الرئيسية / ثقافة / كيف أصبحت الحياة كلها تنافسًا شديدًا ودائمًا؟

كيف أصبحت الحياة كلها تنافسًا شديدًا ودائمًا؟

من مجلة (ذي أتلانتك)

تنشر في عدد أيلول/سبتمبر 2019

ترجمة: ابراهيم العيسى

تدقيق: عمر اكرم المهدي

تصميم الصورة: امير محمد

أنهيت في صيف عام 1987 دراسة المرحلة الثانوية في مدرسة عامة في أوستن، تكساس، ومن ثمّ اتجهت نحو الشمال الشرقي لأكون واحدًا من طلاب جامعة ييل. قضيت بعد ذلك نحو خمسة عشر عامًا أدرس في جامعات متعددة نِلت خلالها عددًا من الشهادات؛ وهي كلية لندن للعلوم الاقتصادية وجامعة أكسفورد وجامعة هارفرد، وأخيرًا في كلية القانون في جامعة يل. واليوم أنا أدرّس في جامعة ييل، ومما يثير القلق أنّ طلابها اليوم يذكّرونني بنفسي عندما كنت مكانهم. إنهم، وعلى نحو كبير، نتاج آباء مهنيين وجامعات عريقة. أنقل لهم المزايا التي وهبني إياها من درّسوني. وأنا وهم ندين بنجاحنا وطبقتنا الاجتماعية لمبدأ الكفاءة والجدارة.

عندما بدأت بالكتابة عن التفاوت الاقتصادي منذ عقدين من الزمن، بدا مبدأ الكفاءة والجدارة آنذاك علاجًا أكثر منه سببًا. إذ دافع مناصروه الأوائل حينذاك عن الحراك الاجتماعي. وعلى سبيل المثال، في ستينيات القرن العشرين جاء رئيس جامعة ييل كينغمان بروستر بفكرة القبول الجامعي على أساس الكفاءة والجدارة. كانت غايته واضحة وصريحة وهي كسر نمطية النخب بالوراثة. إذ لطالما كان الخريجون يعتقدون أنّ لأبنائهم ومنذ أن يبصروا نور الحياة الحق في متابعة مسيرتهم في جامعة ييل؛ أما طلابها المحتملون الآن فقد أصبح قبولهم فيها يعتمد على الإنجاز وليس كونهم أبناء من. لقد جعلت الجدارة في وقت من الأوقات الغرباء ذوي الكفاءة والموهبة يحلون محل أبناء البلد الذين لديهم نوع من الرضى عن الذات والتراخي.

لا زال أصحاب الكفاءات اليوم يحققون التقدم والنجاح نتيجة موهبتهم وتعبهم، مستخدمين وسائل متاحة للجميع. إلّا أنه وعلى أرض الواقع يستثني مبدأ الكفاءة والجدارة كل من لا ينتمي إلى نخبة ضيقة. إن أكثر الطلاب الذين ينتسبون إلى جامعات هارفارد وبرينستون وستانفورد وييل هم من طبقة الــ 1 % الأعلى دخلًا وليس من أولئك الذين يقبعون في الطبقات الدنيا الذين يشكلون نسبة 60% من الشعب. يظل الفساد المتمثل بالأفضلية الناتجة عن الوراثة ومحاباة الأقارب وكذلك الفساد الصريح المعروف يعطي المتقدمين الأغنياء منافع ومكاسب. إلا أن الأسباب الكبرى لهذا الانحراف نحو الثروة يمكن عزوها لمفهوم الكفاءة والجدارة.

وسطيًا، يسجل الأبناء الذين يكسب آباؤهم أكثر من 200,000 دولار سنويًا نقاطًا أكثر بــ 250 في امتحان سات (امتحان القبول في الجامعات الأميركية) من أولئك الذين يكسب آباؤهم بين 40,000 دولار و 60,000 دولار.  وينال تقريبًا فرد واحد من بين 200 فرد ممن ينتمون للأسر من الثلث الأفقر نقاطًا متوسطة في امتحان سات تمكنه من الالتحاق بجامعة ييل. بينما وبشكل شبه حصري توظف أشهر المصارف وشركات المحاماة والشركات الأخرى ذات المرتبات العالية فقط أولئك الذين ينحدرون من فئة قليلة من نخب الجامعات.

لم يعد الغرباء المجدّون يتمتعون بفرص حقيقية. إذ أنّه ووفق إحدى الدراسات، فإن واحدًا من كل مئة طفل يولد في الأُسَر التي تنتمي للخُمس الأفقر من الأسر وأقل بقليل من واحد من كل خمسين طفلًا يولدون في الأُسر التي تنتمي للخُمس المتوسط سيكونون من الــ 5% الأعلى دخلًا. كما أن الحراك الاقتصادي الحقيقي في تناقص؛ ففرص أنّ فردًا من الطبقة المتوسطة سيكسب أكثر من والديه قد تناقصت منذ منتصف القرن المنصرم.  وهذا التناقص أكبر بين أبناء الطبقة المتوسطة مما هو عليه بين أبناء الطبقة الفقيرة. يعدّ مفهوم الجدارة والكفاءة هذا الاستبعاد مقياسًا للفشل، مما يعني إضافة مسبة أخلاقية جديدة للتفاوت الاقتصادي.

 

غالبًا ما يستهدف الغضب الشعبي الناجم عن التفاوت الاقتصادي المؤسسات التي تعتمد على الكفاءة والجدارة الفردية. إذ؛ ووفق مركز بيو للأبحاث، فإن ما يقارب ثلاثة أخماس الجمهوريين يعتقدون أن الكليات والجامعات تجلب السوء لأميركا. وهذا الاستياء الواسع والعميق قد أجج الغضب العارم والواسع الناجم عن فضيحة قبول الجامعة في بداية هذه السنة. إنه غضب مبرر بالتأكيد، لكنه مضلل. فالغضب من المحاباة والأشكال المخزية الأخرى من اكتساب النخب للمزايا والمنافع يحد من قيم الجدارة ومُثُلها. ومع كل هذا تبقى الجدارة بحد ذاتها المشكلة الأكبر وتشكل عائقًا أمام الحلم الأميركي.

لقد أنشأ مبدأ الجدارة والكفاءة منافسة، لكن حتى عندما يلتزم الجميع بقواعد اللعبة والمنافسة يكون الفوز من نصيب الأغنياء فقط. ولكن ما الذي حصده الأغنياء بالضبط؟ حتى أولئك المستفيدون من مبدأ الجدارة والكفاءة يعانون الآن من متطلباته. إذ إنّه يأسر الأغنياء بذات القدر الذي يستبعد فيه الآخرين. وبما أن أولئك الذين يشقون طريقهم نحو القمة عليهم العمل بقوة لا تكل ولا تمل، عليهم وبقسوة استغلال تعليمهم الذي أنفقوا عليه الكثير من المال لاسترداد ما أنفقوه.

لا ينبغي لأحد أن يذرف الدموع على الأثرياء. إلّا أن الأضرار التي يسببها مبدأ الكفاءة والجدارة عليهم هي حقيقية ومهمة. يشعل تشخيص الضرر الذي يسببه مبدأ الكفاءة والجدارة على النخب شمعة أمل في سبيل الوصول إلى حل. إذ أننا معتادون على اعتقاد أن تقليص التفاوت يتطلب فرض أعباء على الأثرياء. ولكن وبما أن الظلم الناجم عن مبدأ الكفاءة والجدارة لا يقدم خدماته لأحد على نحو حسن، فإن الهروب من شِراكه سيصب في مصلحة الجميع افتراضيًا.

تواجه النخب الضغوط المتعلقة بالجدارة والكفاءة منذ طفولتها. إذ أن الآباء، ولو بتردد أحيانًا، ومن شعورهم بغياب بديل آخر لا يسجلون أبناءهم في برامج تعليمية تجمع التجارب الدراسية واللعب، بل يسجلونهم في برامج تعليمية جُلّها جمع مهارات وتدريب أو عن رأس المال البشري الذي يحتاجونه للقبول في جامعات النخبة؛ وبالتالي ضمان عمل من الأعمال الخاصة بالنخب. كثيرًا ما يتقدم أبناء الأثرياء في مدن مثل نيويورك وبوسطن وسان فرانسيسكو اليوم إلى عشر روضات أطفال يتعلمون فيها عن المقالات والتقييمات والمقابلات، جميعها مصممة لتقييم الأطفال في عمر الأربع سنوات. وبعد ذلك يتقدمون إلى مدارس الطبقة الراقية في المرحلتين المتوسطة والعليا، وما هذا إلا تكرار للمصيبة. ففي الوقت الذي يعربد فيه أبناء الطبقة الأرستقراطية وهم يتمتعون بامتيازاتهم، يقوم أبناء طبقة الكفاءات بإجراء الحسابات بشأن مستقبلهم، يضعون الخطط والجداول وفق طقوس تقديم الذات حسب كل مرحلة، ووفق إيقاعات مألوفة من الطموح والأمل والقلق.

 

كما تشجع المدارس الأولاد على اتباع هذا النهج. ففي إحدى المدارس الابتدائية الواقعة في الشمال الشرقي على سبيل المثال، كتب المعلم على السبورة عبارة “تمرين اليوم”، وكان على الطلاب حله قبل الذهاب إلى البيت رغم عدم تحديد وقت لحله. كانت غاية التمرين تدريب طلاب الصف الخامس على انتزاع بضع دقائق إضافية من الوقت المخصص للعمل من خلال القيام بعدة مهام أو التضحية باستراحتهم.

تمثل طلبات كهذه الكارثةَ بعينها. إذ تتطلب واجبات مدارس النخبة المتوسطة والثانوية بين ثلاث إلى خمس ساعات من الدراسة في المنزل كل ليلة. وفي هذا السياق فقد حذر علماء الأوبئة في مراكز التحكم بالأمراض والوقاية منها من الواجبات المنزلية الدراسية التي تحرم الطلبة من النوم. إذ يتعاطى الطلاب الأثرياء المخدرات والكحول بمعدل أكثر من الطلاب الفقراء. كما يعانون من الاكتئاب والقلق ثلاثة أضعاف أقرانهم من ذات العمر في أنحاء البلاد. كما بينت دراسة نشرتها مؤخرًا إحدى مدارس وادي السيليكون أن 54% من الطلاب ظهر لديهم أعراض اكتئاب تراوحت بين المعتدلة والشديدة و80% منهم ظهرت لديهم أعراض القلق.

ورغم ذلك؛ فما يقوم به هؤلاء الطلاب له مبررات وجيهة. فجامعات النخبة والتي كانت منذ بضعة عقود خلت تقبل 30% من المتقدمين إليها، تقبل اليوم أقل من 10% منهم. وفي مؤسسات تعليمية محددة، كان التحول كبيرًا للغاية، ومنها جامعة شيكاغو التي قبلت 71% من الطلاب المتقدمين إليها عام 1995، قبلت عام 2019 أقل من 6%.

يشتد الصراع عندما يدخل أصحاب الكفاءات مكان العمل حيث تصبح فرص عملهم مثار تنافس فيما بينهم وتكون من نصيب من يبذل جهدًا أكبر.
بكل بساطة فإنّ امرأةً تعتمد في ثروتها ومكانتها على رأس مالها البشري لا يمكن لها أن تناقش بخصوص اهتماماتها أو عواطفها في اختيار عملها، بل عليها أن تباشر العمل وتعده فرصة لاستخراج قيمة من رأس مالها البشري، خاصة إن كانت تريد العمل للحصول على دخل يمكّنها من تعليم أبنائها تعليمًا يحافظ على بقائها بين النخبة والطبقة الراقية. عليها أن تكرس ذاتها لفئة جد محدودة من الأعمال ذات المردود العالي المتركزة في قطاعات التمويل والإدارة والمحاماة والطب. وفي الوقت الذي يعدّ فيه الأرستقراطيون أنفسهم طبقة للترفيه والتمتع فقط، تعمل النخب بمعدلات عمل غير مسبوقة.

عندما كان الكثير من محامي النخبة في عام 1962 يكسبون تقريبًا ثلث ما يكسبونه اليوم، أعلنت نقابة المحامين الأميركيين آنذاك وبكل ثقة أن “هنالك ما يقرب من 1300 ساعة مدفوعة الأجر سنويًا” للمحامي العادي.

وفي عام 2000 بالمقابل، ذكرت شركات المحاماة وبِذات الثقة أن حصة من 2,400 ساعة مدفوعة الأجر “إن أُديرت بشكل مناسب” معقولة. وهذا تعبير لطيف لضرورة الأمل بالبحث عن شريك؛ إذ ليست كل الساعات التي يعمل فيها المحامي تكون مدفوعة الأجر. ففرض أجر على 2,400 ساعة يعني وبكل بساطة العمل من الساعة الثامنة صباحًا وحتى الثامنة مساءً، ستة أيام في الأسبوع على مدار العام من دون عطل أو إجازات مرضية. وفي قطاع التمويل، فإن ساعات عمل المصرفيين والتي تكون عادة من العاشرة صباحًا حتى الثالثة عصرًا – حدد المصرفيون منذ القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين هذا التوقيت وأصبح فيما بعد يشير لأي عمل خفيف مترف – قد فسحت المجال لما يُسمى استهزاءً بــ “المصرفي من التاسعة وحتى الخامسة”، والذي يبدأ منذ التاسعة صباحًا في يوم ويستمر حتى الخامسة صباحًا من اليوم التالي. كان المديرون المنتمون لطبقة النخبة فيما مضى “رجال منظمة”، محميين بوظيفة دائمة طيلة حياتهم يشغلون مناصب عليا في شركات تقدم فيها الأقدمية على الأداء.

واليوم، كلما كانت منزلتك أعلى في سُلَّم المنظمة، كان عليك العمل أكثر. تدعو “مبادئ القيادة” التي أصدرتها شركة أمازون المديرين أن يكون لديهم معايير عالية وقاسية وأن يقدموا النتائج. تقول الشركة لمديريها أنه عندما تصطدم بجدار فإن الحل الوحيد أمامك هو تسلق ذلك الجدار وتجاوزه.

يذكر الأميركيون الذين يعملون لأكثر من 60 ساعة أسبوعيًا أنهم يفضلون لو كان معدل عملهم أقل بنحو 25 ساعة. ومرد ذلك أن العمل يجعلهم في عوز دائم للوقت وهذا، وفق دراسة أجريت عام 2006، يتعارض مع أهليتهم لبناء علاقات قوية مع أزواجهم وذريتهم، وإعالة أسرهم معنويًا وحتى التمتع بحياة جنسية مُرضية. أصرّ أحد المشاركين في مسح أجرته كلية الأعمال في جامعة هارفارد مؤخرًا وبكل فخر أن “الدقائق العشرة التي يقضيها مع أولاده كل ليلة أعظم مليون مرة من قضاء مثيلتها في العمل.” عشر دقائق فقط.

لقد أضحت القدرة على تحمل ساعات العمل تلك بلباقة، أو على الأقل بتجهّم، معيارًا لنجاح عمل ذوي الكفاءات. لاحظت عالمة الاجتماع آرلي روسيل هوكشيلد أثناء إجرائها لمقابلة مع أحد كبار المديرين التنفيذيين في شركة من كبريات الشركات لكي تضمنها في كتابها “مأزق الوقت” أن المديرين الذين أظهروا كفاءة وتفانٍ في العمل يكونون في النهاية عرضة “للاستبعاد والإهمال النهائي”.
عندما ينطفئ نجم بعض الناس يصبحون غريبي الأطوار، لأنهم معتادون على العمل طوال الوقت… فالناس في القمة أذكياء جدًا ويعملون مثل المجانين ولا يتعبون. إذ يظلون محافظين على درجة جيدة من محاكماتهم ومقدراتهم العقلية ويحافظون على حياتهم العائلية بدرجة جيدة كذلك. إنهم يحققون النجاح.

بكل بساطة وموضوعية فإن الشخص الذي يحصل على دخل ومكانة اعتمادًا على رأس ماله البشري يستنفد ذاته كونه يضع نفسه في خدمة الآخرين. إنّ أكثر ما يخشاه نخبة الطلاب الفشل، ولذلك تجدهم توّاقين لدلالات النجاح التقليدية المعروفة في الوقت الذي يسخرون فيه علانية مما يسمى النجوم الذهبية والأشياء البراقة. يجد الموظفون النخبة من جهتهم أنه من الصعب اتباع عواطفهم أو إدراك معنى ما لعملهم. وعليه يأسِر مبدأ الكفاءة والجدارة أجيالًا بأسرها في خوف مذل وطموحات زائفة؛ إذ تجدهم دومًا جوعى، إلا أنهم لا يجدون الطعام المناسب لهم ولا حتى يعرفونه.

لا ينبغي على النخب، بل حتى ليس لهم الحق، أن يتوقعوا التعاطف من الآخرين المستبعدين من كل المزايا والامتيازات الني يتمتع بها أبناء الطبقات العليا. ومع ذلك يظل تجاهل وطأة مبدأ الكفاءة والجدارة على الأغنياء مغالطة. فسيطرة الأغنياء اليوم على المجتمع نتيجة جهدهم وعملهم وليس كسلهم وركونهم.

فالطروحات المعروفة التي هزمت الظلم الأرستقراطي سابقًا لا تنطبق على نظام اقتصادي يعتمد مبدأ المكافأة حسب الجهد. فالمصرفي الذي يعمل 100 ساعة أسبوعيًا يحصن نفسه من تهم الكسب غير المشروع. إذًا؛ فمن الأفضل إقناع الأغنياء أن أعمالهم ليست جميعها في الواقع مجزية.

قد لا يتطلب الأمر كثيرًا كي تقنعهم بذلك وطالما أن مصيدة الكفاءة والجدارة تغلق ذاتها حول النخب، فإن الأغنياء أنفسهم يضمرون العداوة للنظام السائد. فالدعوات التي تدعو بأسى للتوازن بين العمل والحياة تشتد شيئًا فشيئًا. وفي هذا السياق يذكر ثلثا موظفي النخبة تقريبًا أنهم سيرفضون ترقيةً إن كان المنصب الجديد يتطلب منهم بذل المزيد من العمل. من جهته حذر لاري كرامر، عندما كان عميد كلية القانون في جامعة ستانفورد، الخريجين من أن المحامين في كُبريات الشركات يدورون في حلقة مفرغة. فالرواتب الأعلى تتطلب ساعات عمل مدفوعة الأجر أكثر تستند عليها وساعات العمل الأطول تقتضي رواتب أعلى لتبريرها. ويختم بكل أسى: لمصلحة من يعمل هذا النظام؟ أيريده أحد؟

ليس من السهل الهروب من مصيدة مبدأ الكفاءة والجدارة هذا. فالنخب عادة تعارض وبشكل فطري السياسات التي تقوّض امتيازاتها. إلا أنه وببساطة ليس ممكنًا أن تصبح غنيًا بالاعتماد على رأس مالك البشري دون استغلال ذاتك لأقصى حد على حساب حياتك الخاصة التي سيسودها الفقر العاطفي. فأصحاب الكفاءات الذين يأملون بالحصول على الكعكة وأكلها في ذات الوقت يخدعون أنفسهم لا محالة. إن بناء مجتمع يتوافر فيه التعليم الجيد والعمل الجيد لشريحة واسعة من أبنائه، وبالتالي يكون الوصول فيه لدرجات السلَّم العليا أقل أهمية هو الحل الوحيد لتخفيف القيود التي تجعل النخب اليوم تتمسك بمكانتها.

كيف يمكن أن يتم ذلك؟ من جهة، ينبغي أن يصبح التعليم – والذي كثيرًا ما تتركز جلّ فوائده من مهارة وتدريب لدى أولاد الأثرياء – متاحًا وشاملًا للجميع. كما ينبغي أن تفقد المدارس الخاصة والجامعات الخاصة حالة الإعفاء الضريبي ما لم يكن على الأقل نصف طلابها من الأسر التي تنتمي للثلثين الأدنى دخلًا. وكذلك على الإعانات العامة أن تشجع المدارس على الوفاء بتلك المتطلبات عبر زيادة فرص الانتساب.

علاوةً على ذلك، يجب تبنّي سياسة موازية تعمل على إصلاح العمل وذلك عبر إعطاء الأفضلية للبضائع والخدمات التي ينتجها ويقدمها العمال الذين ليس لديهم ذلك التدريب الكبير أو الشهادات العليا. وعلى سبيل المثال، ينبغي أن يركز نظام الرعاية الصحية على الصحة العامة والوقاية والإجراءات الأخرى التي يمكن للممرضين الإشراف عليها ولا تحتاج أطباء يقدمون معالجات ذات مستوى وتقانة عاليين. وينبغي أن ينشر النظام القضائي “فنيين قضائيين”، ليس على جميعهم أن يكونوا من حملة الدكتوراة في القانون، للقيام بالأعمال الروتينية مثل نقل ملكية العقارات والوصايا البسيطة والطلاق بالتراضي. أما في قطاع المصارف والتمويل، فإن القوانين الناظمة التي تقيد الهندسة المالية الدخيلة وتفضّل البنوك المحلية والإقليمية يمكن أن تحيل فرص العمل إلى العمال ذوي التدريب والمعرفة المتوسطة. وكذلك على الإدارات تبني ممارسات توسّع نطاق الإدارة والتحكم خارج إطار دائرة المديرين التنفيذيين لتمكين الجميع في الشركة من المشاركة في سيرها.

إن العائق الرئيس أمام التغلب على الظلم الناجم عن تطبيق مبدأ الكفاءة والجدارة هو سياسي وليس تقانيًا. فالظروف الراهنة اليوم تبعث على الاستياء والتشاؤم على نطاق واسع، وتكاد تكون يأسًا. يستعرض عالم السياسات جيفري أ. وينترز في كتابه (الأوليغاركية) عصورًا من التاريخ البشري، بدءًا من العهد الكلاسيكي وحتى القرن العشرين ويوثق ما يحل بالمجتمعات التي يتركز فيها الدخل والثروة في أيدي قلة قليلة من نخبها. وفي كل مثال أورده تقريبًا، فإن نهاية الظلم تترافق بانهيار مجتمعي كهزيمة عسكرية (كما هو الحال في الامبراطورية الرومانية) أو بثورة (كما في فرنسا وروسيا).

ومع ذلك، يظل هناك ما يبعث على الأمل. يقدم لنا التاريخ حالة في غاية الوضوح لتعافٍ منظم من حالة الظلم المركز تلك. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ردت الولايات المتحدة على حالة الكساد الكبير التي اجتاحتها عبر تبني إطار الاتفاق الجديد والذي في الواقع قام ببناء طبقة منتصف القرن المتوسطة. لم تكن عملية إعادة التوزيع التي قامت بها الحكومة المحرك الأساس لذلك. إذ كان معظم الازدهار الواسع والذي أسسه ذلك النظام نتاج اقتصاد وسوق عمل عزّز من شأن العدالة الاقتصادية على حساب التراتبية، وذلك عبر التوسع الكبير في التعليم كما في تشريع (جي آي) ومن ثم وضع العمال ذوي الكفاءة والمهارة المتوسطة المنتمين للطبقة الوسطى في قلب عملية الإنتاج.

ولا تزال نسخة محدثة من تلك الاتفاقات متوافرة في يومنا هذا؛ فتجديد التوسع بالتعليم وإعادة التركيز على وظائف الطبقة الوسطى يمكن أن يقويان بعضهما. ويصبح بمقدور النخب عندئذ استرداد بعض وقت الفراغ مقابل التخلي عن بعض الدخل والمكانة….  وفي الوقت ذاته، يصبح بمقدور الطبقة المتوسطة حينئذ استعادة دخلها ومكانتها وتعود مجددًا مركز الحياة الأميركية ومحورها.

سيكون من الصعب إعادة بناء نظام اقتصادي ديمقراطي. إلا أنّ الفوائد التي تقدمها الديمقراطية الاقتصادية وللجميع تسوّغ كل ذلك الجهد والعمل. والانهيار العنيف – الذي لا محالة قادم إن لم نفعل شيئًا – لن يترك أمامنا خيارًا سوى المحاولة.

 

 

 

رابط المقال الأصلي بالإنكليزية: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

هل تجعلنا قراءة قصص الخيال أشخاصاً أفضل؟

تقديم: كلوديا هاموند ترجمة: ياسين إدوحموش تصميم الصورة: امير محمد كل يوم يُباع أكثر من …

هكذا يكون البلد النسوي

بقلم: مايا سلام ترجمة: زينب عبد محمد تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: اسماء عبد محمد …