الرئيسية / إقتصاد / السير الحتمي نحو الكارثة الاقتصادية

السير الحتمي نحو الكارثة الاقتصادية

بقلم: ايملي ستيورت

بتاريخ: 20/7/2020

ترجمة: رهام عيروض بصمه جي

تدقيق: ريام عيسى

تصميم الصورة: امير محمد

 

 

“بات المنحدر الاقتصادي واضحاً جداً أمام أعيننا” فمن الواضح أن المستقبل سيكون محبطاً إن لم يتدخل الكونغرس لدعم الاقتصاد.

 

تسير البلاد نحو المنحدر واضعة حياة ملايين الأميركيين وسبل عيشهم في خطر, هذا عدا الضائقة الاقتصادية التي تجتاح سائر البلاد منذ مدة طويلة. وها نحن نقف مكتوفي الأيدي عاجزين عن التخلص من كل هذا.

لقد كان وباء كوفيد-19 مساهماً رئيسياً بحالة الفوضى الاقتصادية في أميركا هذا العام. فقد خسر الملايين من الأميركيين لوظائفهم وأغلقت معظم الشركات أبوابها كجزء من إجراءات الإغلاق المفروضة في البلاد.

 

أقر الكونغرس في آذار قانون CARES  وهو عبارة عن حزمة قيمتها 2 ترليون دولار كتحفيز اقتصادي بمحاولة منه بالنهوض بالاقتصاد, وكان من المخطط التمهل لحين السيطرة على الفايروس وإعادة فتح البلاد تدريجياً بشكل آمن وبذلك يبدأ الاقتصاد بالتعافي ولكن لم تسر الأمور حسب الخطة.

فمع بدأ عمليات إعادة فتح المنشآت ارتفعت عدد الإصابات بفايروس كورونا عبر البلاد ,وبدأت عدة ولايات ومدن تعدل من مسار الخطة وظهرت إشارات أن فكرة التعافي المزعومة قد بدأت بالتلاشي بالإضافة للعديد من الإجراءات التي أبقت على حياة عدة أسر أميركية لعدة شهور.

وليس هناك أية فكرة إن كان الكونغرس أو البيت الأبيض ينوي فعل شيء حيال هذا.

 

قالت أنجيلا هانكس نائب المدير التنفيذي لمجموعة Groundwork collaborative  :”إنها كارثة, ولا أعتقد أن هناك طريقة لاجتياز ذلك فنحن نواجه وباءً يزداد سوءً بدون تحسن, والأزمة الاقتصادية تتفاقم .”

 

ومن المقرر أن تنتهي صلاحية ال600 دولار المتفق عليها وفقاً لقانون CARES  التي تصرف اسبوعياً كإعانات تأمين ضد البطالة بنهاية هذا الشهر مما سيؤثر على 33 مليون عامل في الشهور والأسابيع القادمة, وسيتم إيقاف اشعارات الإخلاء والرهن العقاري والقروض الطلابية.

 

وعلى الرغم من أن معظم الشركات الصغيرة قد أنفقت القروض التي حصلت عليها إلا أنها مستمرة بالمقاومة للبقاء على قيد الحياة.

ولم تؤثر هذه القضايا على الأحزاب وحدها فحسب بل كان لها تأثير على الاقتصاد ككل فإن عدداً من الحكومات المحلية والولايات بحاجة ماسة إلى المساعدات المالية. فعدم القدرة على دفع الايجار ليست مشكلة المستأجر وحده بل هي مشكلة المالك أيضاً.

الوضع مستعصي ولكن معظم الأشخاص في الحكومة لا يأخذونه على محمل الجد. نحن حقاً نسير نحو الكارثة. 

“المنحدر بات واضحاً جداً أمام أعيننا وما زلنا غير مستعدين له, وربما فعلاً قد فات الأوان لتجنب هذه الضائقة.” هذا ما قاله بول كروكمان المحرر في نيويورك تايمز والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد.

 

“لقد قمنا بتصميم استجابة اقتصادية مبينة على أساس استجابة الصحة العامة التي لم تتحقق.”

كان قانون CARES الذي سنه الرئيس ترامب في آذار والذي تم تشكيله بناءً على  (مساعدات فايروس كورونا والتعافي والاستقرار الاقتصادي.) قانوناً غير مسبوقاً في السياسة المالية للحكومة الأميركية وقد تضمن إجراءات كانت تبدو فيما سبق غير منطقية ومن ضمن هذه الإجراءات: 600 دولار إضافية كإعانات لمكافحة البطالة, و 1200 دولار كشيك تحفيزي يصرف لمعظم الاميركيين, ومليارات الدولارات مقدمة للمشاريع الصغيرة قابلة لعدم الاسترداد.

 

قال ديلان ماثيوس من فوكس: 

“لقد كان وقع فايروس كورونا أكبر من السياسات التحفيزية المقررة لمعالجة الركود العظيم ومن ناحية مالية كان أكبر من عقد صفقة جديدة”

وقد قامت هذه الإجراءات بإحداث فرق حيث ارتفع معدل الدخل الفردي في نيسان ويعود ذلك إلى اعانات البطالة وشيكات التحفيز ولم تشهد معدلات الفقر أي ازدياد.

قال جورج بيركس الخبير الاستراتيجي العالمي في مجموعة بيسكوب للاستثمارات:” لقد حاولنا أن نبقي على معدل الدخل بشكل أساسي على ما كان عليه، وإذا ما قمنا بأخذ دخل السوق واعانات البطالة بعين الاعتبار فإن الدخل الفردي للأسر سيبدو مستقراً.”

 

كانت فاتورة التحفيز بعيدة تماماً عن المثالية، فالعديد من العاطلين عن العمل مازالوا يكافحون للحصول على مستحقاتهم المالية. كما أن بعض القضايا لم يتم التطرق لها مثل عجز الميزانية العامة والمحلية. لكن على العموم كانت شبكة الأمان الاجتماعي تعمل.

 

قالت مديرة الأبحاث والتحليل في المركز الفكري للتوظيف في أميركا سكاندا أمارنث :”حتى عندما يحدث خلل في الدخل الفردي يبقى الأشخاص ملتزمون بأنواع معينة من المسؤوليات والنفقات التي يتوجب عليهم سدادها. ما نحتاجه حقاً هو سياسة مختلفة من الإجراءات المالية لتعويض الدخل الضائع.” 

 

كانت الفرضية الأساسية لفاتورة التحفيز تعافي الاقتصاد في الصيف وكان هذا التوقع مبني على أساس قدرتهم على الحد من انتشار الفايروس ولكن هذا لم يحصل وقد ساهم في هذا الانتشار سلسلة من الفشل في القيادة والسياسة العامة على الصعيد الفيدرالي والمحلي.

 

قال تريفون لوغان الخبير الاقتصادي في جامعة ولاية أوهايو والباحث المساعد في المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية:” لقد قمنا بتصميم استجابة مبينة على أساس استجابة الصحة العامة التي لم تتحقق.”

 

بدأت بعض الولايات مثل تكساس وفلوريدا وأريزونا وكاليفورنيا                                          بإعادة اغلاق بعض الفعاليات الاقتصادية بسبب ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا. وقد قامت بعض الولايات بإيقاف خطط إعادة فتح المنشآت الاقتصادية.

قد يستطيع بعض مشرعو القانون تجاوز القانون إلا أن المستهلكون والعمال والشركات لا تستطيع ذلك.

 

أظهرت بعض البيانات المأخوذة منGlassdoor  تراجع فرص العمل كما أظهر متعقب إنفاق المستهلك من JPMorgan انخفاضاً في الانفاق وأشارت بيانات فريق الإدارة لمزود البرمجيات House base  أن ارتفاع حالات الإصابة في كوفيد-19 في بعض الولايات قد انعكس على ساعات العمل في المشاريع الصغيرة. وقد أشارت ايضاً أن الوظائف التي فقدت في أيار وحزيران قد بدأت بالعودة.

قال بيركس:” هنالك مؤشر على أن التقدم يسير ببطء في كل انحاء البلاد وهذا له تأثير سيء على سوق العمل.”

 

على المحك

نرى أن الولايات المتحدة لم تتمكن من حل مشكلة تفشي فايروس كورونا وبذلك السؤال الذي يطرح نفسه: (هل سوف تقوم الحكومة بدعم الاقتصاد – وكلنا أمل بأنها سوف تقوم بذلك – أو أنها سوف تترك المشاكل الاقتصادية بلا حل مثل نظيرتها في الصحة العامة؟)

 

واحدة من أهم النقاط المثيرة للقلق هي الرواتب الإضافية التي تصرف بشكل اسبوعي للعاطلين عن العمل والتي اوشكت على النفاذ عند نهاية هذا الشهر.

قال لي تشو من vox:

” اذا ما تم إيقاف هذه الرواتب فإن 33 مليون أميركي مستفيد من هذه الاعانة سيتلقى ضربة قاضية. وما يزال الكونغرس يناقش هذا الأمر والنتيجة النهائية غير واضحة بعد.”

وقال كروغمان ايضاً:

“الخسارة في المدفوعات التي نتطلع إليها ستكون ضعف حصة الناتج المحلي الإجمالي في ذروة فترة حكم أوباما. نحن نتكلم اليوم عن انكماش مالي حقيقي سيضرب الاقتصاد ولا خطة قريبة للنهوض به.”

 

وسيترك هذا ملايين من العمال في ظلام حالك وسيجبر البعض منهم للعودة إلى العمل في هذه الظروف الخطرة واضعين حياتهم وحياة عوائلهم في خطر ولا نعلم حتى إن كانت ما تزال هنالك وظائف متوفرة لعودتهم إليها.

 

يقول المحلل الاقتصادي في جامعة شيكاغو دامون جونز:

“سيبدأ الناس في معاناة لا داعي لها, بسبب الخلل الذي سيحدث في مدخول عدد كبير من الأسر.”

 

امتدت المشكلة لأبعد من البطالة, فقد تم انفاق معظم القروض التي تصرف للعمال عن طريق برنامج صرف الرواتب Paycheck Protection Program  والعديد من الشركات الصغيرة قد تم اغلاقها بسبب هذه القروض. وهذا ما يثبت أن الشعب يعاني بحق، فبحسب إحصائية واحد من بين كل ثلاثة أشخاص في الولايات المتحدة قد خسر مستحقات الإسكان في حزيران، بالرغم من انخفاض معدل البطالة بين العمال السود إلا أن هذا التقدم لم يتم مشاركته.

 

قال لوغان:” نعاني من مشاكل جوهرية. فهنالك ازدياد في عدم القدرة على تأمين الطعام الصحي للأسر في ظل انتشار هذا الوباء بالإضافة لمشاكل الرهن العقاري ومدفوعات الإيجار حتى بوجود قانون CARES , فإذا لم يكن هنالك تدخل لدعم إضافي فسنرى إفلاس فوري في ميزانية عدد كبير من الأسر.”

 

وكلما طالت مدة الوباء كلما ازدادت تداعيات الاقتصاد سوءاً. قررت بعض الشركات مثل الخطوط الجوية المتحدة  United Airlines والخطوط الجوية الأميركية American Airlines والتي كانت تأمل بتجاوز المحنة منذ أشهر أنه لم يعد لديها الوقت الكافي لتضيعه فقد تقوم بتسريح آلاف العمال من عملهم بحلول الخريف.

وبالمقارنة مع الوظائف التي توقفت عن العمل مؤقتاً في بداية انتشار الوباء مثل المطاعم والأعمال الحرة فقد يصبح توقفها عن العمل دائماً.

 

قال بيتسي ستيفنسون المحلل الاقتصادي في جامعة ميشغن والمسؤول السابق عن الإدارة لدى أوباما:” لا تملك هذه الشركات خطط فعلية لإعادة العمال على رأس عملهم, إن عملية التسريح مدروسة ولا أقول أنه لأمر جيد ولا أعتقد أنهم تعجلوا في عمليات التسريح فهم يتطلعون لما يجب عمله خلال الست أشهر القادمة عن طريق تقليص عدد العمال الذين لم يعودوا قادرين على الاستمرار في دفع رواتبهم.”

فالأمر لا يتعلق فيما يجب على الكونغرس فعله بل يتوقف على مالم يفعله بعد. تواجه ولايات وحكومات محلية انهياراً كبيراً لم تتم معالجته ولا يوجد خطة واضحة حول ما يجب فعله حيال المدارس والأطفال, فرعاية الطفل تعتبر مشكلة اقتصادية حتى وإن لم تمس بكل شخص بشكل مباشر فكل هذه المشاكل تخلق عبئاً على الاقتصاد وتجعل النهوض به أصعب وأطول.

 

وقد احتدت كل هذه الأزمات بسبب عدم كفاءة الأنظمة العنصرية والاقتصادية في البلاد قال هانكس:” يجب علينا وقف الانهيار الاقتصادي ولكن بدا واضحاً لنا أن اقتصادنا غير مهيئ لأي صدمة من أي نوع بغض النظر عن حجم الأزمة الاقتصادية التي نمر بها اليوم.”

 

لا نستطيع أن نشق طريقاً بعيداً عن الوباء

 ليس هذا ما كنا نأمله من 2020 ولا حتى البيت الأبيض والكونغرس ولكن ما حدث قد حدث.

لقد تسبب هذا الوباء بكارثة اقتصادية ولا شيء تحت السيطرة فما يزال المرض في طور الانتشار وكل البلاد تقاوم للبقاء على قيد الحياة ولا أحد ينكر خطورة الوضع بالرغم من أن بعض الأوساط تقوم بذلك.

 

ومع كل هذا فأن سياسة الرئيس ترامب وبعض الحكام الجمهوريين  والجمهوريين في الكونغرس تأملية نوعاً ما – فربما يزول الوباء إذا ما قمنا بتجاهله وإن قام أحد بسؤالك عن الاقتصاد فقط قم بالإشارة إلى البورصة والتي أصبحت بعيدة كل البعد عن الواقع. فزعيم مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل أراد ألا تتحمل الشركات أية مسؤولية في حال إصابة أحد عمالها بمرض حتى 2024.

قال كروغمان:” يبدو أن ترامب كان يأمل أن يترأس اقتصاداً مزدهراً عن طريق خفض الضرائب رافضاً القبول بأننا نواجه أزمة حقيقية تتطلب مجهوداً مضاعفاً من الحكومة, فلا يمكن أن يكون لديك اقتصاد مزدهر والناس تخشى الخروج من المنزل.”

 

وقد قام هانكس بتقييم أكثر صرامة حين قال:” في اللحظة التي ترى فيها ملايين من الأشخاص الذين ينهارون ولا ملجأ لهم, يظهر ماكونيل ليلوح بدرع حماية للشركات بالتخلي عن مسؤولياتهم حتى عام 2024 وبضريبة أرباح رأس المال. لا أعرف أي شخص قد يستفيد من هذه الأمور ولكني اعرف الكثير من الأشخاص الذين سوف يتضررون من خسارة تأمين البطالة.”

 

لا شك أن هنالك أفكار ومقترحات للنهوض بالاقتصاد وتلبية متطلبات الشعب في ظل هذا الوباء. فقد أصدر الديمقراطيون في مجلس النواب قانون HEROES الذي يعتبر خلفاً لقانون CARES  ولكن لم يتم تصديقه من مجلس الشيوخ ويعتقد البعض بأن الميزانية لا تسمح بذلك.

 

مؤخراً قامت مجموعة من المنظمات التقدمية من ضمنهمColor of Change  و Sunrise Movement  بإرسال رسالة إلى رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ شاك سكامر مطالبين فيها بتشريع ضمانات الراتب وإجراءات مكافحة الاحتكار.

 

الوقت يمر والحقيقة المرة أنه لربما قد فات الأوان على عدة جبهات فلقد استغرقت الولايات المتحدة وقتاً طويلاً لتكثيف أنظمة التأمين ضد البطالة بما يتناسب مع توسع قانون CARES  متخبطةً شمالاً ويميناً مما كلفها الكثير من الوقت فلتطبيق القرار لا يكفي فقط أن يتم سن التشريعات بل يجب ايضاً أن يتم طحنه في النظام الإداري.

 

مع بداية انتشار الوباء, اندفع الكونغرس للرد على ثلاث تشريعات منفصلة كان لدى المشرعين الوقت الكافي  لصياغة فاتورة المتابعة ولكن الجمهوريين في مجلس الشيوخ لم يستغلوا الوقت وبذلك تم وضع الكونغرس في موقف حرج آخر من صنع يديه.

قال ستيفنسون:” كان لديهم الوقت الكافي لصنع القرار ولكنهم قرروا المماطلة.”                                                                                                                                                                                                                                                                            

 

إنه لفشل ذريع فقد أظهرت الولايات المتحدة عجزها عن السيطرة على الوباء والآن تحاول الحكومة المقاومة لمعالجة الوضع الاقتصادي الناتج مع أنه كان هنالك العديد من الطرق لكي لا ينتهي بنا المطاف هنا.

 

يقول جونز:” إذا كان الأمر سيئاً كما يبدو لأي شخص فكيف يمكن لمن يمثلنا المضي قدماً بكل هذه الراحة؟ وكيف يمكن أن نُقيّم حسن أداء ديمقراطيتنا؟

 

المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الجريمة والاقتصاد في حقبة مارغريت تاتشر  

نشر في: موقع “ذي أوبزيرفر” بتاريخ: 27 أبريل 2019 الكاتب: جيمي دوارد ترجمة: مازن سفّان …

كيف تُصنع الاستراتيجيات الجيدة؟ مقابلة مع ريتشارد رومليت أُستاذ الاستراتيجية في جامعة كاليفورنيا.

حوار نُشر في مجلة كوارترلي “The Quarterly” الصادرة من مؤسسة “McKinsey Quarterly“   تاريخ الحوار: تشرين …