الرئيسية / إقتصاد / على مر التاريخ ، كان للأوبئة آثار اقتصادية عميقة

على مر التاريخ ، كان للأوبئة آثار اقتصادية عميقة

الآثارالاقتصادية على المدى الطويل ليست دائما مخيفة

تاريخ النشر: 12 مارس 2020

ترجمة :سرى كاظم
تدقيق: ريام عيسى
تصميم الصورة: امير محمد

إن الأوبئة هي المحرك الرئيس للتقدم الاقتصادي. حيث جعلت الشبكات التجارية المترابطة والمدن المكتظة بالسكان أكثر ثراءً وكذلك اكثر عرضة للانهيار، فقد طورت العالم من إمبراطوريات العصور القديمة إلى الاقتصاد العالمي المتكامل. إن تأثيرات كوفيد-19 ( covid-19) أو الفايروس المسبب لمرض كورونا ستكون مختلفة تمامًا عن تأثيرات الأمراض السابقة التي أصابت سكاناً أكثر فقراً بكثير من السكان اليوم، ومع معرفة أقل بأشياء مثل الفيروسات والبكتيريا. وبذلك يجب أن يكون عدد الموتى على نطاق مختلف عن ما سببه الموت الأسود (الطاعون) أو الأنفلونزا الإسبانية. ومع ذلك، فإن الخراب الذي حدث في الماضي يقدم بعض الإرشادات حول الكيفية التي قد يتغير بها الاقتصاد العالمي نتيجة للفيروس التاجي.
على الرغم من أن التكاليف البشرية للأوبئة مروعة، إلا أن الآثار الاقتصادية على المدى الطويل ليست كذلك بالمجمل. حيث أن الموت الأسود الذي أودى بحياة ثلث إلى ثلثين من سكان أوروبا، تاركًا بذلك ندوبًا دائمة, لكن في أعقابه، كانت المساحة المزروعة أكثر بكثير من العمال اللازمين لزراعتها. وبذلك أدت الندرة المفاجئة للعمال إلى رفع قدرة العمال على المساومة بالنسبة إلى مالكي الاراضي مما ساهم في انهيار الاقتصاد الإقطاعي.
يبدو أيضاً أنها دفعت أجزاء من شمال غرب أوروبا إلى مسار واعد ومتزايد النمو. حيث ارتفع مدخول العمال الأوروبيين بشكل حاد بعد الوباء الذي ضرب القارة من 1347 إلى 1351. ففي أوقات ما قبل العصر الصناعي سمح المدخول المرتفع للفرد بنمو سكاني أسرع، مما أدى في النهاية إلى تقليص المدخول إلى مستويات منخفضة جدا (كما لاحظ توماس مالتوس). ولكن في أجزاء اخرى من أوروبا، لم تؤكد قواعد مالتوس نفسها بعد انحسار الوباء. يجادل نيكو فويغليندر، من جامعة كاليفورنيا ، لوس أنجلوس، وهانز جواكيم فوث، الآن من جامعة زيورخ، بأن الدخول المرتفعة التي سببها الطاعون أدت إلى زيادة الإنفاق على السلع المصنعة المنتجة في المدن، وبالتالي إلى ارتفاع معدلات التحضر. لقد دفع الطاعون بشكل فعال أجزاء من أوروبا من أجور منخفضة وأقل تحضرًا الى مسار أكثر ملاءمة لتطوير اقتصاد تجاري، ثم إلى اقتصاد صناعي.
كما حدث شيء مماثل في أعقاب الأنفلونزا الإسبانية، التي قتلت ما بين 20 مليونًا و 100 مليون شخص من عام 1918 إلى 1920. لم تعد الاقتصادات الصناعية في أوائل القرن العشرين مقيدة بقيود مالتوس. ومع ذلك، حسبت إليزابيث برينرد، الآن في جامعة برانديز ومارك سيغلر، من جامعة ولاية كاليفورنيا، فإن الولايات الأمريكية الأكثر تضررًا من المرض نمت بشكل أسرع في أعقابها. بعد السيطرة على مجموعة من العوامل الاقتصادية والديمغرافية، وجدوا أن وفاة إضافية واحدة لكل ألف شخص ارتبطت بزيادة متوسط ​​النمو السنوي للدخل الحقيقي للفرد على مدى العقد المقبل بما لا يقل عن 0.15 نقطة مئوية. على الرغم من أن حصيلة فايروس كورونا من المرجح أن تكون منخفضة جدًا لتعزيز الأجور الحقيقية، إلا أنها قد تجبر الشركات على تبني تقنيات جديدة من أجل العمل بينما تكون المستودعات والمكاتب فارغة، مع تأثيرات دائمة على النمو والإنتاجية.
في أغلب الأحيان تكون العواقب الاقتصادية للوباء سلبية بشكل لا لبس فيه. فالروابط التجارية التي تنشر مسببات الأمراض يمكن أن تتراجع على اثره. فخلال الإمبراطورية الرومانية رفعت الدرجات العالية من التخصص والتجارة المدخول إلى مستويات لن يتم الوصول إليها مرة أخرى لأكثر من ألف عام. للأسف، نفس الروابط سهلت انتشار المرض. تلقى الاقتصاد الروماني ضربة في أواخر القرن الثاني الميلادي، عندما دمر الإمبراطورية تفشي ما يعتقد أنه الجدري. بعد قرن من الزمان، أفرغ الطاعون القبرصي، الذي ربما كان حمى نزفية، العديد من المدن الرومانية وتزامن مع انخفاض حاد ودائم في النشاط الاقتصادي، مقاساً بعدد حطام السفن ومستويات التلوث بالرصاص (الناتج عن نشاط التعدين). أدى انخفاض التجارة الى دائرة من انخفاض الدخول وضعف قدرة الدولة التي لم تتعافى منها الإمبراطورية الغربية.
في الآونة الأخيرة، ربما تكون التجارة قد هبطت نتيجة الإنفلونزا الإسبانية، لو لم تسقط الحرب العالمية الأولى الستار على أول عصرعظيم للعولمة في العالم الصناعي. إن فايروس كورونا يضرب أيضًا ما يمكن أن يكون نهاية الذيل للفترة الطويلة من التكامل العالمي السريع، والتي تهددها أيضًا منافسة القوى العظمى. قد تكون الظروف ليست متطابقة، ومن غير المرجح أن تعاني التجارة بنفس السوء الذي عانت منه في عقد 1910. ومع ذلك، لن يكون مفاجئًا إذا حدد المؤرخون الوباء باعتباره أحد النتائج العديدة للعولمة التي أدت في نهاية المطاف إلى عصر جديد في التجارة العالمية.
كما أن للأوبئة طريقة لرسم حدود العصور التاريخية، يمكنها أيضًا تحديد التحولات في ثروات بعض الأماكن بالنسبة إلى أماكن أخرى. رفع الطاعون الدخول الحقيقية عبر أوروبا لكن تباينت ثروات الأوروبيين بعد ذلك، ولعب المرض دورًا مرة أخرى حيث عاد الطاعون إلى القارة في القرن السابع عشر في عدة موجات مميتة. يقول غيدو ألفاني، من جامعة بوكوني في ميلانو، إن الاثار التي رافقت عودة تفشي المرض تفاوتت بشكل كبير عبر أوروبا. على الرغم من أن ما لا يقل عن عُشر سكان إنجلترا وويلز فُقِدوا بسبب الطاعون، على سبيل المثال، ربما مات أكثر من %40 من الإيطاليين بسبب المرض على مدار القرن. في ذلك الوقت أدى الوباء إلى ركود سكان إيطاليا وانخفضت معدلات التحضر بينما استمر شمال غرب أوروبا في الاستفادة من النمو والتحضر.عانت الولايات الإيطالية مالياً بشكل سيء، كما عانت الصناعات النسيجية في شمال إيطاليا وشمال وجنوب أوروبا في مسارات اقتصادية مختلفة تمامًا.

المرض ليس مصيرًا
في المعركة الحالية ضد فايروس كورونا، فإن مصائر البلدان في أيديهم إلى درجة أكبر بكثير مما كانت عليه في ما قبل العصر الصناعي. تعرف الحكومات في الوقت الحالي الكثير عن كيفية إدارة الأوبئة. وتعتبر التجارب المختلفة مع المرض مؤشرًا على قدرة الدولة الأساسية التي تعد سبباً للاختلاف الاقتصادي في المستقبل. ومع ذلك، يكشف التاريخ كيف تدفع الأوبئة المجتمعات إلى اتجاه أو آخر في اتجاه حاسم وتبعي. لا يمكننا معرفة التأثيرات طويلة المدى لـفايروس كورونا، ولكن يمكننا أن نشعر على نحو معقول بأنه سيكون هناك بعض الآثار.
المصدر:هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الجريمة والاقتصاد في حقبة مارغريت تاتشر  

نشر في: موقع “ذي أوبزيرفر” بتاريخ: 27 أبريل 2019 الكاتب: جيمي دوارد ترجمة: مازن سفّان …

كيف تُصنع الاستراتيجيات الجيدة؟ مقابلة مع ريتشارد رومليت أُستاذ الاستراتيجية في جامعة كاليفورنيا.

حوار نُشر في مجلة كوارترلي “The Quarterly” الصادرة من مؤسسة “McKinsey Quarterly“   تاريخ الحوار: تشرين …