الرئيسية / بيئة / الصين والتلوث: اجراءات صارمة وسماء زرقاء

الصين والتلوث: اجراءات صارمة وسماء زرقاء

كتبه لصحيفة الغاردين: توم فيليبس من العاصمة بكين
بتاريخ: 22 شباط 2018
ترجمة: زهراء محمد
مراجعة وتدقيق: حسن مازن – أحمد نعيم

تصميم: حسام زيدان

استعادت السماء صفوها فوق بكين مرة أخرى – بيد أنّ البعض يتخوف من أن المشكلة قد تمت مصادرتها إلى مكان آخر.

صورة رجل يرتدي قناع الغاز اُلتقطت بعدسة (وو دي)، فنان بصري من بكين، ترتكز أعماله الفنية على مواضيع التلوث في الصين. 

 الصور الفوتوغرافية للفنان (وو دي) معروضة في ستوديو بكين، وتعكس ملامح الصين وبكين بأسوأ حالاتهما. حيث تجد صور لنساء حوامل على وشك الولادة عاريات، يكشفن عن بطونهن، ولكن يخفين وجوههن تحت أقنعة الغاز الخضراء. وصور لمجموعة من المتعبدين مستلقين على الأرض المحيطة بمعبد السماء لسلالة مينغ، في محاولة يائسة لاستنشاق نفحة هواء نقي من السماء المغطاة بالضباب الدخاني.
رغم المنظر البانورامي الكئيب لازمة الصين البيئية، والتي تجدها في داخل استديو (وو دي)، ففي الخارج منه تجد صورة مختلفة وأكثر إشراقًا تُعرض لأول مرة. فسماء بكين التي هي عادة ملبدة بغيوم الدخان الضار، تجدها صافية وشديدة الزرقة.
إنه اليوم السادس والعشرون على التوالي – قال (وو دي)- الفنان البصري والمصور الوثائقي، وهو يتفقد تطبيقًا يعرض معدل التلوث على هاتفه الذكي، في تأكيد على انخفاض مستوى التلوث غير المعتاد إلى ما دون ٢.٥ بي أم (مقياس الجسيمات القابلة للاستنشاق)؛ وهو مقياس للجسيمات المحمولة جوًا والمرتبطة بأمراض سرطان الرئة الربو وأمراض القلب.
وأضاف (وو) في الماضي، كان تركيز الحكومة في المقام الأول منصبًا على جنّي المال ولَم تعرِ اهتمامًا بتلوث البيئة، لكن من الجَلي أن الحكومة قد غيّرت من استراتيجيّتها… ويبدو أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.
كانت معدلات التلوث في بكين، خلال فترة بدء عمل (وو) على معرضه الفني لتصوير التلوث بالضباب الدخاني المرعب فوق مقياس ب ٢٠ – ٣٠، ضعف المعدلات حاليًا. كانت بكين أشبه بغرفة تدخين عملاقة، كان الضباب الدخاني مهولاً، استذكر (وو دي) مشيرًا إلى صورة التقطت سنة ٢٠١٣ لفتاة تستنشق الأوكسجين من خلال أنبوب مربوط ببالونين على شكل قلبين.
مع ذلك، يبدو أنّ الأمور تغيّرت بمرور الزمن.

يقول وو دي بأنه قرر أن يمتهن الفن بعد أن شاهد رياضيين أجانب يرتدون اقنعه الوجه للحماية من الضباب الدخاني اثناء أولمبياد بكين لسنة ٢٠٠٨. الصورة بعدسة توم فيليبس من صحيفة الغارديان

يمتاز شتاء بكين عادةً بكونه الأشد ضبابية بسبب إحراق الفحم الذي يستخدمه السكان كوقود للتدفئة. لكن نجد أن سماء العاصمة أصبحت نقية بشكلٍ كبيرٍ مؤخرًا، ويعود الفضل في ذلك إلى حد ما إلى إجراءات الحكومة الصارمة للتقليل من استخدام الوقود الأحفوري.
نعمت بكين بتسجيل ٢٦٦ يومًا من الهواء “الجيد” في السنة الماضية وعانت من ٢٣ يومًا من الهواء شديد التلوث، مقارنةً بتسجيل ٥٨ يومًا في عام ٢٠١٣، بحسب بيان إعلامي في الشهر الماضي. وهذا الأمر استقبلته صحيفة الصين الجنوبية في هونغ كونغ بعنوان رئيسي مشكك نصه: “كيف أصبحت بكين واحدة من أفضل مدن الصين من حيث جودة الهواء؟”
في تغريدة (هو زيجين)، محرر صحيفة غلوبال تايمز التابعة للحزب الحاكم، علق فيها إلى جانب صورة لبناء المقر الأزرق السماوي للإذاعة الصينية (CCTV) قائلاً: “أليس من الجيد وجود حزب حاكم قادر على الإيفاء بوعده؟”
وقال (لوري ميلليفيرتا)، الناشط في منظمة غرينبيس لمكافحة التلوث، إنّ قادة الصين يملكون الحق بالافتخار بجعل سماء بكين زرقاء من جديد، بشكلٍ مؤقتٍ على أقل تقدير، رغم لعب الظروف الجوية دور جوهري في حصد هذه النتائج الباهرة.
عمل آلاف المفتشين البيئيين منذ مطلع العام الماضي، بتمشيط منطقة الحزام الصناعي الذي يطوق العاصمة بكين في وقفة حازمة للحد من استهلاك الفحم. واستهدفت الحملة كذلك المركبات ذات الانبعاثات الدخانية شديدة التلوث والمصانع ومواقع الإنشاء. وقال ميلليفيرتا: هناك دليل واضح على أن الإجراءات المفروضة آتت أكلها، وأضاف كذلك أن معدل التلوث الحالي، والذي يسجل ٢.٥، قد انخفض بنسبة ٤٠% عن أعلى مستويات سُجلت له خلال عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣.
ومع ذلك، فقد حذر من أن المقياس الطبيعي للتلوث في بكين يبقى أعلى بنسبة ٦٥% من الحد القومي الطبيعي وأعلى بخمسة أضعاف من المستوى المطلوب، حسب معايير منظمة الصحة العالمية والمعلنة في العام الماضي. كما أن بروز ضباب دخاني كثيف مؤخرًا يُنذر باحتمالية اندلاع معركة بيئية جديدة.
كما أن هناك مخاوف بأن الإجراءات الصارمة المفروضة على محيط العاصمة بكين سينتج عنها هجرة الصناعات المسببة للتلوث إلى مناطق جنوب الصين، على سبيل المثال مناطق دلتا نهر يانغز المحيطة بشنغهاي، والتي تشهد ارتفاعًا ملحوظًا بمستويات الضباب الدخاني. ويضيف (ميلليفيرتا) أن حرب التلوث أبعد مما تكون عن النهاية… كما يتوهم البعض.. في الوقت ذاته، لا يوجد سبب للتشاؤم بما أن الضوابط الجديدة أثبتت فعاليتها.
منذ عقد من الزمن، ترك (وو دي)، البالغ من العمر ٤١ عامًا، عمله كمدير تنفيذي ليصبح فنانًا مهتمًا بشؤون البيئة؛ وذلك بعد صدمته من رؤية صور لرياضيين أجانب يرتدون أقنعةً للحماية من الغبار الدخاني أثناء مشاركتهم في أولمبياد بكين الذي أقيم سنة ٢٠٠٨. وبعد مرور عشر سنوات، بدأت السماء فوق مدينته بالصفو. وقد عبر (وو) عن سعادته لإسهام أعماله الفنية وصوره الفوتوغرافية، والتي تضمنت حملات منظمة غرينبيس لمكافحة التلوث بعضًا منها، في إذكاء الوعي الشعبي بهذه المشكلة.
وفي السياق ذاته، قال (وو) أريدُ أن أنتجُ أعمالاً يمكنها حث المجتمع والحكومة على إحداث تغيير إيجابي؛ والطريقة الأكثر فعالية لحث الحكومة لإحداث التغيير هي عن طريق حث الرأي العام. وأردف قائلاً هذا يبين أنّ عملي لم يكن مضيعة للوقت… وهنا تظهر قوة الفن.
ومع ذلك، عبر (وو دي) عن قلقه بأن التغيير قد حدث بسرعة فائقة تاركًا البعض بمن فيهم (وو) نفسه يرتجفون من البرد. عندما قام مفتشو البيئة بتدمير السخانات التي تعمل على وقود الفحم أواخر العام الماضي، لدفع الناس للتوجه إلى التدفئة باستخدام أنظمة تعمل بالغاز الطبيعي أو الطاقة الكهربائية. وقال بامتعاض أثناء جولته في معرضه مرتديًا معطفا بنيا سميكا: إن درجة الحرارة لا تتجاوز ٤ درجات مئوية في هذا المكان… أستطيع بالكاد العمل.
وأردف بقوله: أتفقُ مع الحكومة على حاجتنا إلى مياه نقية وجبال خصبة… لكن الضوابط كان يجب أن تطبق بشكل تدريجي وبمراعاة أكبر للناس. أستطيع التكيف مع الحرارة المنخفضة، لكن ماذا عن كبار السن؟! وماذا عن الأطفال؟!
وذكرت التقارير في إحدى المناطق القريبة بأن طلبة المرحلة الابتدائية قد عانوا من لسعات البرد القارس؛ مما اضطرهم للدراسة خارج الصفوف، وتحت أشعة الشمس، بعد أن توقفت أجهزة التدفئة المشعة عن العمل في مدارسهم.
وعبر (وو) عن قلقه أيضًا من استمرار الأزمة البيئية في مناطق أخرى أقل شهرة، والتي لا تتمتع بالقدر ذاته من الاهتمام الإعلامي مقارنة بأزمة سماء بكين الخانقة. ففي إحدى جلسات التصوير، طلب من ١٢ متطوعًا إعادة تمثيل لوحة (ليوناردو دافينشي) الجدارية، العشاء الأخير، في مصنع مهجور، ورسالة هذا العمل هي أن العشاء الأخير للإنسانية قد يحدث في أي لحظة بسبب التلوث.
يعتقد (وو) أن الصين تسير في الاتجاه الصحيح بشكل عام، حيث يقول: علينا الاعتراف بأن الحكومة تحاول جاهدة فعل الصواب وعلينا أن ندرك بأنها بحاجة إلى الوقت.. لتتعامل مع المشاكل البيئية.
ورغم أن حرب الصين على الضباب الدخاني قد تكون سببًا في سلب (وو) إلهامه الفني الرئيس، إلا أنه غير قلق. لا تخلو الصين من المشاكل التي تُلهم الفنانين فيها -قال مازحًا- بعض فناني الغرب يشعرون بالغيرة من ذلك.
المقال باللغة الإنجليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

حل مشكلة التبريد العالمي

بقلم: فارس مختار  بتاريخ:٩ من يونيو ٢٠٢٠  لموقع:Bloomberg Green  ترجمة:  ريهام ماهر تدقيق: ريام عيسى …

6 أسباب تدفعك للاهتمام بالبيئة

ترجمة: لبنى جمال تدقيق: ريام عيسى تصميم: نورا محمود “لطالما كان تاريخ الحياة على الأرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *