الرئيسية / اثار / اللاماسو الأسطوري: رمز الحماية الرائع في بلاد ما بين النهرين

اللاماسو الأسطوري: رمز الحماية الرائع في بلاد ما بين النهرين

بقلم ناتاليا كليمكزاك

اللاماسو هي الثيران أو الأسود ذات الرؤوس البشرية وأجنحة النسور التي كانت يوماً ما تحمي مدن بلاد ما بين النهرين. وكان يُعتقد بأنها مخلوقاتٍ قويّة جداً تعمل بمثابة تذكارٍ واضح عن السلطة المطلقة للملك، وكرمزٍ لحماية جميع الناس.

عُثر على التماثيل الضخمة الشهيرة للثيران المجنحة “اللاماسو” في مواقع العواصم الآشورية التي أنشأها الملك آشورناصربال الثاني (حكم في الفترة 883-859 ق.م.) والملك سرجون الثاني (حكم في الفترة 721-705 ق.م.). كما أصبحت الوحوش المجنحة من النمرود في العراق (مدينة كلخو القديمة) مشهورةً جداً عندما تعرضت الثيران المجنحة هناك للتدمير عام 2015. فيما تعود التماثيل الأخرى لهذه الوحوش الأسطورية إلى مدنٍ مثل دور شروكين القديمة (خرسباد حالياً، العراق).

كانت كل مدينةٍ مهمّة ترغب في إمتلاك لاماسو ليحمي البوابة الخاصة بقلعتها. وفي الوقت ذاته، كان يتم صنع كائناتٍ مجنحةٍ أخرى لتقوم بالمراقبة عند مدخل قاعة العرش. وفضلاً عن ذلك، كانت هذه الكائنات المجنحة الحماة الذين يلهمون الجنود لحماية مدنهم. حيث كان سكان بلاد ما بين النهرين يعتقدون بأن الثيران المجنحة “اللاماسو” تخيف قوى الفوضى وتبعدها وتجلب السلام إلى ديارهم. وتعني كلمة “لاماسو” الأرواح الحامية في اللغة الأكدية.
كائناتٌ سماوية

تظهر الثيران المجنحة بكثرة في فن وأساطير بلاد ما بين النهرين. يرجع أول لاماسو معروف بتاريخه لحوالي العام 3000 قبل الميلاد. أما الأسماء الأخرى للاماسو فهي: لوماسي، وألاد، وشيدو. يصوّر اللاماسو أحياناً كإلهة أنثى، لكنّه عادةً ما يُمثّل برأسٍ أكثر ذكورية. وقد كانت كائنات اللاماسو الأنثوية تعرف بإسم أبساسو apsasu.

كما ويمكن تمييز اللاماسو، بوصفه كائناً سماوياً، مع إنارا، إلهة حيوانات السهوب البرية وإبنة تيشوب، إله العواصف، في الأساطير الحثية-الحورية. وتتطابق إنارا مع الإلهة اليونانية أرتميس.

Human-headed-winged-bull

(ثور مجنح برأسٍ بشرية، والذي يُعرف أيضا بإسم “شيدو”، من خرسباد، المعهد الشرقي بجامعة شيكاغو)

 

في ملحمة جلجامش وقصة الخليقة البابلية “إينوما إليش”، يرمز كلاً من اللاماسو والأبساسو (إنارا) للسماوات المرصّعة بالنجوم، ومجاميع النجوم، ودائرة البروج. وبغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى، فإن اللاماسو دائماً ما يعبّر عن النجوم الأم، والمجرات، أو دائرة الأبراج. ففي ملحمة جلجامش، تم إعتبار هذه الكائنات حامية لأنها تضم جميع أشكال الحياة في داخلها.

كانت عبادة اللاماسو والشيدو شائعة جداً في المنازل من الفترة السومرية وحتى العصر البابلي، ثم أصبحت ترتبط بالعديد من الحماة الملكيين في العقائد المختلفة. ربط الأكديون اللاماسو مع الإله بابسوكّال Papsukkal (رسول الإله)، والشيدو مع الإله إيسوم (إله النار ورسول الآلهة البابلية).
الحرّاس الأسطوريين والتأثير في المسيحية

لم تكن الثيران المجنحة حماة الملوك والقصور فحسب، بل حماة كلّ إنسان. فقد كان الناس يشعرون بأمانٍ أكثر عندما يعلمون بأن تلك الأرواح قريبةً منهم، لذا كانت تصاوير اللاماسو تُحفر على ألواح الطين، والتي كانت تدفن فيما بعد تحت عتبة البيت. كما كان من المعتقد أن يكون البيت الذي يضمّ ثوراً مجنحاً مكاناً أكثر سعادةً بكثير من ذلك الذي لا يضمّ ذلك المخلوق الأسطوري. أظهرت الأبحاث الآثارية أنه من المرجح أن يكون اللاماسو قد كان مهماً بالنسبة لجميع الحضارات التي إتخذت من بلاد ما بين النهرين مقراً لها وتلك المحيطة بها.

وكما ذكرنا، فقد ظهرت فكرة اللاماسو أول مرّة في القصور الملكية في النمرود، في عهد حكم آشورناصربال الثاني، وإختفت بعد عهد الملك آشوربانيبال الذي حكم في الفترة بين 668 و627 قبل الميلاد. لكن سبب إختفاء اللاماسو من المباني غير معروف.

Lamassu-at-the-North-West-Palace

(لاماسو من القصر الشمالي الغربي للملك آشورناصربال الثاني)

تأثر الشعب اليهودي القديم إلى حدٍ كبير بصناعة التماثيل والرمزيات الخاصة بالثقافات السابقة، وأعجب هذا الشعب كذلك باللاماسو. فقد كتب النبي حزقيال عن اللاماسو، واصفاً إياه بأنه كائنٌ رائع مكوّن من عناصر تضم الأسد، والنسر، والثور، والإنسان. وفي الفترة المسيحية المبكرة، إرتبطت الأناجيل الأربعة بصلة مع كل واحدٍ من هذه العناصر الأسطورية.

وعلاوةً على ذلك، فمن المرجح أن يكون اللاماسو أحد الأسباب التي جعلت الناس يبدأون بإستخدام الأسد، ليس بإعتباره رمزاً لرئيس القبيلة الشجاع والقوي فحسب، بل بإعتباره حامياً أيضاً.

 

آثار جبارة

في الوقت الحاضر، لا تزال تماثيل اللاماسو تقف بفخر. فقد تمّ نحتها من كتلةٍ حجرية واحدة. ويبلغ إرتفاع أقدم التماثيل الضخمة حوالي 10-14 قدم (3.05-4.27 متراً)، وجميعها مصنوعة من الألباستر. ومن أكثر الفروق تميّزاً بين تماثيل اللاماسو الأقدم وتلك التي تنتمي لفترةٍ لاحقة شكل أجسامها. فقد نحتت تماثيل اللاماسو الأولى بجسم أسد، لكن تلك التي جاءت من قصر الملك سرجون الثاني تتوفّر على جسم ثور. وما هو أكثر إثارةً للإهتمام، هو أن اللاماسو من قصر سرجون يبتسم.

في عام 713 ق.م.، أسّس سرجون عاصمته دور شروكين. وقرّر وضع تلك الأرواح الحامية على كلٍ من جانبي البوابات السبعة لتعمل كحرّاس. وبصرف النظر عن عملها كحرّاس وكونها عناصر زينة مثيرة للإعجاب، فإن لهذه التماثيل أيضاً وظيفة معمارية، من خلال حمل جزء من وزن القوس الكائن فوقها.

كان سرجون الثاني مهتماً باللاماسو. فخلال فترة حكمه، تم تشييد العديد من التماثيل والنصب التذكارية لهذه الكائنات الأسطورية. في هذه الفترة، إمتلك جسم اللاماسو بروزاً أعلى وقولبة أكثر تميّزاً. فيما إمتاز الرأس بوجود أذني ثور، ووجه رجلٍ ذو لحية، وفماً بشاربٍ رفيع.

Lamassu

(تمثال لاماسو في المتحف البريطاني)

أثناء التنقيبات التي قادها بول بوتا، في بدايات العام 1843، عثر علماء الآثار على بعض المعالم الأثرية التي تم إرسالها إلى متحف اللوفر في فرنسا. وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي رأى فيها الأوروبيون تلك المخلوقات الأسطورية.

حالياً، تكوّن تماثيل اللاماسو أجزاءً من المجموعات الأثرية في المتحف البريطاني في لندن، ومتحف المتروبوليتان للفن في نيويورك، والمعهد الشرقي في شيكاغو. وأثناء عملية الجيش البريطاني في العراق وإيران في الفترة بين 1942-1943، إعتمد البريطانيون اللاماسو كرمزٍ لهم. وفي الوقت الحاضر، يُمثل رمز اللاماسو شعار قوات الولايات المتحدة الأميركية في العراق.

لا يزال موضوع اللاماسو يحظى بشعبيةٍ كبيرة في مجال الثقافة، حيث يظهر في سلسلة أفلام سجلات نارنيا للكاتب سي. أس. لويس، وفيلم علاء الدين لديزني، وفي العديد من ألعاب الكومبيوتر، وأكثر من ذلك بكثير.

 

المصدر: هنا

عن Gilgamesh Nabeel

كلكامش كاتب مقالات ومترجم عراقي مستقل مقيم في تركيا. يكتب مقالات ومواضيع عن السياسة في الشرق الأوسط، والتعليم، والفن، والأدب، وحقوق المرأة. يكتب لمجلاّت ألكترونيّة مثل الفنار للإعلام والحوار المتمدّن ونشر تعليقات نقديّة عن كتب في صحف عراقيّة. يدير صفحات ناشطة على موقع الفيسبوك عن الفن والآثار والتراث العالمي. يدير الأرشيف الآثاري على صفحة الدكتور الراحل بهنام أبو الصوف. يحمل شهادة بكالوريوس في الطب العام والجراحة من كليّة طبّ القصر العيني - جامعة القاهرة.

شاهد أيضاً

ماذا يعني تحطيم التماثيل؟

توجهنا بالسؤال إلى خبيرة تاريخ الفن التي درست تدمير التراث الثقافي.   بقلم: جوناه أنجل …

هل التحدث مع النساء الجميلات يجعل الرجال أغبياء؟

كيف يتأثر الذكاء عند التحدث وجهاً لوجه مع شريك محتمل؟ بقلم البروفيسور مادلين أي. فيوجر …