الرئيسية / علم نفس / فرويد كان مخطئاً في كل شيء تقريباً

فرويد كان مخطئاً في كل شيء تقريباً

نشر في: موقع 52-insights.co

بتاريخ: 12 نيسان/ أبريل 2018

ترجمة: إبراهيم العيسى

تدقيق ومراجعة: نعمان البياتي

تصميم الصورة: اسماء عبد محمد

قبل عقود، كان غالبية الناس يتخذون قرارات قليلة في حياتهم اليومية، من قبيل ماذا سنأكل على العشاء أو أي طريق سنسلك إلى العمل، لكن في العصر الحاضر، أصبح علينا اتخاذ الكثير من القرارات، مما أوصلنا إلى مجالات لم نعهدها من قبل؛ إنها وصفة للكارثة، إلا أن ليونارد ميلودينو، الفيزيائي ذو الكتب الأكثر مبيعاً ومؤلف كتاب مشية السكران والمؤلف المشارك لستيفن هاوكنغ، يروج لإكسير جديد نسبياً لعصرنا هذا.

إنه ترياق لنمط التفكير المنطقي والتحليلي الذي كان ذات يوم مساوياً للعظمة الفكرية، إنه التفكير المرن الذي أضحى في عالمنا المنهك والمثقل ما يشبه الميزة الثورية.

إنه نمط من الوعي، لنصيغه بعبارة أفضل، نمط تفكير يبدأ من القاعدة نحو القمة يدعم عدة أفكار في آن واحد، وإذا كان نافعاً بما فيه الكفاية لألبرت أينشتاين وستيف جوبز، فإنني على يقين بنفعه لنا جميعاً؛ في الواقع، يذهب ليونارد إلى حد وصف الناس ذوي التفكير النمطي بالأرباب ذوي المستوى المنخفض. يضم كتابه الأخير “التفكير المرن” أحدث ما جاء به علم الأعصاب ليظهر لنا أن من بين الكم الهائل من المعلومات التي نغرق أنفسنا بها، يعتمد وجودنا بشكل متزايد على هذا النمط من التفكير.

 

في الواقع كانت أول مرة رأيتك فيها في فيديو على اليوتيوب، عندما نهضت من بين الحضور أثناء محاضرة لكل من سام هاريس وديباك جوبرا؛ بد لي، على أقل تقدير، أنك كنت متضايقاً بعض الشيء، أو ربما كان ذلك الإحساس الذي راودني وقتها وأنت تحاول تصحيح ما قاله ديباك جوبرا.

لا أعلم ماذا كان شعوري بدقة، لم أكن متضايقاً، كانت مجرد تجربة غريبة لأن…

 

الطرح كان غريباً

كان الطرح غريباً وكان لدي الكثير لأقوله لكلا الفريقين، قررت أن أظل مكتوف اليدين ولا أطرح أي سؤال، عَرَفني مدير الجلسة من بين الحضور وأظن أنهم حذفوا هذا الجزء من الفيديو، أخرجني خارج القاعة وقال: “دكتور ميلودينو، أنت عالم فيزياء، اطرح سؤالاً”، لقد ضغط عليّ ولم أكن أرغب بالظهور على شاشة وطنية وأجعل من نفسي أضحوكة، لكن وكما تعلم حاولت أن أبدو مهذباً في حديثي، واجهت صعوبة في تجميع ما كان ديباك يحاول قوله ولهذا عبرت عن رأيي…

 

فهمت عليك

بعد ذلك، ذهبت إليه وتبادلنا البريد الالكتروني وقال: “حسناً، درسني الفيزياء”، لا أعلم إن كان هذا موجوداً في الفيديو لكنني سألته: “أتريدني أن أدرّسك الفيزياء لتتمكن من استخدامها بالشكل الصحيح؟”، طبعاً لم أقصد التقليل من الاحترام أبداً…. فهو رجل رائع ومنفتح.

 

إنّ كتابك الأخير في غاية المتعة. أظن أن أفضل ما نبتدئ به اقتباساً من كتابك تقول فيه: “إن التفكير المرن هو نمط معالجة غير خطي تتبع فيه عدة أفكار في آن واحد”، أي ربما يمكنك فتح علبة الديدان تلك (عدة ملفات)؟

نعم، يمكن أن يأخذ هذا على ساعة كاملة؛ يمكنك وضع طرق تفكيرك المختلفة على طيف، في أحد طرفيه التفكير المنطقي، العقلاني والتحليلي، إنه تفكير خطي، تفكير قائم على أساس الدور المناط بك حيث تضع مقدمة منطقية تبدأ منها ولديك قواعد محددة للتفكير. تنتقل من أ إلى ب ومن ثم إلى ج ثم د وهكذا؛ هذا هو نمط التفكير الذي تبحث عنه الشركات والجامعات في الشركات التقليدية، يكون لدى المدير التنفيذي كل الأفكار، يخبرك بما عليك القيام به، وعليك تنفيذ تلك الأفكار من القمة نحو القاعدة. يحدث الأمر ذاته في الدماغ كذلك.

 

وتسمي ذلك الدماغ التنفيذي.

نعم، يسمي علماء الأعصاب ذلك الدماغ التنفيذي، إنه الأجهزة التنفيذية في دماغك.

 

إنها قشرة الفص أمام الجبهي.

نعم، أجزاء من قشرة الفص أمام الجبهي، هي توجه انتباهك لأمور محددة، وتوجه أفكارك نحو هدف محدد. وفي الطرف الآخر من الطيف يوجد التفكير المرن، التفكير المرن لا يسير وفق قواعد، بل هو ما تستخدمه لاستنباط القواعد، أو حتى اكتشافها لأننا غالباً لا ندرك القواعد التي تقودنا، إذاً هو يساعدك على خرق القواعد، إنه تفكير من القاعدة نحو القمة، أفضل مثال لهذا مستعمرة النمل، يكون فيه الكل أكبر من مجموع أجزائه؛ لا ينشأ التفكير المرن هذا من أي توجيه، بل من قواعد بسيطة للغاية ينفذها عدد كبير من العناصر المكونة، العملية رائعة رغم عدم وجود موجه لحدوث ذلك، وهو تفكير غير خطي، فعندما يبرمج مبرمجو الحواسيب هذه الأيام حواسيبهم لاستخدام شبكات عصبية لتقوم بذلك النوع من التفكير، حتى هم في الواقع لا يعلمون كيف يحلّ الحاسوب مسألة في نهاية المطاف،

فعند قيامها بلعب لعبة (كو)، لا يمكنه إخبارك كيف جاء بالفكرة، بينما عندما برمجوا حاسوب (ديب بلو) المتخصص بالشطرنج كانوا يعرفون بدقة آلية عمله.

 

إذاً يوجد هذا التوتر كوننا نعيش في مجتمع نتحدث فيه كثيراً عن الفرد النمطي، والنمطية التي يسير وفقها الكثير مما في الطبيعة كما لو كانت الأحداث نصاً مكتوباً، إلا إنك تقول إن تفكيرنا المرن هو الذي أنقذنا من الانقراض، فقد مكننا من الإبداع الذي سمح لنا بالتغلب على التحديات، وبالتالي هل تظن أنه أصبح هو الذي يفصلنا عن معظم جوانب الطبيعة وسمح لنا أن نتربع على عرش السلسلة الغذائية بطريقة ما؟

بالتأكيد، فقلّة قليلة من الحيوانات لديها قدرة كبيرة على التفكير المرن، بادئ ذي بدء، وحدها الثدييات تمتلك قشرة الفص الجبهي، أما قشرة الفص الجبهي الوحشي الهامة فتوجد عند الرئيسات فقط، أي إنّ أدمغتنا مختلفة.

 

إذاً وبدقيقة سأسمعك سؤالاً من عالِم ثديات شهير هو فرانس دي وال.

إنه أمر نسبي عادة، لا يمكنك القول إننا الوحيدون، لكن عليك أن تعترف أيضاً إنّه ليس بوسع الغراب صنع عجلات هوائية، قد تقول إنها بلا فائدة وبالتالي لا يعد ذلك تقدماً، إلا أنني أعتقد إنه يمكنني القول وبثقة إننا الوحيدون في الكون من لديهم نظرية عن الكون، وبالتالي هناك شيء ما خاص بالإنسان.

 

مقتطفات من كتاب freakonomics

إنني أقوم بهذا العمل منذ أمد بعيد، ما يقارب الأربعين عاماً، وطوال هذه الأعوام ظل سؤال اختلاف البشر وسبب اختلافهم، غريباً بالنسبة لي نوعاً ما، لأنني أعتبر البشر من الرئيسات، أي ليست مختلفة جذرياً؛ بالطبع نعلم قول داروين إننا ننحدر من القرود، إلا إنني لا أظنه قطع شوطاً كافياً في ذلك، فمن حيث المبدأ نحن قردة، وليس هناك سبب وجيه للتمييز بيننا وبينها، كما أن هناك علماء تصنيف ذكروا إنه لا ينبغي أن يكون لنا تصنيف خاص حتى، فنحن لسنا سوى جزء من الشمبانزي والقرود لأننا، وفق الحمض النووي، متطابقون بنسبة 98.5%؛ برأيي ومن كل النواحي إن الذكاء والإدراك البشري شكل متقدم للذكاء والإدراك عند الحيوانات، لأنه ليس بينهما ذلك الاختلاف الجوهري.

اتفق معك كلياً، فنحن بالتأكيد من الرئيسات، ولا يعني ذلك أننا لا نشكل حالة فريدة، لكن القردة تشكل حالة فريدة أيضاً، والشمبانزي كذلك، كل صنف يشكل حالة فريدة بذاته وله خصائه وصفاته المميزة؛ وإن القول إن تفكيرنا واحد قول غير صحيح، ويشبه هذا قولنا إننا بقوة الشمبانزي، فالشمبانزي أقوى منا جسدياً لكن عقلياً نحن الأقوى.

كيف تفكر هي إذاً؟ هذا سؤال صعب للغاية، إذ ليس بوسعنا فعل شيء سوى مقاربة الأمر من فكرة بنية أدمغتنا؛ كيف يفكر الخفاش مثلاً؟ قد أجيب على هذا السؤال بكل ثقة …. أو قد لا يمكنني؛ دعني أوضح بعض الأمور، كنت سأقول يمكننا القول وبثقة إننا أفضل من حيث التفكير المجرد ووضع النظريات من الخفاش، لأن لدينا النظرية النسبية العامة ونظرية الكم بينما تفتقدها هي، قد يكون هذا كله خطأ لأنه لدينا لغة، ولدينا الكتابة، وطرق لإيصال أفكارنا إلى الأجيال القادمة، من السهل الخلط بين هذه الميزة التي لدينا والذكاء، وأعتقد أنه لو تم رميي في غابة ولم أرتد مدرسة قط، ولم اقرأ كتاباً أبداً ولم يكن لدي أبوان يعلماني، أكنت سأكتشف الفيزياء؟ قطعاً لا، أكنت لأقوم بأي عمل غير الذي نرى الشمبانزي تقوم به في البراري؟ لو تغافلنا عن هذه الناحية من البناء التدريجي للمعرفة والعادات والتقاليد والثقافة، لربما كنا أكثر شبهاً بالشمبانزي مما نحن عليه الآن.

 

لنتحدث بعض الشيء عن أدمغتنا كبشر في المجتمعات التي بنيناها، يبدو أن الكتاب قد كُتب رداً على هذا العالم الذي يتغير باستمرار وبخطى سريعة؛ علينا أن نتأقلم مع هذا، كما أن التفكير المرن وسيلة قد تمكننا من هذا التأقلم، أتوافق على هذا الطرح؟

نعم، لتتقدم وتنجح عليك أن توظف التفكير المرن؛ إن التفكير المرن، بحسب ما أقوله في الكتاب إن ماري شيلي، برواية فرانكنشتاين، أو حتى أينشتاين، بنظريته النسبية، مثال حسن فلم تكن الرياضيات معقدة، بل رياضيات المرحلة الثانوية، وأي فيزيائي كان باستطاعته التوصل إلى تلك النظرية، لذا بِمَ كان مختلفاً؟ كانت لديه قدرة مرنة على فهم الفرضيات التي كان يقوم بها الجميع بشكل ضمني دون إدراك ذلك، وعندما أدرك الفرضيات التي وضعوها كان كل ما تلاه سهلاً.

 

إنك تتحدث عن تحولات في المعايير المتبعة إذاً.

انظر إلى شركة أوبر لسيارات الأجرة، لو كان لديك شركة تكسي وتحاول توظيف التفكير التحليلي لتصل إلى طريقة تجعلك أكثر فاعلية، وتجاهلت كل تلك التغيرات والتحولات التي تمثلها أوبر، فستعلن إفلاسك؛ تمعن في حال شركة بلوكبستر، اقرأ في موسوعة بريتانيكا، وانظر كذلك في حال شركة كوداك، تجاهلت كل تلك الشركات التحولات والتغيرات التي كانت تحدث من حولها وبالتالي تخلفت، تحتاج التفكير المرن لتلحظ التغيرات وتفهمها، ولتتمعن في فرضياتك وتتبين إن كان عليك تغييرها وتستنبط أفكاراً جديدة.

 

أعتقد أن التفكير المرن ليس هاماً من ناحية التحولات النوعية فحسب، بل هام للجميع في حياتهم اليومية، لا يقتصر حديثي عن صنع الآيفون لأنه ليس بمقدور الجميع فعل ذلك…

لا، لكنك تطبقه في حياتك؛ الكثير من الناس في حالة ركود في أعمالهم، بل إنهم لا يعلمون إنهم تعيسون، ولا يستفسرون عن اتجاههم، إنني فيزيائي، ولقد صممت ألعاب حاسوب، وكتبت لصالح ستار تريك وماكيفر، كنت مديراً تنفيذياً لشركة ضمن أغنى 500 شركة في الولايات المتحدة، إنني في نهاية الطيف، وليس معنى كلامي أنّ عليك أن تغير عملك؛ من ناحية أخرى، يغير أفراد جيل الألفية أعمالهم كل بضع سنوات، ولكي يعتادوا على ذلك فإنهم بحاجة إلى التفكير المرن، تحتاج التفكير المرن لتعلم ما يجعلك سعيداً وأي عمل تريد، وتحتاجه كذلك في الأمور الجوهرية؛ عندما تشتري هاتف آيفون جديد أو أي تطبيق جديد، لا يأتي معها دليل المستخدم هذه الأيام، فيما مضى، كان هناك قسم خاص بتقانة المعلومات في العمل، أو كان هناك دليل مستخدم، أما الآن عليك أن تعرف ذلك لوحدك وتتأقلم مع نظام (آي أو اس) الجديد، التفكير المرن يقوم بذلك، فقراءة دليل المستخدم تفكير منطقي وتحليلي، أما فهمه لوحدك هو التفكير المرن.

 

لكن العلم قد غير نظرتنا لأنفسنا، إنني أفكر بالمثال الذي سقته عن مشروع الشبكة العصبية الذي مكننا من التعرف على 97 منطقة دماغية جديدة؛ إننا نشهد الآن تحولاً جذرياً في نظرتنا لأنفسنا.

نعم، وعلى جميع المستويات المختلفة. أعتقد أنّ الناس كانوا يَحسَبون أن التفكير المنطقي التحليلي هو أوج التفكير البشري، والآن أعتقد أننا نرى ذلك أكثر في الجوانب التي تشبهنا فيها الحواسيب الميكانيكية وكيف باتت تهزمنا فيها.

 

أعتقد أن هذا هو ما اعتقدنا أننا سنكون عليه، أو ظنناه عن كيفية تقدمنا.

في النسخة الأصلية من عالم الخيال ستار تريك، كان سبوك هو الرجل المثالي، أليس كذلك؟ لم يكن لدى سبوك مشاعر بل كان آلة منطقية وكذلك كانت البيانات، اعتبرت الثقافة ذلك أمراً غريباً وفي ذات الوقت قمة التفكير المنطقي وأوجِه، قطعاً هو ليس كذلك، فهذا هو الجزء السهل الذي تقوم الحواسيب بعمله، أما الجزء الصعب من التفكير فهو تشكيل النموذج الذي نرى الأشياء وفقه، وأعتقد أننا نشهد ذلك وكذلك يشهده علماء الحواسيب معنا، لذا فإنهم يقومون الان بصنع تلك الحواسيب المزودة بالعقد العصبية لتعكس ذلك.

 

هذا أمر ممتع، لأني لاحظت وجود بعض التوتر في الكتاب، فقد قابلنا أشخاصاً مثل ميشيو كاكو، ماكس تغمارك، يوفال هاراري، قابلناهم كلهم في العام أو العامين الماضيين، ويشددون جميعهم على فكرة أن التقانة ستجعل عالمنا مثل عالم ستار تريك بل وأغرب منه، إلا أنه ومن خلال كتابك ينتابني شعورٌ أنك تعتقد خلاف ذلك.

أنا أشبه ستيفن هاوكنغ ولا أشبهه في ذات الوقت، فقد كان ستيفن يخشى أن تسيطر الحواسيب على العالم، ولا أقبل ذلك مطلقاً وينبغي أن أقول إنني أخبرت ستيفن: “في عام 1985 قلت إنّ كل جوانب علم الفيزياء ستُحل بحلول نهاية القرن، ما قولك في هذا؟” فأجاب: “لا زلت على رأيي، لكن في القرن القادم وليس هذا”، انظر، لست أفضل منهم أبداً إلا أنّ الناس الذين يقولون إن هذا سيحدث بحلول كذا وكذا مخطئون، تماماً مثل أولئك الذين يقولون إن هذا لن يحدث أبداً؛ لا أقول إنه في المستقبل البعيد لن يكون هناك حواسيب تشبه البشر، ولكن ليس في عام 2030، لنلقي نظرة على ما يمكن أن تقوم به الحواسيب، كان حاسوب (كو) مذهلاً للغاية، لكنه صمم لأجل لعبة (كو)، فإن طلبت منه لعب الشطرنج فلن يعرف كيف يلعبها ولا أحد يعلم كيف يمكنك أن تجعل حاسوباً يفعل ذلك، وتلك هي الغاية العامة، المرونة،  يحدث التفكير المرن في الحواسيب ضمن بيئة ضيقة، محددة ومحكمة التنظيم.

 

أحببت في الكتاب المقارنة مع الحواسيب والتي قلت فيها: “طفل… في الثالثة من عمره يمكنه القيام بكل ذلك وهو يتناول موزة ويلطخ الجدار بزبدة الفول السوداني”.

هذا صحيح، لأن الطفل لديه مئة مليار عصبون، وكل عصبون منها مرتبط بألف عصبون آخر بينما في حواسيب الشبكة العصبية نجد ما يقرب من مئة دارة مرتبطة ببعض الدارات الأخرى.

 

لقد صنعنا شيئاً مذهلاً إذاً… لم نخلقه نحن بل هناك شيء ما قد خلق أدمغتنا…

التطور.

 

التطور، صحيح! قد يكون هناك شيء آخر ربما يكون قد ساهم في ذلك، شيء آخر تم جذبه وتوجيهه لخلق الدماغ توازياً مع التطور.

كذلك يعتقد ديباك.

 

أنا لست ديباك.

إذاً ما رأيك؟

 

إنه سؤال وجودي وبرأيي علينا تقبل طرحه، وكون العلم ليس المنصة الوحيدة التي تخلق القوانين…

أعتقد أن أياً كان ذلك الشيء، فهو قوانين الطبيعة، وقوانين الفيزياء.

 

لكن ما زلنا لا نعلم كل شيء عن قوانين الطبيعة والعلوم التي خلقت الثقب الأسود.

هذا صحيح.

 

 

لكنك كنت تتحدث عن قوة التطور.

كنت أتحدث عن قوة التطور في مقابل التصميم، ولهذا كنت سأدخلها إلى النقاش، عندما درست الكيمياء العضوية، علمونا كيف نركّب الجزيئات.

كانت صديقتي تتبع التفكير غير الخطي من القاعدة نحو القمة، وأصبحت مشهورة بسبب الاتيان بطرق للتطور لتخليق نقطة النهاية، إنها معقدة لكن لديها طريقة حيث تضع عدداً محدداً من الجزيئات في درجة حرارة وضغط وظروف أخرى، وفي النهاية، وبسبب تفاعل كيميائي تحصل على جزيئات جديدة، ثم تقوم بتصفية الجزيئات التي تريدها تماماً مثل عملية الاصطفاء الطبيعي، ثم تمر على جيل آخر، وآخر حتى تصل في النهاية للجزيء الذي تريده مع أنك لم تصمم أي شيء؛ هذا عظيم، وهذا الذي خلق أدمغتنا، برأيي المتواضع.

 

أنت تقتبس لويليام جيمس كثيراً، أعلم عن أعماله وأفكاره عن مرونة الجملة العصبية التي تستخدم في مجال الممارسة العقلية.

كان ينبغي أن يكون ويليام جيمس بديلاً لسيغموند فرويد في ثقافتنا.

 

كان مرادفاً لذلك المجال لأنه، بالطبع، يحتاج العقلاء دليلاً علمياً لتبرير تأملهم وويليام جيمس كان لديه ذلك الدليل بقوله، نعم مرونة الجملة العصبية شيء علمي.

هذا هو الجزء المضحك في الموضوع. كان كلاهما عالِمي نفس في مرحلة ما قبل العلم، أو لنقل في بداية المرحلة التي بدأ فيها العلم يبدي بعض الاهتمام بالطب النفسي؛ كان فرويد مخطئاً في كل شيء تقريباً، وكان جيمس محقاً في كل شيء تقريباً، لكن عندماً تسأل شخصاً عادياً في الشارع عن أشهر طبيب نفسي، بالتأكيد فيما مضى سيقولون فرويد، إلا أنني أعتقد أنه في العقدين الأخيرين بدأ ينال بعض ما يستحق.

 

أعتقد أن فرويد نال سمعة سيئة بسبب فرضياته أو نظرياته السخيفة…

نعم، هذا صحيح.

 

لكن كما تعلم عليك أن تعطيه الدرجة الأولى على الأقل لأنه جاء بنظريات غير تقليدية.

معك حق. نحن متفقان.

 

من العبارات التي تقتبسها من وليام جيمس “مقارنة مع ما ينبغي أن نكون عليه، نحن شبه مستيقظين” إذاً نكون مستيقظين كلياً عندما نفعّل التفكير المرن.

نعم وكذلك عندما ندرك منبع أفكارنا ومشاعرنا؛ يأتي كثير من وعينا من البنية التي لا ندركها، ومعظمه تفكير مكتوب، تحدث كل تلك الأمور التي توجه تفكيرك، وإن لم تكن واعياً لذلك لن تعلم أن ذلك هو الذي يقود تفكيرك.

 

إنه مذهل حقاً. وفي هذه الصفحة كذلك تتحدث عن الوعي التام. هناك الكثير من حالات التقاطع فيه.

نعم، هناك تقاطع كبير، ولهذا أتحدث عنه في أماكن عدة، وقد ذكرت في الكتاب بعض الاستبيانات، يسمونها في علم النفس عمليات حصر، تمكنك هذه الاستبيانات من تدقيق ومراجعة تفكيرك المرن بأبعاده المختلفة، ثم قدمتُ تمارين لتغيير ذلك إن كنت تريد التغيير، لأن أحد أهداف الكتاب مساعدة القارئ معرفة كيف يفكر وكيف يغيره إن أراد.

أتحدث كذلك عن الوعي التام لأنه أداة هامة لفهم طريقة تفكيرك وتغييره إن كنت تريد.

 

تقول في كتابك: “إن المنطق والتفكير التحليلي هو إله ذو مستوى منخفض”، أحببت الطريقة التي قدمته فيها، لو كنت تمشي في الشارع الآن والتقيت برجال وسيدات الأعمال، هل ستصنفهم أرباب من المستوى المنخفض؟

{ضاحكاً} في الواقع تقدس معظم الأعمال الأرباب من المستوى المنخفض، وبدرجة أقل في قطاع التقانة.

 

أتعتقد ذلك حقاً؟

في الواقع عملت لصالح شركة ناشئة لعامين، كانت تجربتي فيها ممتعة للغاية ولكن كانت مرهقة جداَ، كنا نعمل مئة ساعة أسبوعياً، نعمل كل يوم حتى في أعياد الميلاد ويوم الرابع من تموز (يوم الاستقلال)، والأروع من كل ذلك الجو المرن السائد، أنت الذي تضع القوانين، وكانت تلك الفكرة التي أميل لتبنيها؛ عندما أذهب إلى غوغل سبيس أرى أشياء مذهلة، فهناك أرائك يمكنك أن تستلقي عليها وتفكر، الكافتيريا كذلك مصممة بحيث تتفاعل مع الآخرين وتتبادل الأفكار معهم، برأيي هذه طرق ممتازة لتغذية التفكير المرن وتعزيزه، وربما أصبح هناك في العالم الواقعي شركات شريرة تتبع نمط التفكير من القمة نحو القاعدة، وأظن أن غوغل كانت تخبرنا أن نخصص 20% من وقتنا في يوم من أيام الأسبوع للإتيان بأفكار جديدة.

 

هذا ما يضعني في جو الكتاب، فأعتقد أنّ كلّ من يبدأ بفكر ماركسي، شيوعي، ثوري، خبير تكنولوجيا، رائد أعمال أو أياً كان يصبح في الواقع تحت رحمة طبيعة الشبكات ويصبح عادياً للغاية.

تكمن قوة المرونة في المجازفة والاعتراف بالخطأ عندما تكون مخطئاً فتقول “كنت دوماً أفكر بهذه الطريقة، لكن تباً لذلك، سأبدأ أفكر بطريقة مختلفة”، ثم يحدث أن تنجح في عملك، ويصبح لديك المال، مكاتب، منتجات، مساهمون وفجأة تتحول من متمرد إلى شخص لديه شيء يخاف عليه ويحميه؛ هل تأخذ شركة غوغل ومن فرط الحماس لديها كل أفكار موظفيها المجنونة؟ ربما لا، قد يأخذون بعضها كل سنة، لكنهم اليوم هم أصحاب المناصب الكبيرة الذين قد يخسرون كل شيء، لذا توقفوا عن التفكير بتلك الطريقة، أعتقد أن ذلك الاقتباس دقيق.

 

دعنا نختتم بسؤال عن الابداع لأنني أظنه في صلب موضوع كتابك؛ تتطرق في كتابك إلى فكرة أن الفن يوّلد أفكار مبدعة، وتلمح إلى فكرة أن المال مقابل الفن يشكل عائقاً أمام الفنان، هلا تتحدث عن ذلك

لقد كنت شيوعياً في شبابي، ولدي في منزلي لوحة طولها ستة أقدام لكارل ماركس، كبرت وتركت تلك الأفكار علماً أنني من لا أزال أعتقد أنه أتى بأفكار جيدة جداً، ما غفلهُ ماركس، هو أن الكثير من الناس ليسوا محفزين؛ تتمحور الرأسمالية كلها حول فكرة تحفيزك، وتتمادى في ذلك لأن فيها نظام لتحفيزك، في الوقت الذي يملك فيه 1% منهم 99% من الثروة.

 

كتاب التفكير المرن في عالم دائم التغير متوفر الآن على موقع Penguin للكتب.

كل الصور من تصوير Stefan Oboski

 

المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الإنسحاب من العلاقات العاطفية بصمت أصبح عادياً

بقلم : ليزا بونوس بتاريخ : ‏13‏/02‏/2020 لموقع : The Washington Post ترجمة : حسين …

لماذا يحب الناس المصابون بالاكتئاب الاستماع للموسيقى الحزينة؟

يشير بحث إلى ان الناس المصابون بالاكتئاب يجدون الموسيقى الحزينة مهدئة – او حتى مطمئنة. …