الرئيسية / علم نفس / الغرور عدو القادة اللدود

الغرور عدو القادة اللدود

كتبه راسموس هوجارد وجاكلين كارتر
في نوفمبر 06 ، 2018
لموقع: Harvard Business Review

ترجمة: رشا سالم

في يومه الأول كمدير تنفيذي لمجموعة (كارلسبيرغ)، وهي شركة عالمية للمشروبات الكحولية، تَسَلّم تيس هارت بطاقة مفتاح من مساعده. تغلق البطاقة كل الطوابق عند استخدامه المصعد ليتمكن من الوصول الى مكتبه مباشرة في الطابق العشرين. بنوافذ ذات إطلالة مميزة، تبدو مدينة كوبنهاغن خلابة من خلالها. كانت هذه امتيازات منصبه الجديد. امتيازات أظهرت نفوذه وأهميته في الشركة.
أمضى تيس شهرين للتأقلم مع مسؤولياته الجديدة. لكن خلال هذه المدة لاحظ انه كان نادراً ما يرى الناس أيام العمل. بما أن المصعد لم يتوقف في الطوابق الأخرى وكان هناك فقط مجموعة مختارة من المُدراء يعملون في طابقه، كان من النادر أن يلتقي بأحد من موظفي الشركة. حينها قرر تيس تبديل مكتبه في الطابق العشرين والانتقال الى مكتب شاغر يقع في طابق مفتوح أدنى من سابقه.
وعندما سئل عن السبب، قال “إذا لم اُقابل الناس لن أتمكن من معرفة ما يفكرون به. وإذا لم أتحسس بنفسي أوضاع المنظمة، لن أتمكن من الادارة بشكل فعّال”
هذه القصة هي مثال جيد لسلوك القائد الناشط لتجنب مخاطر العُزلة التي تأتي مع تقلد المناصب العليا. وهذه المخاطر تعد مشكلة حقيقية للقادة الكبار. باختصار كلما كانت رتبة القائد أعلى، زاد مكروه تعرضه لآفة الأنا والغرور. وكلما زاد حجم غروره، بات حبيس غارة منقطعة لا يصل زملائه وينسى أعرافه والأكثر من ذلك، لا يسمع عن زبائنه. لنقم بتحليل هذه الحالة خطوة بخطوة.
أثناء تقلدنا مراتب أعلى نحن نكتسب المزيد من السُلطة. وتزداد رغبة الناس في الاستماع الينا بحرص لغرض إسعادنا والاتفاق الكامل مع آرائنا والضحك على دُعاباتنا. كل ذلك يُرضي غرورنا. وعند ذلك يبدأ بالنمو. (متلازمة الغطرسة) هي ما يطلق عليها كل من ديفيد أوين، وزير الخارجية البريطاني السابق وعالم الأعصاب وجوناثان ديفيدسين، بروفسيور في الطب النفسي والعلوم السلوكية في جامعة ديوك، ويعرفوها بأنها “اضطراب تسنم السلطة، خاصة السلطة التي ترتبط بنجاح ساحق، دامت لعدة سنوات.”
يضع الغرور غير المسيطر عليه غشاوة على نظرتنا للأمور ويُحرف قيمنا. بحسب كلمات جينيفر وو المديرة التنفيذية ورئيسة مجموعة (لين كروفورد جويس)، من أكبر متاجر التجزئة الفاخرة في آسيا، “المسؤولية الأهم لأي قائد هي إدارة غرورنا التَوّاق الى الثروة والشُهرة والنفوذ”. عندما نقع في فخ شغف غرورنا الى المزيد من القوة، نفقد السيطرة. يجعل الغرور منا أكثر عُرضة للتلاعب؛ فهو يُضيق مجال الرؤية عندنا ويخرب سلوكنا، لتكون النتيجة في الغالب تصرفنا بما ينافي قيمنا.
يمكننا تمثيل الغرور بإشارة هدف نحملها على الدوام. وكأي هدف، بازدياد حجمه يُصبح أكثر عُرضة للهجوم. وبهذه الطريقة كلما تضخم الغرور أصبح من السهل على الآخرين استغلالنا. لأن غرورنا يتوق الى الاهتمام الايجابي، مما يجعلنا عرضة الى التلاعب. ويمكن التنبؤ بتصرفاتنا. وعندما يعرف الناس ذلك، يمكنهم عندها اللعب على وتر غرورنا. عندما نصبح ضحية لحاجتنا الى أن نظهر كعظماء، ينتهي بنا الأمر الى اتخاذ قرارات قد تضرنا وتضر المحيطين بنا والمؤسسة التي نقود.
يخرب الغرور المُتعاظم سلوكنا عندما نظن باننا الوحيدين المسؤولين عن نجاحنا، لنكون أكثر فظاظةً وأنانية ونميل أكثر الى مقاطعة الغير. ويكون ذلك بالأخص عند مواجهتنا لنكسات وانتقادات. وبذلك يمنعنا الغرور من التعلم من أخطائنا ويخلق جداراً دفاعياً يعيق اعتبارنا بالدروس الثمينة التي نكتشفها من الفشل.
وفي النهاية، فهو يضيّق أفق رؤيتنا. كثيراً ما تحب الأنا سماع أمور تديم سلطانها. باختصار، يجعل منا متحيزين الى تأكيد معتقداتنا. لهذا السبب نفقد رؤيتنا للواقع لينتهي بنا الأمر داخل فقاعة السلطة: نسمع ونرى فيها ما نريده نحن فحسب. وكنتيجة لذلك، نفقد التواصل مع من هم تحت قيادتنا والثقافة التي نحن جزأ منها وبشكل مؤكد عُملائنا وممولينا.
التحرر من هذا الغرور المتضخم والاحترازي بشكل مُفرط وتجنب فقاعة السلطة هو أمر صعب للغاية. إذ تتطلب نكران الذات والتأمل في طباعنا والشجاعة. وهذه بعض النصائح التي ستساعدك:
– خذ بنظر الاعتبار الحوافز والامتيازات التي قُدمت اليك خلال تقلدك منصبك. بعضها تُمكنك من أداء عملك بشكل فعّال. وهو بالأمر الرائع. إلا أن البعض منها محفزات لتعزيز مركزك ونفوذك وفي النهاية غرورك. فكّر أي من هذه الامتيازات يمكنك أن تتخلى عنها. قد تكون موقف سيارة خاص بك أو كما هي الحال عند تيس هارت، بطاقة مرور خاصة للمصعد.
– اعمل مع الذين لا يغذون غرورك وشجّعهم وضعهم في المقدمة. ووظّف أُناساً أذكياء يمتلكون الثقة الكافية للتعبير عن أراءهم.
– التواضع والامتنان هما حجر الزاوية لنكران الذات. خذ لحظة في كل يوم للتأمل بكل من كان له يد في النجاح الذي حصل ذلك اليوم واجعل منها عادة لك. تطوع هذه العادة نفسك على الشعور بالتواضع، لأنك ستكتشف أنك لست السبب الوحيد في النجاح. واختم هذا التأمل بإرسالك رسالة تعبر عن امتنانك لهؤلاء الأشخاص.
الغرور المتضخم الذي يصاحب النجاح وما يتضمنه من راتب أعلى ومكتب أجمل وضحكات عريضة، غالباً ما تجعلنا نشعر بأننا قد وجدنا الحل النهائي في كبسولة القيادة. وهو عكس الواقع تماماً، فالقيادة تتعلق بمن حولك، هم يتغيرون كل يوم. حالما نعتقد باننا وجدنا المفتاح الأوحد لقيادتهم، سنكون قد فقدناه. فإننا إذا ما سمحنا لغرورنا بتحديد ما نراه وما نسمعه وما نصدقه، سيصير الافتخار بنجاح الماضي وحشاً ينهم في نجاح الغد.

المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الأشخاص الحكماء أقل شعوراً بالوحدة! إليكم الأسباب

بقلم: مات دايفيس لموقع: Big Think ترجمة : رهام بصمه جي تدقيق: ريام عيسى  تصميم …

الإشـــــاعة وكيفيــــة انتشارهــــا 

ترجمة: ياسين إدوحموش تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: امير محمد الإشاعة ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى …