الرئيسية / ثقافة / كيف تركز على شيء واحد فقط

كيف تركز على شيء واحد فقط

نشر في: موقع فوكس

تأليف: ريبيكا جينينغس

بتاريخ: 4 سبتمبر 2019

ترجمة: مازن سفان

تدقيق ومراجعة: نعمان البياتي

تصميم الصورة: امير محمد

 

بشكل عام أجد أية نصيحة حول كيفية أن أصبح أكثر إنتاجية، مهينة وبغيضة أخلاقيًا في ذات الوقت، على الرغم من أن كل رسالة نتلقاها في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين كمجتمع أمريكي هي كيف نستخرج أكبر نتيجة مفيدة في أقل وقت ممكن لكل شخص فينا.

ولكن هذا ليس موضوع كتاب «التركيز المفرط: كيف تتحكم بانتباهك في عالم من التشتت» الذي صدر عام 2018 والذي كتبه خبير الإنتاجية كريس بايلي، إنه كتاب جيد لأن عنوانه أعطاني الكثير من القلق، ليس لأنه يشبه معلمي المدرسة الثانوية الذين يعطوني في نهاية كل فصل وبكل بجاحة بطاقةً مكتوب عليها «سريع التشتت»، بل لأنه يحتوي على حقائق مرعبة؛ على سبيل المثال لا الحصر، فإن الأشخاص الذين أجريت عليهم دراسة وتوقفوا عن تفقد بريدهم الإلكتروني لمدة أسبوع كامل كانوا أقل توترًا، إذ إن معدل نبضات قلوبهم تغير بشكل واضح.

بدلًا من ذلك فإن أطروحة بايلي الشاملة تنص على أن شركات التقنية تُجيد بشكل مبهر إيقافك عن عمل أي شيء مهم لذاتك، وإمضاء جلّ وقتك على تطبيق غبي أو موقع على الإنترنت، وهم يجنون منه كميات مهولة من النقود، ولهذا تبقى أدمغتنا مُحفزة بشكل مستمر؛ لعل هذا كله جزء من الحوار الدائر حول التركيز الكامل للذهن في عصر أصبح فيه الانتباه سلعةً تُباع، ويتجلى هذا بشكل واضح في آخر كتاب أصدره جيني أوديل والذي أتى بعنوان «كيف لا تفعل شيئًا»؛ يحاجج بايلي أنه بالعيش مع زيادة في الملل سيصبح من السهل أن تكون حاضرًا في كل وجه من أوجه الحياة، كالعمل والعلاقات وأي شيء آخر تريد فعله بدلًا من مشاهدة قصص إنستغرام.

قبل مكالمتي معه كنت متخوفة من أن يكون بايلي من أولئك الأشخاص الذين يقترحون أن أرسم مخططات عمل أو أن أقوم بطريقة تركيز النقاط المهمة bullet journaling كي أكون أكثر إنتاجية، ولكن في الواقع بايلي يعتبر نفسه كسولًا ويحب أن يشاهد برنامج Hell’s Kitchen طول الوقت وهذا أكثر ما أعجبني فيه.

صدرت الطبعة الورقية من كتاب (التركيز المفرط: كيف تتحكم بانتباهك في عالم من التشتت) في السابع والعشرين من أغسطس والمقابلة التالية مُحررة وموجزة.

*كيف اكتشفت أنك شخص منتج يجب أن يكتب عن الإنتاجية؟

-والداي عالما نفس ولهذا أبدو شخصًا غريبًا ومشتتًا، الأمر الذي أثار فضولي حول ما نحن عليه.

أعتقد أن تعريفك لمصطلح الإنتاجية هو ما يهم وذلك لأنه عندما يسمع الناس هذه الكلمة يتبادر إلى ذهنهم أنها شيء بارد وجاف وكل ما يدور حولها هو النجاعة وأن يصبح الشخص روبوتًا.

أرى الأمر بشكل مختلف قليلًا، وهو أن أفضل نصيحة لتحسين الإنتاجية نتلقاها تمكننا من تحقيق كل شيء نتمناه في أقل مدة من الوقت، لذا فنحن نمتلك وقتًا أكبر لما هو مفيد لنا بشكل حقيقي؛ عندما نستطيع التركيز على الأشياء فإننا نرى فيها معانٍ أكثر، وسنختبر أشياءً بعمق أكبر، على سبيل المثال فإن شطيرة البرغر ستكون ألذ عندما تعطيها كامل تركيزك.

 

*ورد مصطلحان في الكتاب وهما التركيز المفرط وهو توجيه التركيز خارجيًا والتركيز المتفرق وهو توجيه التركيز داخليًا، هلًا شرحتهما لنا بعجالة؟

-التركيز المفرط هو أفضل وضع إنتاجي لدماغنا والتركيز المتفرق هو أفضل وضع إبداعي لدماغنا؛ التركيز المفرط هي الحالة التي عندها تحتل مهمة معينة كامل تركيزنا، أما التركيز المتفرق فيحدث عندما ندع عقلنا، عمدًا، يهيم في بحر الخيال؛ إذا فكرت في أفضل فكرة إبداعية خطرت على بالك، فأنت لم تكن تركز على أي شيء.

عندما تهيم عقولنا، فإننا نفكر فعليًا في المستقبل بنسبة 48% من الوقت، ما يسمح لنا بالتفكير فيما نقضيه من وقتنا في المقام الأول، كما يعكس المعنى في حياتنا، وهو شيء مهم يجب القيام به.

 

*شدتني بعض المعلومات في كتابك: إن انتباهنا يتشتت كل 40 ثانية ويأخذ منا الوقت 26 دقيقة حتى نعاود التركيز، وأن الناس الذين يعيشون في مساكن فيها أشجار سيعيشون لفترة أطول، ماذا تقول للناس الذين يشبهونني الذين قرأوا هذا وقنطوا على الفور؟

-انها ليست غلطتك! نحن مرتبطون بالتشتت؛ وبسبب هذه الحقيقة، يجب ألا نصعب الأمور على أنفسنا، بل يجب أن نكون طيبين مع أنفسنا، لأنه ليس خطأنا أن عقولنا تشتهي أي شيء جديد وغير مألوف.

هناك آلية مُضمّنة في قشرة الدماغ قبل الجبهية تسمى التحيز إلى غير المألوف، إذ تُكافئنا عقولنا مقابل كل شيء جديد وغير مألوف نركز انتباهنا عليه، بجرعة من الدوبامين، وهي المادة الكيميائية نفسها التي تُفرز عندما نتناول كمية كبيرة من البيتزا أو عندما نمارس الحب.

ننتقل، كل 40 ثانية، إلى فعل شيء آخر لأن العالم من حولنا محفِز للغاية، نستيقظ في الصباح ونتصفح الإنستغرام، ثم نحصل على جرعة من الدوبامين، لأن الإنستغرام جديد وغير مألوف، ثم ننتقل إلى البريد الإلكتروني بعد 40 ثانية ونحصل على جرعة أخرى، ثم فيسبوك، ثم تويتر.

كافأنا التطور على التركيز على ما هو جديد وغير مألوف في بيئتنا، لأنه بدلاً من التركيز المفرط على إشعال النار، لاحظنا حفيف الأشجار على جانبنا، لقد تعاملنا مع هذا التهديد، الذي ربما كان نمراً ينتظرنا لينقض علينا.

إذا كان هناك اعتقاد خاطئ كبير حول التركيز، فهو أن المشكلة هي التشتت، المشكلة أن عقولنا مُحفزة جدًا، يوجد الكثير من الدوبامين يتجول في أدمغتنا، ونحن نريد الحفاظ على هذا التوازن، إذ نحاول باستمرار تغذية أدمغتنا بجرعات جديدة من التشتت في الوقت الذي ينبغي لنا حقًا أن نُقلل من مدى تحفيز أدمغتنا، عندها يزداد مدى انتباهنا.

 

*أنت أقدمت على فعل تلك التجربة في الكتاب إذ تُشعر نفسك بالملل عن قصد، لقد بدا ذلك فظيعًا، ماذا تعلمت؟

-تعلمت أن أوقات الحجز لدى طيران كندا طويلة للغاية، وكانت تلك التجربة مزعجة جدًا، لأن الملل ليس شعورًا مريحًا، لكن بعد هذه الفترة الزمنية، استقر دماغي في مستوى جديد من التحفيز يزيد عن 40 ثانية، وجدت أن لدي الكثير من الاهتمام لأي شيء كان أمامي، وكان لدي المزيد من الخطط والأفكار للمستقبل، لأن عقلي كان لديه بالفعل فرصة للتفكُّر قليلاً، أظهرت تلك النتائج لي أن المشكلة هي المبالغة في التحفيز.

لعل الشيء الأكثر تحفيزًا في بيئتنا، عادةً، لا يجعلنا أكثر سعادة، وأبسط مثال على ذلك هو عندما تكون في مطعم مع شريك حياتك أو مع صديق لك، وأنت تحاول إجراء محادثة هادفة، ولكن في الخلفية، يوجد تلفزيون يبث أخبارًا، وقد يعرض بعض الأشياء الجديدة التي قد تكون مُهددة وربما ممتعة في ذات الوقت، لا يمكنك تجاهل ذلك أو أن تدع انتباهك ينجذب إلى ما يدور في الخلفية.

 

*عندما يأتي إليك شخص ما ويجد صعوبة في التركيز على أي شيء، وهو يقضي كل وقت فراغه في الحصول على جرعات قليلة من التشتت دون أن يجعلهم ذلك سعداء حقًا. ما هو أول شيء تطلب منهم القيام به؟

-أشجع الناس، لمدة أسبوعين، على جعل عقولهم أقل تحفُزًا؛ احذف تطبيقات التواصل الاجتماعي غير الضرورية على هاتفك، وقم بتحميل برنامج مانع تشتت لحاسوبك، مثل Freedom، لتتمكن من العمل على مدار اليوم، ضع هاتفك في غرفة أخرى أثناء عملك إذا كان ذلك ممكنًا، وإذا خرجت مع زوجتك أو زوجك إلى البار، فقم بمبادلة الهواتف بحيث يكون لديك شيء لالتقاط الصور ولكنك لا تملك تلك المساحة المخصصة لك للتشتت.

سوف تشعر بالقلق، ولكن على الجانب الآخر ستشعر بالتركيز، ليس عليك القيام بذلك دائمًا، ولكن حاول القيام بذلك لمدة أسبوعين، لاحظ عدد الأفكار التي لديك عن المستقبل، لأن عقلك لديه فرصة للتفكُّر أكثر.

 

*يتعلق الكتاب في الغالب بالأشياء الفردية التي يمكن للناس القيام بها ليكونوا أكثر تركيزًا، هل سبق لك أن فكرت في أي تغييرات بنيوية من شأنها أن تجعل العالم أقل تشتتًا؟

-إن شركات التواصل الاجتماعي جيدة جدًا في التنبؤ بسلوكنا وما نريد القيام به بوقتنا، وهي تقدم لنا أكثر الأشياء حكمة في تلك اللحظة، أعتقد أن هناك نقطة نبدأ فيها بفقدان السيطرة على سلوكنا، خاصةً عندما يسيطرون على آليات تفكيرنا ويلبون رغبتنا الأساسية في الحداثة والمتعة والخطر.

يجب أن نشعر بالقلق الشديد، كمجتمع، لأن شركات مثل غوغل وفيسبوك وتويتر تكسب المال من حقيقة أننا نفقد السيطرة على سلوكنا عندما نستخدم تطبيقاتها؛ انتباهنا ملك لهم.

 

*قد تعتقد أن أي كتاب عن التركيز المفرط من أجل أن يكون الشخص منتجًا سيكون متعارضًا مع كتاب جيني أوديل، الذي صدر في وقت سابق من هذا العام، بعنوان (كيف لا تفعل شيئًا)، لكن ما تشير إليه هو ذاته: تخلص من التشتت غير الضروري الذي يجعلك غير سعيد حتى تتمكن من التركيز على الأشياء المهمة، ما رأيك في ذلك؟

-الفرق الذي أود أن أوضحه هو كيف أكون منتجًا بقصد أو بغير قصد؛ أعتقد أنه من أفضل الأشياء في العالم أن تكون غير منتج، أنت لا تعمل دائمًا طوال الوقت، وأعتقد أننا ننتج إنتاجًا مثاليًا عندما ننجز ما ننوي القيام به، فقد تكون النية ليوم واحد هي كتابة 2000 كلمة، وإذا حققنا ذلك، فنحن منتجون تمامًا، وقد تكون النية ليوم واحد هي مشاهدة خمس حلقات من برنامج Hell’s Kitchen والاسترخاء مع بعض الأصدقاء فقط، وإذا حققنا ذلك، فسأقول بأننا منتجون أيضًا.

أعتقد أن عدم القيام بأي شيء يُعد، وللمفارقة، إحدى أفضل الطرق لتحقيق الإنتاجية، لأنك عندما لا تفعل شيئًا، فأنت تشعر بالراحة، ستعيد شحذ ذاتك، وتفكر في مستقبلك، فنحن نفكر في أهدافنا 14 مرة أكثر عندما نكون في حالة راحة ولا نفعل شيئًا مقابل التركيز على شيء ما.

 

*وهل من السيء حقًا أن تكون غير منتج؟

-لا أريد أن أكون معروفًا بالشخص الذي يعزف على معلومات سخيفة؛ بالأمس، على سبيل المثال، شاهدت أربع حلقات من برنامج Hell’s Kitchen على التوالي، لا يوجد شيء أجمل في العالم من وضع نية لمشاهدة عرض كامل على Netflix ثم القيام بذلك، لكنني أعتقد أن المفتاح هو أننا نفعل ذلك بنية، هذا، بالمناسبة، يلغي الشعور بالذنب الذي نشعر به عندما نشاهد برنامجًا ما.

من المهم أيضًا رفع هذا المنحنى واستهلاك أشياء أكثر فائدة قليلاً، ربما بدلاً من مشاهدة Hell’s Kitchen، يمكنك مشاهدة فيلم وثائقي عن الطبيعة، قد يكون ذلك مطلباً ثقيلاً بعض الشيء، ولكن ربما متابعة مادة تسمح لك بتعلم شيء ما؛ لا تفوت برنامج Hell’s Kitchen، إنه رائع.

 

المصدر: هنا

 

 

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

هل تجعلنا قراءة قصص الخيال أشخاصاً أفضل؟

تقديم: كلوديا هاموند ترجمة: ياسين إدوحموش تصميم الصورة: امير محمد كل يوم يُباع أكثر من …

هكذا يكون البلد النسوي

بقلم: مايا سلام ترجمة: زينب عبد محمد تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: اسماء عبد محمد …