الرئيسية / تأريخ وتراث / التاريخ يبين ما الخطأ في فكرة أن الحرب أمراٌ ” طبيعي” في الشرق الأوسط

التاريخ يبين ما الخطأ في فكرة أن الحرب أمراٌ ” طبيعي” في الشرق الأوسط

الصورة لمنظر جوي للقلعة في مدينة حلب القديمة، سوريا
بقلم : ستيفاني مولدر
ترجمة : سهاد حسن عبد الجليل
تدقيق: ريام عيسى
تصميم الصورة: أسماء عبد محمد
في أيام التوتر التي تلت الضربة الجوية الأمريكية التي قتلت الجنرال الإيراني قاسم سليماني، أطلت عبارة مجازية قديمة عن الشرق الأوسط بوجهها القبيح. ففي يوم الاربعاء في نشرة اخبار قناة فوكس الإخبارية، قامت ك. ت. مكفارلاند، وهي نائبة سابقة لمستشار الأمن الوطني، بترديد هذه العبارة عندما أدعت أن “الشرق الاوسط كان يتقاتل ل٤٠٠٠ سنة. لقد كانت حرب طوائف عرقية ونفسية، وكانوا يقتلون بعضهم بعضاً لآلاف السنين. فوضعهم الطبيعي هو الحرب “.
أن هذا التعبير المجازي غالباً ما يعود اليه أولئك الذين يريدون من العالم أن يصدق أن الحرب في الشرق الاوسط شيء غريزي وحتمي. ولكنّ إلقاء نظرة إلى تاريخ المنطقة يكشف وببساطة أنها ليست صحيحة. فالناس في الشرق الاوسط ” لم يكونوا يقتلون بعضهم بعضاً بالقدر الذي يتجاوز معدل الصراع البشري العادي. وفي الواقع، إن هذه المنطقة الممتدة والتي توصف أنها “مهد الحضارات”. وقد طورت نظاماً متحضراً ومعقداً بشكل تام للتفاهم والتعايش والذي سمح للسكان المتنوعين والديانات والمجاميع العرقية بالعيش معاً لمدة طويلة جداً من الزمن .
وفي الواقع، إن الأنظمة الإمبراطورية التي حكمت الشرق الاوسط في أغلب فترات تاريخه كانت تمتد لمساحات واسعة من الكرة الأرضية وتشتمل على تنوع هائل للأعراق والتقاليد والأعراف الدينية. هذه الأنظمة تمتلك ضرورة واقعية أوجبت عليها أن تطور أنظمة للتعايش وطرق لتفادي الحرب. وكما أظهرت دراسة جديدة، فإن مثل هذه التدابير تميز كل نظام إمبراطوري في تاريخ العالم. فعلى سبيل المثال، بينما يمكن للتعددية أن تكون سبباً أكيدًا للصراع، فأنها أيضًا كانت مصدراً للقوة الاقتصادية والسياسية. وهذا لا يعني القول بأن هذه الإمبراطوريات قد نجحت مثل الدول الديمقراطية الحديثة؛ فالإمبراطوريات في عصر ما قبل الحديث غالباً ما كانت قمعية. لكن بقائها واستمرارها وتوسعها العسكري كانا يعتمدان على الاستقرار الداخلي.
وتبعاً لذلك، وفي أواسط القرن السابع، وجد الحكام الإسلاميون أنفسهم فجأة يحكمون إمبراطورية تمتد من إسبانيا إلى حدود الهند، وبوجود أغلبية سكانية مسيحية، قاموا ايضاً بتطوير نظام مماثل مستمد من الأوامر القرآنية لإعطاء تشريع خاص محمي ل”الشعوب الكتابية”- اليهود والمسيح والبقية الذين نزل على أنبيائهم كتاب مقدس بوحي الهي. وبعد ذلك – حتى في فترات التوتر الطائفي، كان يخدم لدى الخلفاء الفاطميون الشيعة وزراء سنة ومسيح ويهود. وفي الواقع كان اليهود في العالم الإسلامي يتمتعون بحرية وامتيازات لا يمكن تصورها في اوروبا المسيحية، حيث كانوا يواجهون فيها قروناً من الاضطهاد.
حتى المغول المشهورون بوحشيتهم في الاحتلال، ادركوا أهمية التعايش. ففي القرن الثالث عشر، بعد خلق اكبر امبراطورية متجاورة الأراضي عرفها العالم، قاموا بتأسيس ” السلام المغولي ” والذي كفل الحرية الدينية لكل رعايا المغول. حيث قامت سلالة ” الخانات” وهي احدى سلالات المغول، بحكم ايران الحديثة -بعد التحول إلى الإسلام- وأوقدت شعلة النهضة الفنية والثقافية التي تماثل النهضة الأكثر شهرةً في إيطاليا بشكل مباشر. وبالفعل، ازدهرت مثل هذه الأنظمة خلال العهد العثماني وحتى نهوض السياسة الحديثة. إن تاريخ الشرق الأوسط هو صرخة بعيدة عن “الوضع الافتراضي” للحرب. ففي الواقع إن الوضع الافتراضي كان تعايشاً سلمياً.
ومن الضروري تحديد أنه لم يخلو تاريخ الشرق الأوسط من النزاع، لكنه فقط لم يعرّف على أنه صراع. ففي زمن ما قبل الحديث، على سبيل المثال، وقعت المنطقة تحت سيطرة قوى متنافسة عديدة، من سكان بلاد ما بين النهرين القدماء والمحتلين الآشوريين إلى جيوش الإسكندر الكبير والإمبراطورية الرومانية والصليبيين. وقد أدى قدوم السياسة الحديثة في القرن التاسع عشر إلى تقديم افكار عن المواطنة المتساوية للأنظمة القديمة والتي بدورها أبقت وبشكل تقليدي التوتر تحت السيطرة. وكما كتبتُ سابقاً في مذكرة احدث- على اقل تقدير في ذاكرة اغلب الأشخاص الأحياء حالياً- فأن الاستعمار الحديث على يد القوى الأوربية العظمى وأزمة ما بعد الاستعمار، عنيت أن المنطقة كانت المتلقية لتدخلات خارجية- مفروضة والتي غالباً ما زعزعت المشهد السياسي القديم في داخل البلاد، والتي أدت إلى عنف داخلي مستمر، كما رأينا في سنة ١٩٥٣ حيث قامت وكالة الاستخبارات المركزية لكل من امريكا وبريطانيا بانقلاب في ايران أو في احتلال العراق سنة ٢٠٠٣.
بالإضافة إلى ذلك، اذا كان الماضي كافياً لبعض المراقبين لتبرير ادعاء أن الوضع الافتراضي للمنطقة هو الحرب، فأن نفس الكلام يمكن أن يقال عن اوروبا. وكما ناقشت الباحثة التاريخية ماري بيرد، فإن الاحتلال الروماني لمنطقة فرنسا وألمانيا الحديثة قد بلغ حد ” الإبادة الجماعية ” واشتدت الحروب بين النبلاء خلال العصور الأوربية الوسطى، وبدأ الصليبيون بمذابح عنيفة ضد اليهود وكذلك حرب الثلاثين سنةً في القرن السابع عشر التي قتلت الملايين والتي لا يمكن وصفها سوى بالمجزرة. ولم تأتي الحداثة بالسلام: ففي القرن العشرين كانت اوروبا نقطة البدء للحرب الأكثر إبادة في العالم. ومع ذلك قلة هم من يصفون التاريخ الأوربي بالمتنازع، كما حددنا سالفاً
وبما أن الحرب دمرت سوريا خلال السنوات التسع السابقة، فإن الصراع قد إتخذ بعداً طائفياً معلناً، ولا يعتبر امراً غير عادياً أن يطلق الباحثون تعليقات قاتلة على غرار طريقة ك. ت. مكفارلاند. إذ يقال أن النزاع الطائفي يعود إلى ١٤٠٠ سنةً منذ تأسيس الإسلام، وكما فعل مشاهدي قناة فوكس الإخبارية هذا الأسبوع، نسمع باستمرار أن الناس في هذه المنطقة حساسون بطريقة ما وغير منطقيون ومتورطون بشكل عنيد في صراعات قديمة وغير قادرين على الانضمام إلى العالم الحديث. حيث كان هناك شخصيات طائفية في عهد القرون الوسطى، وبالطبع، أدت هذه احياناً إلى صراعات. ولكن هذه الانقسامات الطائفية الحالية تعتبر تطوراً مفاجئاً وجديداً ، فهي بدأت بشكلٍ فعال مع قدوم السياسة الأوربية الحديثة وازدادت سوءاً بعد نشوء الدولة العربية بعيد الحرب العالمية الثانية. ثم تفاقم التوتر بسبب الحرب الأهلية اللبنانية وبسبب ما بعد احتلال الولايات المتحدة للعراق سنة ٢٠٠٣، والذي جدد المشهد الطائفي.
وفي سوريا في فترة العصور الوسطى- كان الدافع القديم للتعايش النفعي ( والممتد لآلاف السنين ) ما يزال يحكم سيطرته، حيث أدى إلى أن يقوم حكام سنة اقوياء بحماية ورعاية المراقد التي يحبها رعاياهم الشيعة. ومازال حوالي ٤٠ منها قائماً الى اليوم، فالسنة والشيعة يبجلونها معاً. ويرتفع احد هذه المراقد في مدينة حلب فوق تلةٍ مطلاً على المدينة لحوالي الف سنة. إنه مخصص للحسين سبط النبي محمد، وفي القرن الثالث عشر، قام الحاكم السني الملك الظاهر، ابن القائد المسلم العظيم صلاح الدين الأيوبي، بتحويل المرقد إلى اكبر وأضخم مرقد في سوريا. وترك الظاهر نقشاً على بوابة الدخول المزخرفة والمرصعة بالأحجار، يثني في هذا النقش على الخلفاء الراشدين الأربعة بالإضافة الى أئمة الشيعة الاثني عشر من بعدهم. وفي النهاية كتب الظاهر مقولة “رضي الله عن صحابة الرسول اجمعين ” وبغض النظر عن الولاء المذهبي – وبكلمات اخرى – نحت الظاهر بعمله هذا في الحجر رأياً يعكس الدقة بدرجة الاختلاف في التاريخ الطائفي المتداول للإمبراطوريات في سوريا وغيرها من المناطق .
إن أعمال هذا القائد الذي ينتمي للعصور الوسطى ماهي إلا نافذة على حقيقة أعمق. وعلى الرغم من وجود صراعات، فالحقيقة هي أن التعايش كان بنفس الواقع المفترض في الشرق الاوسط كما هو في المناطق الأخرى. وإن تجاهل هذه الحقيقة في التصريح بأن المنطقة هي مكان طبيعي للصراع يعتبر أمراً مخرباً ومجرداً للشخصية الإنسانية. وهذا التصرف يجعل الناس في المنطقة غير متعاطفين ولا سبيل لمعرفة شخصيتهم -ولسخرية القدر – فإن ذلك يجعل الصراع اكثر احتمالًا .
ستيفاني مولدر : استاذ مساعد في الفنون الإسلامية في جامعة تكساس بولاية أوستن ورئيسة لمنظمة العصور الوسطى في الشرق الأوسط ومؤلفة لكتاب ” مراقد العلويين في سوريا في العصور الوسطى : السنة والشيعة والتعايش في الفن المعماري. يمكن قراءة مقالتها الأطول في المجلة المنشورة مؤخرًا ‘ لمن العصور الوسطى؟ لحظات تدرس لتاريخ يساء استخدامه.
المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

هل النبي محمد شخصية حقيقية؟ خلاف بين الباحثين في الدين الإسلامي

كتبه لموقع شبيغل أونلاين: ياسين موشربش نشر بتاريخ: 18/ 9/ 2018 ترجمة: إبراهيم العيسى تدقيق: …

كيف بدأ تقليد أشجار عيد الميلاد؟

كتبته لموقع “انسايكلوبيديا بريتانيكا”: ايمي تيكانين نشر في : 14/ 9/ 2018 ترجمة: سارة الأعرجي …