برنامجه الانتخابي. بالطبع، نحن بحاجة إلى تقديم كل ما لدينا لوضع حد لاستخدام الوقود الأحفوري في أسرع وقت ممكن. ولكن إذا أردنا الحصول على فرصة جيدة لتفادي التغير المناخي الكارثي، فإن إعادة التفكير في الصناعات الغذائية يجب أن يكون جزءًا من الخطة.
المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

التأثيرات الخطيرة لأزمة المناخ على صحة البشر

نشر في: موقع “ذي كارديان” بتاريخ: 3 يونيو/حزيران 2019 الكاتب: داميان كارينغتون ترجمة: رشا غزوان …

تحدي العشر سنوات كيف تغير العالم منذ عقد من الزمن

منشور في موقع بي بي سي منشور بتاريخ: 18 يناير 2019 ترجمة: رفاه عبد الرزاق …