الرئيسية / علم نفس / الانحياز، العمى وكيف نفكر حقا؟ (الجزء الأول)

الانحياز، العمى وكيف نفكر حقا؟ (الجزء الأول)

بقلم : دانيال كانمان
إن أغلبنا يرى العالم أكثر لطافةً مما هو على أرض الواقع، ننظر إلى الصفات التي نملكها على أنها أفضل من حقيقتها، و الأهداف التي نتبناها قابلة للتحقيق أكثر مما هي بالفعل. نحن أيضاً نميل إلى تضخيم قدراتنا على توقع المستقبل، وهو ما يعزز لدينا الإحساس بالثقة المفرطة.
بالحديث عن النتائج المترتبة عن هذه الثقة المفرطة في اتخاذ قراراتنا، يعدّ الانحياز التفاؤلي أكثر الانحيازات الفكرية أهميةً بهذا الصدد. وذلك لأن الانحياز التفاؤلي يمثل نعمة وخطورة في آن واحد، فإنك لا بد أن تكون شخصاً سعيداً وقلقاً في الوقت ذاته إذا كنت من أصحاب المزاج المتفائل.
يعتبر التفاؤل شيئاً طبيعياً، ولكن بعض الأشخاص المحظوظين هم أكثر تفاؤلاً مقارنة بالبقية منا. إذا كنت بحكم جيناتك الوراثية من الأشخاص الذين منحوا ميزة الانحياز التفاؤلي، فأنت بالتأكيد لست تحتاج من يخبرك أنك شخص محظوظ، أنت تشعر بذلك مسبقاً.
يلعب الأشخاص المتفاؤلون دوراً كبيراً في رسم حياتنا. فإن قراراتهم تحدث الفارق: فهم مخترعون، رواد أعمال، سياسيون، و قادة عسكريون.. ليسوا أناساً عاديين على الإطلاق. لقد وصلوا إلى ما هم عليه ببحثهم عن التحديات و إقدامهم على المخاطرات. هم موهوبون، ومحظوظون في الوقت ذاته، وبالتأكيد أكثر حظاً مما يتصورن أنفسهم.
في دراسة أجريت على مؤسسي المشاريع الصغيرة، بينت أن رواد الأعمال بصورة عامة هم أكثر تفاؤلاً في الحياة من موظفي الدرجة الوسطى . تجاربهم مع النجاح أكدت إيمانهم بصحة حكمهم و قدرتهم على السيطرة على الأحداث. تعززت ثقتهم بأنفسهم بإعجاب الاخرين بهم. كل هذه الأسباب تؤدي بنا إلى وضع نظرية: إن أكثر الأشخاص تأثيراً على حياة الآخرين غالباً ما يكونون من النوع المتفائل، ومفرطي الثقة بالنفس، ويقدمون على المخاطرات أكثر مما يدركون.
الانحياز التفاؤلي
تشير الأدلة إلى أن الانحياز التفاؤلي يلعب دوراً – أحياناً الدور الرئيسي – عندما يقدم الناس أو المؤسسات بصورة إرادية على مخاطرات كبيرة. وفي كثير من الأحيان، يقلل المخاطرون من شأن ما يواجهونه من الاحتماليات، ولأنهم يقرأون المخاطر قراءة خاطئة، فإن رواد الأعمال المتفائلين عادة ما يعتقدون برجاحة عقلهم، حتى عندما لا يكونون كذلك أبداً. إن ثقتهم بأنفسهم تغذي فيهم مزاجا ايجابياً يساعدهم على تحصيل الموارد من الآخرين، ورفع الروح المعنوية لموظفيهم وتعزيز سيطرتهم. في الوقت الذي نحتاج فيه إلى العمل الجاد، فإن التفاؤل يكون شيئاً جيداً، حتى ولو كان من النوع الذي يصاحبه قليل من الوهم.
إن المزاج المتفائل يشجع في صاحبه الثبات عند مواجهة الصعاب. ولكن هذا الثبات لا يأتي دون ثمن. في سلسلة من الدراسات قام بها ثوماس استبرو، استطاع من خلالها تسليط الضوء على ما يحدث عندما يتلقى الشخص المتفائل أخباراً غير سارة. (البيانات التي استعملها تحصل عليها من برنامج مساعدة المخترعين الكنديين، وهو برنامج يوفر للمخترعين تقييماً موضوعياً عن الفرص التسويقية لأفكارهم. إن توقع الفشل في هذا البرنامج يكون على درجة كبيرة من الدقة)
في الدراسات التي أجراها استبرو , فإن الأخبار السيئة أفضت بحوالي النصف من المخترعين إلى التخلي عن أفكارهم بعد أن تلقوا تقييماً يتنبأ لهم بصورة مؤكدة بالفشل. على أي حال، فان نسبة 47% منهم استمروا في العمل حتى عندما أخبروا أن لا أمل يرتجى من المضي قدماً في عملهم، وفي المعدل فإن هؤلاء الأشخاص قد زادوا خسائرهم مرتين قبل أن يستسلموا ويتركوا المشروع.
إن الاستمرار بالعمل بعد تلقي النصيحة غير المشجعة تكون مستشرية بشكل كبير بين المخترعين الذين أحرزوا تقييماً عالياً على مقياس الشخصية للتفاؤل. هذا الدليل يشير الى أن التفاؤل منتشر، عنيد ومكلف.
أما في السوق، فإن الإيمان بأفضلية الذات له تبعات مهمة بالطبع. يقوم رواد الأعمال الكبيرة أحياناً بوضع رهانات ضخمة على عمليات دمج وحيازة شركات عالية الكلفة، معتمدين في ذلك على اعتقادهم الخاطئ بأن باستطاعتهم إدارة الشركة الأخرى بصورة أفضل من المالكين الحاليين. ولكن لا يكون من سوق الأسهم الا أن يستجيب بخفض قيمة اسهم الشركة الضامة، وذلك لأن التجربة قد بينت أن جهوداً كهذه كانت ستنتهي بالفشل في أغلب الاحيان. إن عملية الضم الخاطئة من الممكن تفسيرها ب”نظرية الغطرسة” : حيث أن المدراء التنفيذيين للشركة الضامة هم ببساطة أقل كفاءة مما كانوا يظنون أنفسهم.
المخاطرون
قام الاقتصاديان اولرايك ماميندير و جيفري تيت بتمييز المدراء التنفيذيين المتفائلين عن طريق كمية أسهم الشركة التي يملكون بصورة شخصية، ولاحظوا أن القادة المتفائلين جداً يقدمون على الكثير من المخاطرات. إنهم يفضلون الاقتراض والوقوع في الديون على أن يبيعوا أسهمهم ويدفعون عادة أكثر مما تستحقه الشركات التي يقومون بضمها، وكذلك يقدمون على عمليات دمج شركات من شأنها أن تحطم القيمة المالية لها. وبصورة ملحوظة، فإن أسهم الشركات الضامة تعاني بصورة كبيرة عند عمليات دمج الشركات عندما يكون المسؤول التنفيذي للشركة من النوع المتفائل جداً بمقياس مؤلفي الدراسة. يبدو أن السوق لديه القدرة على تمييز المسؤولين التنفيذيين المفرطي الثقة بأنفسهم.
إن هذه المشاهدات تبرئ المدراء التنفيذيين من اتهام واحد ولكنها تدينهم بآخر: إن مدراء المشاريع الذين يراهنون رهانات غير سليمة فانهم لا يفعلون ذلك لانهم يراهنون بأموال الآخرين. على العكس، فانهم يقدمون على مخاطرات أكثر لو كانت أموالهم الشخصية على المحك. وعادة ما يكون الضرر الذي يحدثه المدراء التنفيذيون المفرطي الثقة مضاعفاً عندما تقوم الصحافة بتضخيمهم إعلامياً وتتويجهم كمشاهير، حيث ان الادلة تشير الى أن الجوائز التشريفية المقدمة الى المدراء التنفيذيين تكون باهظة الثمن بالنسبة لمالكي الأسهم.
كتب مؤلفوا الدراسة ” لقد وجدنا أن الشركات التي يديرها مدراء تنفيذييون من الذين يحصلون على الجوائز التقديرية، غالباً ما يقل عطاؤها بمرور الوقت سواء على مستوى الأسهم او الأداء التشغيلي للشركة. في الوقت نفسه، يحاول المدراء تعويض ذلك بإنفاق وقت أكثر في فعاليات مثل تأليف الكتب و إقامة المجالس الإدارية وكذلك غالباً ما يشتركون في إدارة الدخل العام للشركة.
في العديد من المرات قمت بطرح السؤال التالي على مؤسسي المشاريع الجديدة والمشاركين فيها: الى أي درجة يعتمد نجاح العمل على ما تقوم به داخل شركتك؟ وكان الجواب يأتي سريعاً، وفي العينة الصغيرة التي استخدمتها لم تكن النسبة اقل من 80% ابداً. فهم حتى وان لم يكونوا متأكدين من نجاحهم، فان هؤلاء الاشخاص الشجعان يؤمنون بأن مصيرهم يكمن بصورة كاملة بين أيديهم. إنهم يعلمون القليل عن منافسيهم ويجدون أنه من الطبيعي تخيل مستقبل لا يلعب فيه المنافسون سوى دور صغير.
إهمال التنافس
كولين كامرر, الذي صاغ مفهموم ” إهمال التنافس” يصور لنا مقتبساً من قصة لمالك ستوديوهات ديزني. عندما سأ ل لماذا كل هذا العدد من الافلام ذات الميزانيات الضخمة تقدم في نفس الوقت من العطلة، أجاب:” انها غطرسة. غطرسة. إذا كنت تفكر فقط في مشروعك فانك تفكر كالآتي:’ أنا لدي قسم جيد لعمل القصة, ولدي قسم جيد للتسويق’ … ولا تفكر ان كل الآخرين يفكرون تماماً بنفس الطريقة. “إن المنافسة ليست جزءاً من اتخاذ القرار. بكلمات اخرى، فإن هنالك سؤالٌ صعب قد تم إبداله بسؤال اكثر سهولة.
إن هذا النوع من المراوغة نقوم به جميعنا، بدون أن نلاحظ ذلك. نحن نستخدم التفكير السريع والبديهي – التفكير بالنظام 1- قدر المستطاع، و لا نتحول الى نظام اكثر تركيزاً و بذلاً للجهد وهو التفكير بالنظام 2 الا عندما ننتبه ان المسألة المعنية ليس من السهل البت بها.
إن السؤال الذي كان يجب على مديري ستوديوهات ديزني الاجابة عنه هو الآتي: عندما نأخذ بنظر الاعتبار ما يقدمه المنافسون من افلامـ كم عدد الاشخاص الذين سيشاهدون فيلمنا؟ ولكن السؤال الذي اعتبروه اكثر سهولة ويشير الى معلومة من السهل الوصول اليها لديهم هو الآتي: هل لدينا فيلم جيد ومؤسسة جيدة للترويج عنه؟
إن المؤسسات التي تعتمد على آراء خبراء مفرطي الثقة بأنفسهم لابد وان يتوقعون نتائج مكلفة. اظهرت دراسة تم اجراؤها في جامعة ديوك عن المدراء الماليين أن اولئك الذين يكونون واثقين ومتفائلين في قراءتهم للمؤشر القياسي ومؤشر الفقر للعام القادم, يكونون مفرطي الثقه ومتفائلين في حساب الاحتماليات لصالح شركاتهم وبالتالي تعريضها للخطر أكثر من غيرها.
وكما يرى نسيم طالب، مؤلف كتاب “البجعة السوداء”, إن التقدير غير الكافي للظروف غير المؤكدة ستؤدي بالنهاية بالعميل الاقتصادي الى أن يقدم على مخاطرات كان الأجدر به تجنبها.
ومع ذلك، فإن التفاؤل عادة ما يكون مقدراً بدرجة كبيرة، لأن الناس والشركات يكافؤون من يوفر لهم المعلومات المضللة والخاطئة أكثر من تقديرهم لمن يخبرهم الحقيقة.
إن التقدير غير المتحيز للأمور المشكوك بها يعتبر حجر الاساس للعقلانية، ولكنها ليست الشيء الذي ترغب به المؤسسات. إن الريبة الشديدة تبعث على الشعور بالعجز في المواقف الخطيرة، والإقرار بكوننا نقوم بمجرد التخمين هو غير مقبول تماماً وخاصة عندما يكون الرهان كبيراً.
إن التصرف المبني على معرفة مصطنعة هو الطريقة المفضلة في هذه الظروف.
مبدأ الشك الطبي
تبدو الثقة المفرطة مستشرية بكثرة في مجال الطب أيضاً. في دراسة أجريت على المرضى الذين توفوا في وحدة العناية المركزة، قاموا بمقارنة النتائج التشريحية التي أجريت على الجثث مع التشخيص الذي أعطي من قبل الأطباء عندما كان المرضى لا يزالون على قيد الحياة. وهنا أبدى الأطباء ثقتهم أيضاً في التشخيص. كانت النتيجة:” الأطباء الذين كانوا متأكدين تماماً من التشخيص قبل الموت كانوا في الحقيقة مخطئين في 40% من الحالات. وهنا مجدداً، الثقة الزائدة للخبراء تُشَجَع من قبل عملائهم. كما يوضح الباحث, ” بصورة عامة, تعتبر إحدى نقاط الضعف التي تأخذ على الاطباء أن يظهروا بمظهر غير المتأكد.”
و بحسب مارتين سيلجمان، مؤسس علم النفس الايجابي، فإن ” اسلوب التفسير التفاؤلي” يساهم بإعطاء المرونة للمرء في الدفاع عن صورته الشخصية. ففي جوهره ، يشتمل الاسلوب التفاؤلي على نسب كل النجاحات لنفسه, وقلة لوم النفس على اخفاقاته.
ربما تكون المؤسسات أفضل من الأشخاص بقدرتها على ترويض التفاؤل. إن الفكرة الأفضل للقيام بذلك قدمت من قبل كاري كلين، وهو “خصمي التعاوني” الذي غالباً ما يدافع عن اتخاذ القرار البديهي ضد التحيز.
قدم كلين مقترحاً، اسماه “استباق الموت” وهو بسيط جدا: عندما تصل المؤسسة المعينة الى قرار مهم، ولكنها لم تلتزم به لحد الان، فعليها ان تجمع مجموعة من الناس المضطلعين بالقرار وتعرض عليهم خطاباً مختزلاً:”تخيلوا اننا سافرنا سنة الى المستقبل. لقد قمنا بتنفيذ الخطة التي اتفقنا عليها الآن. ولكن النتائج كانت كارثية. الرجاء اكتب موجزاً مبسطاً في ظرف 5 الى 10 دقائق عن هذه الكارثة.”
عندما تتوصل مجموعة معينة الى قرار، فإن شكوك الآخرين حول مدى حكمة القرار تتناقص تدريجياً وفي النهاية تصل الى مرحلة تعامل فيها على أنها دليل على عدم اخلاصك للمجموعة. إن تلاشي الشكوك حول صحة القرار تساهم باعطاء ثقة مفرطة للمجموعة التي لا يكون أي صوت مسموع فيها سوى لمن يساند القرار المتخذ. إن الفضيلة الرئيسية ل”استباق الموت” هي في كونها تجعل من “الشكوك” حقاً مشروعاً.
إضافة لذلك، فهي تشجع حتى مناصري القرار للبحث عن أي تهديدات محتملة لم تؤخذ بنظر الاعتبار مسبقاً. لا يمكن اعتبار “استباق الموت” كترياق أو علاج شامل ولا يمكنه أن يوفر حماية شاملة ضد المفاجآت غير السارة، ولكن من شأنه أن ينقلنا خطوات باتجاه تقليل الضرر الناتج عن الخطط التي تقع تحت تأثير انحيازات التفاؤل غير القابل للنقد.
المصدر:- هنا

عن Iraqi Tanslation Project

شاهد أيضاً

الإنسحاب من العلاقات العاطفية بصمت أصبح عادياً

بقلم : ليزا بونوس بتاريخ : ‏13‏/02‏/2020 لموقع : The Washington Post ترجمة : حسين …

لماذا يحب الناس المصابون بالاكتئاب الاستماع للموسيقى الحزينة؟

يشير بحث إلى ان الناس المصابون بالاكتئاب يجدون الموسيقى الحزينة مهدئة – او حتى مطمئنة. …