الرئيسية / برمجة وذكاء إصطناعي / نحو ذكاء اصطناعي أفضل من خلال الهندسة العكسية للدماغ

نحو ذكاء اصطناعي أفضل من خلال الهندسة العكسية للدماغ

كتبه لموقع وايرد: جيمس ديكارلو
بتاريخ: 03/02/2018
ترجمة: محمد زهير الطائي
تدقيق: نعمان البياتي
تصميم: مرتضى ضياء

يحتاج دماغ الإنسان (الذي يبلغ وزنه ثلاثة أرطال) إلى 20 واط من الطاقة لكي يعمل، وهو مقدار بالكاد يكفي لتشغيل ضوء خافت، مع هذا، فقد استطاع هذا الدماغ أن يبني في السابق حضاراتٍ من الصفر، وأن يكتشف النجوم، وأن يفكّر حتى في سبب وجوده في هذه الحياة، ورغم أن جهاز واطسون من شركة آي بي أم IBM’s Watson، وهو كومبيوتر خارق يستهلك 20 ألف واط، تغلب على البشر في حجم الحسابات التي يستطيع تأديتها وتغلب عليه أيضاً في مسابقة جيوباردي Jeopardy، إلا إنه ما زال غير مهيئ بشكل كافٍ لمجاراة الذكاء البشري.
فليس بمقدور جهاز واطسون أو أي نظام آخر للذكاء الاصطناعي أن يبحث عن البدائل، أو يخمن ما يفكر به الآخرون، أو يستخدم اللغة في التواصل مع الآخرين، أو يكتب الشعر والموسيقى للتعبير عن أحاسيسه، أو يخترع رياضيات قادرة على بناء الجسور أو الأجهزة أو الأدوية المسعفة، ولكن ما هو السبب؟ السبب لأن المجتمع الذي له القدرة على حل مشاكل الذكاء الاصطناعي هو المجتمع الذي سيكون قادراً على قيادة المستقبل، حيث أظهر التطور الذي تم إحرازه مؤخراً في هذا المجال كيف نستطيع اغتنام تلك الفرصة.
لو تخيلنا الذكاء البشري على شكل ناطحة سحاب مثلاً، وبدلاً من العوارض الحديدية والخرسانة المسلحة التي تتكون منها ناطحات السحاب المعروفة، سيكون هيكلُ هذا البناء المفترض مؤلفاً من خوارزميات – وهي مجموعة متسلسلة من القواعد التفاعلية التي لها القدرة على معالجة المعلومات حيث تتراصف فوق بعضها البعض وتتفاعل فيما بينها بشكل مشابه للطوابق التي يتكون منها ذلك المبنى.
تمثل طوابق هذا البناء طبقات الذكاء التي يملك البشر بعض الفهم لها، مثل الطبقة المسؤولة عن التفكير المنطقي؛ هذه الطبقات هي التي ألهمت العمل الدؤوب لتطوير الذكاء الاصطناعي خلال خمسينيات القرن الماضي، ولكن، ومن بين جميع تلك الطبقات، هناك عدد منها تُعدُ الأهم وهي تشابه الطوابق الموجودة في الطبقات السفلية والأسس لناطحات السحاب من حيث أنه لا يمكن رؤيتها. هذه هي خوارزميات الذكاء التي نستعملها كل يوم في العمل، لكي نتعرف على شخص ما نعرفه سابقاً، أو لنميّز إحدى الأصوات في واحدة من الحفلات الصاخبة، أو لتعلم قواعد الفيزياء من خلال اللعب بألعاب طفل رضيع، ورغم أن طبقات اللاوعي هذه مغروسة في أجسامنا إلا إننا لا ننتبه لها وبدونها سينهار هيكل الذكاء بأكمله.
ولكوني مهندساً في علم الأعصاب، فإنني أقوم بدراسة خوارزميات الدماغ وبالتحديد فيما يتعلق بواحدة من تلك الطبقات الرئيسية – وهي طبقة الإدراك البصري، والتي تُعنى بكيفية قيام الدماغ بتفسير المحيط الذي يحيط به من خلال استخدام الرؤية البصرية، حيث شهد هذا المجال تقدماً ملحوظاً في الآونة الأخيرة.
لقد عمل المهندسون لعقود على بناء خوارزميات خاصة بـ الإبصار الآلي machine vision، إلا إنّ هذه الخوارزميات كانت أقل كفاءة بكثير بالمقارنة مع القدرة البشرية، وفي موازاة ذلك، عَمِل علماء الإدراك وعلماء الأعصاب (مثلي) على إعداد عدد كبير من القوانين التي تصف كيفية قيام الدماغ بمعالجة المعلومات البصرية، حيث قام هؤلاء العلماء بوصف الخلية العصبية النيورون neuron (وهو اللبنة الأساسية للدماغ)، واكتشفوا أنّ الكثير من الخلايا العصبية تترتب داخل نوع محدد من الشبكات ذات الطبقات المتعددة والعميقة، وقاموا بقياس كيفية قيام النيورونات الموجودة داخل الشبكة العصبية بالتفاعل مع الصور القادمة من المحيط؛ لقد قاموا بإعطاء وصف عن كيفية قيام البشر بالاستجابة بشكل سريع ودقيق لهذه الصور، واقترحوا أيضاً عدداً من النماذج الرياضية لتفسير كيفية تعلم الشبكات العصبية من التجربة؛ ومع ذلك، فقد فشلت هذه المناهج لوحدها في الكشف عن الخوارزميات التي يستخدمها الدماغ والتي تتعلق بالإدراك البصري الذكي.
كان السر في الطفرة التي تحققت والتي أمكنت العلماء من المزج بين العلم والهندسة؛ على وجه التحديد، بدأ بعض الباحثين ببناء خوارزميات لشبكات عصبية اصطناعية تتميز بكونها شبيهة بالشبكات العصبية للدماغ وتمتلك عدة طبقات، كما إنها قادرةٌ على تحقيق استجابة عصبية مشابهة لتلك التي شخّصها علماء الأعصاب في الدماغ، قام العلماء أيضاً باستخدام نماذج رياضية لغرض تعليم الشبكات العصبية العميقة deep neural networks كيفية أداء المهام البصرية التي طالما كان البشرُ بارعين فيها – مثل التعرف على الأشياء من زوايا متعددة.
وصل هذا النهج المشترك ذروته في العام 2012، بعد التقدم الكبير الذي شهدته تقنيات أجهزة الكومبيوتر والذي سمح للمهندسين ببناء تلك الشبكات ومن ثم تعليمها باستخدام ملايين الصور، والجدير بالملاحظة هو كيفية استطاعة تلك الشبكات العصبية الاصطناعية المحاكية للدماغ أن تصبح فجأة قادرة على منافسة القدرات البصرية للبشر في عدة نواحٍ، ونتيجة لذلك، فإنّ بعض المفاهيم مثل السيارات ذاتية القيادة أصبحت أقرب مما كانت تبدو عليه في السابق، فباستخدام خوارزميات مستوحاة من الدماغ، استطاع المهندسون تحسين إمكانيات السيارات ذاتية القيادة وجعلها قادرةً على التعامل مع المحيط بشكل آمن وفعّال، وبالمثل، يستخدم موقع فيسبوك خوارزميات بصرية لتمييز الوجوه للمساعدة في التعرف على الأصدقاء الموجودين والإشارة إليهم داخل تلك الصور بشكل أسرع من البشر.
لقد أطلقت ثورة التعلم العميق deep learning عهداً جديداً من الذكاء الاصطناعي، فلقد أعادت تشكيل تقنيات التعرف على الأشياء بدءاً من التعرف على الوجوه والأجسام والأصوات، إلى صناعة السيارات ذاتية القيادة والكثير من الأشياء الأخرى. لقد أحدثت الإنجازات التقنية للبشر ثورة في عدد قليل من السنوات، فيما يُعتبر غمضة عين من عُمُر الحضارة البشرية.
ولكن هذه هي البداية فقط، فلقد تشكلت نظريات التعليم العميق نتيجة فهمنا لطبقة واحدة فقط من طبقات الذكاء البشري – وهي الطبقة المسؤولة عن الإدراك البشري، فليست هناك حدود لما يمكن تحقيقه لو استطعنا تحقيق فهمٍ أعمق لبقية الطبقات الخوارزمية للذكاء.
ونحنُ إذ نشقُ طريقنا نحو هذا الهدف، علينا أن نعي بأن هذا الإنجاز لم يتحقق على يد مهندسين وعلماء كانوا يعملون بمعزل عن العالم، بل جاء نتيجة الامتزاج بين الهندسة والعلم، ولأن هناك العديد من الخوارزميات التي لها القدرة على تفسير طبقة واحدة من الذكاء البشري، صار المهندسون كمن يبحث عن إبرة داخل كومة قش، ومع هذا، فحين يسترشد المهندسون بالاستكشافات العلمية والقوانين المقتبسة من الدماغ والعلوم المعرفية في بناء الخوارزميات وتقييم أداءها، فسيتحقق ما يُطلق عليه الانفجار الكامبيري Cambrian explosion في مجال الذكاء الاصطناعي.
يطلق على هذا النهج العكسي للعمل والذي يبدأ من وضع قوانين للأنظمة الموجودة وحتى بناء نماذج هندسية لكيفية عمل تلك الأنظمة اسم “الهندسة العكسية”. لن تقتصر أهمية اكتشاف كيفية عمل الدماغ البشري على إحداث تحولات جذرية في مجال الذكاء الاصطناعي فقط، ولكنها ستفتح آفاقاً جديدةً لعلاج المصابين بالعمى، والصمم، والتوحد، والفصام، أو الذين يعانون من صعوبات في التعلم أو من فقدان الذاكرة المرتبط بتقدم العمر؛ متسلحين بمعرفتهم بالتركيب الهندسي للدماغ، سيكون بإمكان العلماء اكتشاف وسائل جديدة من أجل ترميم، وتثقيف، وتوسيع عقولنا.
هناك سباق محموم لمعرفة ما إذا كانت الهندسة العكسية ستكون قادرة على ريادة الذكاء الاصطناعي، في مقابل ما يسمى بالهندسة الأمامية forward engineering التي تتجاهل دور الدماغ؛ سيصبح الفائز في السباق قادراً على قيادة عجلة الاقتصاد في المستقبل، خصوصاً أن أمتنا في وضعٍ يؤهلها لاغتنام تلك الفرصة. ولكن، ومن أجل تحقيق ذلك، فإن على الولايات المتحدة أن توفر المزيد من الدعم من القطاع المالي، والقطاع الخيري، وقطاع الصناعة، حيث سيكون لها دورٌ في دعم المجموعات المتميزة من العلماء والمهندسين. إضافةً إلى ذلك، على الجامعات البحث عن وسائل جديدة لتحقيق الشراكة بين الجامعات والقطاع الصناعي، وعلى الكليات أن تبدأ بتدريب علماء الدماغ والعلوم المعرفية في مجالي الهندسة والحوسبة، وتدريب المهندسين في مجال الدماغ والعلوم المعرفية، ودعم آليات التقدم الوظيفي التي تكافئ مثل هذا العمل الجماعي؛ إنّ الهندسة العكسية للدماغ هي الطريق نحو تحقيق المزيد من التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث يكمن الحل في الجهاز الذي يقبع وراء عيوننا تماماً، وهو الدماغ.
المقال باللغة الانكليزية: هنا

عن

شاهد أيضاً

الإجراءات التجميلية ضرورية للرجال أيضاً في وادي السيليكون 

بقلم: بيتر هولي تاريخ النشر: 9يناير 2020  ترجمة: سرى كاظم تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: …

ما هو الروبوت؟  

بقلم: كريس بود.                                                                       قدمه: مارين في 12 ديسمبر 2018. ترجمة: أيوب  أوقاسي تدقيق: ريام عيسى …