الرئيسية / فيزياء / الصّلة الغريبة بين عقل الإنسان وفيزياء الكمّ

الصّلة الغريبة بين عقل الإنسان وفيزياء الكمّ

كتبه لموقع شبكة الإذاعة البريطانية: فيلب بال
بتاريخ: شباط 2017
ترجمة: محمد علي العوادي
تصميم: مرتضى ضياء

“لا أهتدي لمعرفة المشكلة الحقيقية، لذلك فأنا أشكّ بوجودها، لكني لا أجزِم بعدم وجودها” قالَهَا الفيزيائيُّ ريتشارد فاينمان مُعرباً عن أشهر الألغاز والتناقضات التي احتوتها ميكانيكا الكمّ (النظرية التي من خلالها يصِفُ الفيزيائيّونَ أصغر الأجسام حجماً في الكون).
لكنه قد يعزو خطابه هذا إلى مشكلة تماثل ميكانيكا الكمّ تعقيداً، وهي الوعي. يعتقد بعض العلماء أننا نعرف ماهيّة الوعي مُسبقاً، أو هو مجرد وهم. لكن يظن آخرون أننا لم نعرف من أين يأتي الوعي أصلاً. إن معضلَة التوصل إلى فهم الوعي دفعت بعض الباحثين إلى التوسل بفيزياء الكم لحلها. لكنه قاد إلى الشك الذي كان محتملاً: إذ ليس من المنطقِ تفسير أحجية بأُخرى. لكن مثل هذه الأفكار لم تكن سخيفة أو اعتباطية. إن إدراج الذهن ضمن نظريّة الكمّ، تارة، يزعج الفيزيائيين. أضِفْ إلى ذلك أنه يُتوقع من الحواسيب الكمية إنجاز مهام يستحيل أن تنجزها حواسيب عادية، مما يذكّرنا بأن أذهاننا قد تحقق أهدافاً تكون خارج نطاق الذكاء الصناعي. وعلى مدى واسعٍ، عبّر عن “الوعي الكمّي” بازدراء توسلٌ بالخرافة، لكنه وصف لن يدوم طويلاً.
ميكانيكا الكم أفضل نظرية نتبناها لتفسير العالم على المستوى العملي للذرّات والدقائق المكونة لها. ولربما أن من أكثر ألغازها شهرة هي حقيقة أن حصيلة أي تجربة كمية تتغير تبعاً لقياس بعض خصائص الأجسام التي تحتويها.
عندما لاحظ رُوَّادُ نظريّة الكمّ “تأثير المراقِب” (1) لأول مرّة، وقعوا في مشكلة كبيرة. إذ ثمةَ افتراض أساسيّ يكمن وراء كل العلوم وهو أن في الخارجِ عالم موضوعي لا يتأثر بنا. فإن كان العالم يتغير اعتماداً على نظرتنا إليه، فماذا تعني الحقيقة إذن؟ أُجبر بعض الباحثين على القول بأن الموضوعية مجرد وهم، وأن الوعي يؤدي دوراً فعالاً في ميكانيكا الكمّ. لكن البعض الآخر يرى أن هذا ليس صحيحاً. وقد تذمّر آينشتاين ذات مرة قائلاً أنه كيف للقمرِ أن يختفي إن لم نلتفت إليه؟
يشكك بعض الفيزيائيين اليوم بتأثير الوعي على ميكانيكا الكم. كما اعتقدوا أنه قد يُلجأ إلى ميكانيكا الكمّ لفهم كيفية عمل الذهن بصورة شاملة. فهل لتواجد الأجسام الكمية في مكانين في آن واحد علاقة بتصور العقل الكمّي فكرتين متعارضتين في نفس الوقت؟ إن هذه الأفكار لا تتعدى التخمين، فقد يُستنتج أن فيزياء الكمّ لا دور أساسي لها في عمل الذهن. لكن إنْ تنازلنا عن هذه الافتراضات، فإن إمكانية التأثيرِ تُرينا كيفَ تملي نظرية الكمّ على تفكيرِنا بغرابة.
إن أشهَرَ تطفل للعقل على ميكانيكا الكمّ جاء في “تجربة الشّقّ المُزدوج”. تخيلْ توجيهَ أشعة ضوء إلى شاشة تحتوي شقين متوازيين. ويمر بعض هذه الأشعّة من خلال الشقين ليصطدم بشاشة أخرى. يُنظر للضوء على أنه نوعاً من الموجات. وعندما تتولد أمواج الضوء وتمر من الشقين بهذه الطريقة تتداخل فيما بينها. فإن تقابلت قمم الأمواج تشتدّ قوتها، بينما إن تقابلت القمة مع القعر تمحي إحداهما الأخرى. إنّ هذا التداخل الموجيّ يدعى انحراف الضوء، والذي يُنتِج نقاطاً ذات ضوء وظلمة مشككين معروضة على الشاشة الأخرى، حيث تشتد الأمواج الضوئية أو تختفي. أظهرت التجربة تقارب ميزة الموجة مع الضوء قبل 200 سنة، أي قبل معرفة نظرية الكم.
تنطبق تجربة الشق المزدوج على الجسيمات الكمومية كالإلكترونات مثلاً؛ وهي جسيمات صغيرة مشحونة توجد في الذرة. إنّ هذه الجسيمات تتحرّك كالأمواج. فهي تخضع للانحراف عندما يمر تيار منها خلال الشّقين، مما يُحدِث تداخلاً. افترض الآن أنّ الجسيمات الكمومية تُرسَل خلال الشقين واحدة بعد واحدة. وأن وصولها إلى الشاشة الأخرى يكون بطريقة مماثلة. عندها سنرى بوضوحٍ أنه لن يحدث أي تداخل للجسيمات على طول المسار. لذلك فإن نمط الجسيمات يُظهر أن الزيادة المتكثرةَ بمرور الوقت هي التي تُحدث مجاميعَ متداخلة. تدل التجربة على أن كل جسيم يمر بذات الوقت من خلال الشقين ويتداخل مع نفسه.
إنّ ترابط “كلا المسارين في نفس الوقت” يدعى بحالة التراكب. لكن الشيء الغريب يكمن هنا حقاً. إن وضعنا كاشفاً داخل الشق أو خلفه، نستطيع رصد الأجسام التي تدخل الشق من عدمها. وفي تلك الحالة، يختفي التداخل بأي حال. فبمجرد ملاحظة مسار الجسيمات، حتى إن لم تُجري الملاحظة أي تأثير على حركة الجسيم، ستتغير المحصلة.
قال الفيزيائيّ باسكوال جوردان، الذي عمل مع الأب الروحي لنظريّة الكم نيلز بوهر في كوبنهاجن في العشرينيّات: “إن المراقبة لا تُعيق ما الذي يُفترضُ قياسه، بل تعيد صياغته أيضاً […] إذ نجبر (الجسيم الكمّي) على أخذ موقعٍ مُحددٍ.” وبمعنى آخر، “نحن نصنع نتائج القياس بأنفسنا”. إن كان هذا صحيحاً، فإننا سنضرب عرض الحائط فكرة وجود عالم موضوعي. وقد يزداد الوضع غرابة. إن بدا وكأن الطبيعة تغير سلوكها تبعاً “لمراقبتنا” لها، فسنُحاوِلُ خداعها برؤية ما تخفيه. ولفعل هذا، لنا أن نقيس أي مسار يسلكه الجسيم بين الشقين، ولكن بعد أن يمرّ من خلالهما. وبهذا، سيضطر الجسيم إلى “اختيار” مسارٍ واحد أو كلا المسارين. أجرِيت مثلُ هكذا تجربة في السبعينيّات على يد جون ويلر، كما أُنجِزَت تجربةُ “الخيار المؤجّل” في العقد اللاحقِ. يُستَعمَلُ في التجرِبَةِ تقنيّاتٌ حديثةٌ لإجراءِ قياساتٍ على مسارات الأجسام الكمّية للضّوء (والتي تُسمّى، عموماً، الفوتونات) بعد أن تختارَ مساراً واحداً أو تراكباً من مسارين.
لقد اتضح بأنه، تماماً كما توقع بور بثقَة، لا فرق في القياسِ سواء أخرناهُ أم لم نؤخره. فإننا لن نلحظَ التداخل طالما أنه يختفي قبل أن يُسجل الكاشف مسار الفوتون مؤخّراً. فكأن الطبيعةَ لا “تدري” أنّنا نرابها فحسب، بل كأنّها تدري إن كُنّا نُخطّطُ لذلك. كلما رصَدنا مساراً للجسيم الكمي في هذه الاختبارات، “تتحول” سحابة مساراته الممكنة إلى حالة واحدة معرَفة. بالإضافة إلى أن تجربة الخيار المؤجل برهنت على أنّ محض فعل المراقبة، فضلاً عن أي إعاقة مادية يسببها القياس، قد تحدِث التحول. ولكن هل يحدث هذا التحول الحقيقي عندما تمس نتائج القياس إدراكنا فقط؟
وقد اعترفَ بهذا الفيزيائي الهنغاري يوجين ويجنر إذ كتب “إن الانطباعات التي تدخل إدراكي هي التي تؤثر بالوصف الكمي للأشياء” وكتب أيضاً “قد يكون محور الأنا الشرح المنطقي لميكانيكا الكم”. توقع ويلر أن الموجودات الحية القادرة على “الملاحظة” قد حولَت ما كان مجموعة من سحابة احتمالات كمية في الماضي إلى تأريخ واحد ملموس. إذ قال ويلر بهذا الصدد، إننا نصبح مشتركين في تطور العالم منذ بدايته. وبتعبيره، نحنُ نعيش في “عالم متشارك”. وإلى يومنا هذا، لم يتفق الفيزيائيون على الطريقة الأنسب لتفسير هذه التجارب الكمية. ولحد ما، قد يعود أمر تفسيرها إليك. ولكن من جهة أو اخرى، من الصعب نكران الدليل القائل بارتباط الوعي بميكانيكا الكم بطريقة ما.
في الثمانينيات، اقترح الفيزيائي روجر بنروز أن الارتباط قد ينشط بالاتجاه الآخر. فسواء كان الوعي يؤثر بميكانيكا الكم أم لا، فإن الأخيرة قد تسهم في عمل الذهن. وقد تساءل بنروز، ماذا إن كان ثمةَ تراكيب جزيئية في أدمغتنا تغير حالتها استجابة لحدث كمي واحد؟ ألا تتبنى هذه التراكيب حالةَ التراكب تماماً كالجسيمات في تجربة الشق المزدوج؟ أ للتراكب الكمي أن يظهر على صورٍ تتواصل فيها الخلايا العصبية النشطة بالإشارات الكهربائية؟ يقول بنروز، كوننا نعزز حالةَ التناقضِ الذهني الواضحِ ليس سلوكاً شاذاً للإدراك، بل قد يكون تأثيراً كمياً حقيقياً. يقدر الذهن البشري على اكتساب العمليات الادراكيّة التي ما برحت تفوق الحواسيب الرقمية قدرة.
لربما نستطيع تنفيذ مهام حاسوبية يصعب على الحواسيب العادية، المبرمجة وفق المنطق الرقمي الكلاسيكي، تنفيذها. اقترح بنروز بداية في كتابه (عقل السلطان الجديد) في عام 1989 أن تأثيرات الكم موجودة في الإدراك البشري. وسميت فكرته (الانخفاض المادي المنسق). وتعني عبارة “الانخفاض المادي” أن انقلاب التداخل الكمي والتراكب عملية فيزيائية حقيقية لا تختلف عن ظاهرة فرقعة البالون. اقترح بنروز في نظريته هذه أن الجاذبية هي التي تمنع حدوث التأثيرات الكمية على الأشياء الموجودة حولنا، كالكواكب والكراسي. يعتقد بنروز أنه يستحيل على الأشياء التي تكبر الذرات حجماً أن تقبل حالة التراكب، لأن تأثير الجاذبية سيجبر نسختين متناقضتين على الظهور في الزمان والمكان.
طور بنروز فكرته بمساعدة الطبيب الأمريكي ستيوارت هامروف. اقترح في سفره (ظلالُ العقل) عام 1994 أن التراكيب المساهمة في الإدراك الكمي قد تكون جدائل بروتين تُدعى (الأنيبيبات الدقيقة). وهي موجودة في جل خلايانا، بما في ذلك خلايا الدماغ العصبية. وقد جادل بنروز وهامروف أن لاهتزازات الأنيبيبات الدقيقة أن تتبنى حالة التراكب الكمي. لكن ليس ثمةَ دليل يدحض مثل هكذا ادعاء. اقترح أن فكرةَ التراكب الكمي في الأنيبيبات الدقيقة قد أيدتها التجارب الموسومة عام 2013. لكن هذه الدراسات، حقيقة، لم تتحدث عن التأثيرات الكمية. بالإضافة إلى أن معظم الباحثين اعتقدوا أن الفكرة قد أبطلتها دراسة نشرت في عام 2000. كما احتسب الفيزيائي ماكس تكمارك أن التراكب الكمي للجزيئات المسهمة في الإشارة العصبية لا تبقى حتى لجزء من الزمن الضروري لحركة الإشارة.
من السهل إبطال التأثيرات الكمية كالتراكب مثلاً، بالاستعانة بعملية تدعى فك الترابط. والتي بها يختفي الشيء الكمي عند التفاعل مع بيئته المحيطة. يتوقع أن تحدث عملية فك الترابط بسرعة في البيئات الدافئة والرطبة كالخلايا الحية. إشارات الأعصاب ومضات كهربية يسببها مرور الذرات المشحونة عبر جدران خلايا الأعصاب. إذا كان واحد من هذه الذرات في حالة تراكب ثم اصطدم بخلية عصبية، بين تكمارك أن التراكب يختفي بأقل من بليون جزء من الثانية. وبالنتيجة، فإن الأفكار التي تخص تأثير الكم على الذهن ما زال يتخللها الشّك. لم تغير النقاشات رأي بنروز وظل داعماً لافتراضات نظرية الانخفاض المادي المنسق.
وعلى الرغم من توقع تكمارك لعملية فك الترابط السريعة جداً، فقد وجد باحثون آخرون دليلاً على تأثيرات الكم في الكائنات الحية. وجادل بعضهم أن ميكانيكا الكم نافعة للطيور المهاجرة التي تستعمل نظام الملاحة المغناطيسي، كما تنفع الخضروات التي تكتسب أشعة الشمس لإنتاج السكر في عملية التركيب الضوئي. إضافة لذلك، لم تعد فكرة توظيف الذهن لخدعِ الكم فهماً صائباً، لوجود نقاش جديد مغاير تماماً.
ففي دراسة نشرت عام 2015، جادل الفيزيائي ماثيو فيشر، من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، أنه قد يحتوي الذهن جزيئات قادرة على تعزيز تراكب كمي أقوى. وهو يقصد، على وجه الخصوص، أن لنواة ذرة الفسفور هذه القابليةَ. توجد ذرات الفسفور في كل خلية حية. وكثيراً ما تأخذ شكل أيونات الفوسفات، حيثُ تتحد ذرة فسفورٍ واحدة مع أربعِ ذرات أوكسجين. هذه الأيونات هي الوحدة الأساس للطاقة داخل الخلايا. جل طاقة الخلايا مخزونة في جزيئات تدعى بـ (الأدينوسين ثلاثي الأبعاد)، حيثُ تحتوي سلسلة من ثلاث مجموعات للفوسفات مرتبطة مع جزيء عضوي. وعندما تتحطم إحدى روابط الفوسفات، تتحرر الطاقة لتنتفِعَ منها الخليّة. للخلايا آلة جزيئية تجمع أيونات الفوسفات وتشقها مجدداً.
وقد اقترح فيشر مخططاً يتضمن أيوني فوسفات حلاً في وضعِ تراكب خاص يُدعى “حالة متشابكة”. لنوى الفسفور خاصية كمية تدعى الدوران، التي تجعلها تبدو كأحجار مغناطيس صغيرة تأخذ أقطابها وجهات معينة. وفي حالة التشابك، يعتمد مدار إحدى نوى الفسفور على الأخرى. وبطريقة أخرى، فإن حالات التشابك هي، في الحقيقة، تراكب كمي يتضمن أكثر من جسيم كمي واحد. يقول فيشر أن من المعقولِ أن تقاوم المدارات الذرية ذات السلوك الكمي فك الترابط وفق المقاييس الزمنية البشرية. فهو يتفق مع تكمارك بأن الاهتزازات الكميةَ، التي أقرها بنروز وهامروف، ستتأثر بقوة بالبيئة المحيطة “وستفك ترابطها حالاً”. لكن المدارات الذريةَ لا تتفاعل بنشاط مع بيئاتها. وبالتالي، فقد “يتحصن” السلوك الكمي لمدارات الفسفور الذرية من تأثير فك الترابط.
يدعي فيشر أن هذا قد يحصل إذا اتحدت ذرات الفسفور مع أشياء أكبر تُدعى “جزيئات بوسنر”. وهي مجاميع من ستة أيونات فوسفات مرتبطة بتسعة أيونات كالسيوم. ثمةَ دليل يشير إلى إمكان وجود هذه الجزيئات في الخلايا الحية، لكنه ما زال ظنياً. بالحديث عن جزيئات بوسنر، فقد جادل فيشر أنه قد تقاوم دورات الفسفور فك الترابط ليوم أو أكثر، حتى في الخلايا الحية. مما يعني أنها قد تؤثر على عمل الذهن. إن لجزيئات بوسنر أن تدخل في الجزيئات العصبية. وعند دخولها، تطلق إشارة إلى خلية أخرى، فتستقر وتطلق أيونات كالسيوم. وبسبب التشابك في جزيئات بوسنر، فإن إشارتين منها قد تتشابكان: وقد تقول أنه نوع من التراكب الكمي لـ “فكرة” ما. يقول فيشر “إذا كانت العمليات الكمية مع المدارات الذرية موجودة في الذهن فعلاً، فستكون ظاهرة شائعة جداً تحدث باستمرارٍ في كل وقت”. وقد أُلهم هذه الفكرة عندما شرعَ يفكر بالأمراضِ العقلية. إذ يقول فيشر “بدأت أدرس الكيمياء الحيويةَ للدماغِ قبل ثلاث أو أربع سنين عندما قررت أن أعرف كيف لأيون الليثيوم هذه القدرة العجيبة في معالجة الحالات العقلية على الأرض”.
تعالج عقاقير الليثيوم الهوس الاكتئابي. وتؤدي هذه العقاقير عملها من غير أن يعلم كيف. يقول فيشر “لم أكن أبحث عن تفسيرٍ كمي”. ولكن بعدها صادفه تقرير يحكي عن أن لعقاقير الليثيوم تأثيرات مختلفة على الجرذان تبعاً للنوعِ أو “النظير” المستخدم. كان مواجهة الأمر شيئاً محيراً بالفعل. ففي العرف الكيميائي، يتماثل سلوك النظائر المختلفة. وإن كان الليثيوم عقاراً تقليدياً، فلابد أن تحدث النظائر ذات التأثير. لكنه أدرك أن نوى ذرات الليثيوم مختلفة النظائر لها مدارات مختلفة.
وإن هذه الخاصية الكميةَ قد تؤثر على عمل العقار. إذا حل الليثيوم محل الكالسيوم في جزيئات بوسنر، فإن مداراته “ستستشعر” ذرات الفسفور وتؤثر فيها، وستتداخل في تشابكها. نحن لا نعرف ماهية الوعي، وقد يساعدنا هذا في معرفة سبب معالجة الليثيوم لهوس الاكتئاب. لم يكن بحث فيشر إلا دافعاً فضوليّاً. لكن ثمةَ طرق لاختبار جدارة فكرته. ولنبدأ بفكرة بقاء مدارات الفسفور في جزيئات بوسنر مترابطة كمياً لمدد أطول. وهذا ما يسعى فيشر لإثباته لاحقاً. وبالتالي، فهو يقض من أَن تساق فكرته مساق الأفكار المبكرة بخصوص “الوعي الكمي”، التي يراها محتملة أقصى درجات الشك والتخمين. لم يشعر الفيزيائيون بأي ارتياحٍ عندما قيسوا بنظرياتهم. ويعلق أغلَب الأمل على انفصال الوعي والدماغِ عن نظرية الكم، والعكس بالعكس. فنحن لا ندري ما الإدراكُ حتى، ناهيك من إجراء نظرية لوصفه.
لا يخدمنا وجود نظرية تدعي أن “الوعي الكمي” يقدم تفسيرات منطقية للأشياء، حاله حال التخاطر (2) وتحريك الجمادات باستخدام العقل. وبالنتيجة، يتحرج الفيزيائيون حتى من ذكر “الوعي” و”ميكانيكا الكم” في نفس الجملة. ومن زاوية أُخرى، إن لهذه الفكرة جذوراً عميقة. فمنذ ظهور “تأثير المراقب” واندراجِ الذهن لأول مرة ضمن موضوعات ميكانيكا الكم، أمسى فصلُهُما أمراً في غاية الصعوبة. لدرجة أن كثيراً من الباحثين اعتقدوا أننا لن نخطط لذلك أصلاً. في عام 2016، خمن (آرديان كَنت)، واحد من أكثر فلاسفة الكم إجلالاً في جامعة كامبردج، أن الوعيَ قد يغير سلوك أنظمة الكم بطرق دقيقة لكنها قابلة للكشف. الفيلسوف (كَنت) حذر جداً حيال هذه الفكرة. وقد اعترف قائلاً “ليس ثمةَ سبب مقنع يجعلنا نصدق أن نظريةَ الكم هي الأنسب لصياغة نظرية الوعي، أو إن ألغاز نظرية الكم لا تتناسق مع مشاكل إدراك الوعي”.
لكنه يقول أنه من المتعذر تصديق أن وصف الوعي الذي أجري قبل حقبة فيزياء الكم قادر على تفسير كل سماتها. إن السؤال المربك يكمن في الطريقة التي يختبر بها الوعي محسوسات فريدة كمشاهدة اللون الأحمر أو شم رائحة لحم مقلي. فباستثناء من يعانون العمى، كلنا نعرف شكل اللون الأحمر، لكننا لا نعرف كيف نعبر عن هذا المحسوس، وليس ثمةَ شيء في الفيزياء يخبرنا عنه.
إن مثل هكذا محسوسات تسمى “الكيفيات المحسوسة”. إذ نحسها كخصائص متحدة في العالم الخارجي، وما هي، في الحقيقة، إلا نتاج وعينا – وهذا ما يصعب شرحه. وقد لقبها الفيلسوف ديفيد تشالمرز بـ “معضلة” الإدراك في عام 1995. يقول (كَنت) “كل نزعة فكرية تعزو علاقةَ الوعي إلى الفيزياء تقع في ورطة كبيرة” دفعه هذا إلى القول “بأننا قد نصنع فارقاً في فهم مشكلة تطور الوعي إذا اقترحنا أن الوعي يغير (وإن كان تغييره طفيفاً) احتمالات الكم”. وبتعبيرٍ آخر، قد يؤثر الذهن بحق على نتائج إجراءات القياس. لا يعين الذهن، استناداً على هذا الرأي، “ما هو الحقيقي” بالتحديد. لكنه قد يلحظ حقيقة واحدة من مجموعِ الحقائق الممكنة التي توفرها ميكانيكا الكم، بطريقة لا يمكن حتى لنظرية الكم التنبؤ بها.
يقول (كَنت) أننا قد نختبر مثل هكذا تأثيرات. إنه يقدر بشجاعة فرص تحققها. إذ يقول “سأُعطي نسبةَ 15% بأن ما في الوعي قد يُسبب انحرافاً عن نظرية الكم، ونسبة 3% بأن هذا سيكتشف مختبرياً في الخمسين سنة المقبلة”. إن كان ذلك صحيحاً، فسيحدث فارقاً في أفكارنا بخصوص علم الفيزياء والذهن. مما يجعلها فرصة تستحق البحث والاكتشاف.
الهوامش: 1. مصطلحٌ يُشيرُ إلى مدى تأثير المراقبة أو الملاحظة على الظواهر التي تتِمُّ مراقبتها.
2. القُدرةُ على نقل المعلومات من إنسانٍ لآخَرٍ.
المقال باللغة الإنكليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

أرقام غريبة حيرت الفيزيائيون

بقلم بول راتنر 30/12/2018 ترجمة: أحمد طريف المدرس تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: اسماء عبد محمد هل يعتمد عالمنا، بما في ذلك …

إمكانية السفر عبر الزمن

بقلم: جيم خليلي 11 تموز 2019 ترجمة: ريام عيسى إنه السؤال العلمي المفضل للجميع: هل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *