الرئيسية / إقتصاد / مقدمة كتاب: الرأسمالية الأمريكية، تاريخٌ مُختصر

مقدمة كتاب: الرأسمالية الأمريكية، تاريخٌ مُختصر

كتبه: ماير واينبرغ

ترجمة: رعد طالب

تدقيق ومراجعة: نعمان البياتي

تصميم الصورة: اسماء عبد محمد

 

كتب الإقتصادي الألماني فيرنر سومبارت في عام 1906: “أمريكا هي بمثابة أرض كنعان للرأسمالية، إنها الأرض الموعودة للرأسمالية”. أما المؤرخ الاقتصادي الأمريكي وليام ان باركر فيقول: “هنا في أمريكا، وجدت الرأسمالية الأمريكية التعبير الكامل وغير الخاضع للرقابة”.

كان للرأسماليين الامريكيين مُطلق الحرية في السيطرة على بلد غني بالموارد الطبيعية التي لا يُمكن تصورها، أما في المنافسات الشديدة التي تحدث مع العمال المنظَمين أو غير المنظمين، فإن الرأسماليين ينتصرون عادةً؛ لقد تمّ تحديد ممارسة العنف بالدولة فقط، وأصدرت الهيئات التشريعية والقضاة القوانين والإجراءات الإدارية ضد التحديات التي تواجهها الرأسمالية.

في هذا الكتاب ستجد ان الرأسمالية هي نظام اقتصادي يتميز بخصائص معينة قابلة للتطور وفق عناصر محددة، وهذه الخصائص الأساسية هي:

1- الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

2- وجود طبقة اجتماعية خاصة لأصحاب القطّاع الخاص وطبقة أخرى لأصحاب الأجور من العمال، ويتم تنظيم هذه الطبقات لتسهيل توسّع الأعمال وتراكم الأموال لدى أصحاب القطاع الخاص.

3- إنتاج السلع للبيع والتي تتكيف وفق العناصر التالية:

(أ) تقسيم معين للعمل.

(ب)الترتيبات المؤسسية لضمان عمل يُعتمد عليه بأجر معين.

(ج) درجة من الإنتاجية الاجتماعية كافية للسماح بالاستثمار المستمر.

(د) التنظيم التجاري للسوق -بما في ذلك البنوك- التي يكون نطاقها مناسباً لإنتاجية المجتمع.

(هـ) عملية سياسية يمكن من خلالها تحويل القوة الاقتصادية إلى سياسة حكومية.

(و) الهيكل القانوني الذي يحمي الملكية الخاصة.

(ز) تسامح معين -على الأقل- لطرق جديدة لكسب العيش.

 

بالمعنى أعلاه، فإن الاقتصاد الأمريكي أصبح رأسمالياً بحدود عام 1900، والمؤرخين يقسمون الفترة السابقة لهذا التاريخ إلى ثلاث مراحل: الأولى من عام 1600 إلى 1790 وتميزت بإنتاج الحرف اليدوية والذي يكون بحد الكفاف “وبه يحصل العامل بالحرف اليدوية على أجور بسيطة لقاء عمله”، بالإضافة لذلك كانت هناك عناصر اقتصاد شبه رأسمالي، وكان هذا ناتجاً عن الانتاج التجاري للتبغ؛ كان العمال بهذه الفترة ممن يعملون بالقطاع التجاري من المُستعبدين أو شبه المُستعبدين.

الفترة الثانية: والتي تمتد من 1790 إلى 1865، بهذه الفترة أصبحت العديد من الصناعات مُنظمة على أسس رأسمالية، وفقدت بعض قطاعات الزراعة طابعها المعيشي ثم أصبحت الزراعة تُنتج بأكملها لأجل السوق، الطبقة العاملة كانت من العناصر الحرّة وغير الحرة في هذه الفترة.

الفترة الثالثة: 1865-1920، في هذه الفترة حققت التنمية الاقتصادية قفزة غير عادية، حيث أصبحت الصناعة -وبشكلٍ متزايد الزراعة- خاضعة للقوى الرأسمالية.

 

كتب كارل ماركس، أول مؤرخي الرأسمالية، في المقام الأول عن الرأسمالية الإنجليزية كالنموذج الاول من نوعه، كتب ماركس ثلاث مجلدات لكنه لم يعطِ صورة واضحة عن تطوّر الرأسمالية الأمريكية، فهو لم يتعامل مع الرأسمالية الأمريكية، وفي الوقت الذي حدد فيه الرأسمالية بالعمل الحر، فإن العمل الحر وشبه الحر وفير الحر في الولايات المتحدة كان مهماً، أما الرأسمالية في إنجلترا فتطورت بسبب الإقطاع، بينما في أمريكا لم تتواجد سوى القليل من الإقطاعيات مقارنة بإنجلترا.

ففي إنجلترا أصبح الإنتاج الزراعي رأسمالياً مُبكراً، وتأخر ذلك في الولايات المتحدة بسبب الصناعة؛ الولايات المتحدة كانت أول اقتصاد رأسمالي حديث تطوّر من وضعه الاستعماري، معتمداً على قاعدة من العبيد والموارد الطبيعية الهائلة؛ فوق كل هذا، استخدم الرأسماليون الأمريكيون قدراً من العنف في الصراع الطبقي أكبر من مستعمريهم في أية دولة رأسمالية أخرى.

قبل إعلان الاستقلال بسنتين، تركزت الثروة والدخل بشكل متطرف، واستمر هذا النمط في كل بلدة ساحلية، عندما انتقلت المستوطنات غرباً، كررت المجتمعات الحدودية هذا النمط، سواء في بادوكا أو كنتاكي أو ميلووكي، أو ويسكونسن.

إن المهاجرين الأوربيين لأمريكا لم يكونوا أشباه عبيد، بل كانوا بمثابة الخدم، وكانوا أفضل حظاً في امتلاك الأراضي مما لو بقوا في إنجلترا أو أوروبا عموماً، في الوقت ذاته كان توزيع أراضي الآخرين سخاءً مشوهاً، وتمكن عدد صغير من الناس من خارج الدائرة الضيقة للملّاك من استلام أرض مجانية؛ ورغم النجاح المُفترض في توزيع الملكية فإن نصف الذكور البالغين لم يكونوا يمتلكون أراض زراعية، هذا كان الحال في الفترة ما بعد الحرب الأهلية 1850-1870، ثم ازدادت تلك النسبة في الجيل التالي بعد الحرب ثم الذي بعده.

بحلول نهاية القرن التاسع عشر كانت الأرض قد انحسرت باعتبارها الوسيلة الرئيسة للإنتاج، وحلت محلها الصناعات والسكك الحديدية إلى جانب الصناعة المالية الجديدة؛ حتى حوالي عام 1900 أو نحو ذلك، كان توزيع الثروة والدخل في الولايات المتحدة أقل تركيزاً منه في أوروبا، مما يعكس سهولة الوصول نسبياً إلى ملكية الأراضي هنا، ولكن هذا انتهى حوالي عام 1900، بعد ذلك، تجاوز تركيز الثروة في الولايات المتحدة البلدان في أوروبا أو ربما عادلها؛ بهذا الوقت، أصبحت الولايات المتحدة المكان الأكثر تفضيلاً لتجميع الثروة في جميع أنحاء العالم، وهي المكان الذي يفوق أي مكان آخر في الفرق بين الأثرياء والفقراء.

مع حلول القرن السابع عشر قام المفكران توماس هوبز وجون لوك بطرح الأفكار حول الفردية والملكية الخاصة، أي أن يمتلك الشخص حريته وأمواله الخاصة، قالا إن الشخص حرٌ بأمواله ولا يدين للمجتمع بشيء، سيكون الفرد حراً إذا كان مستقلاً عن رغبات الآخرين، كما أن الناس الذين يعتمدون على الاخرين (اقتصادياً) ليسوا أحراراً؛ واحتدم قتال بين الرجال من أجل الهيمنة، وكانت الأسواق هي ساحة المعركة.

كانت العلاقات الاجتماعية يُنظر إليها من قبل المُفكريَن على أنها علاقات سوقية “مرتبطة بالسوق” بين أنواع التجارات المختلفة، لذا، قالوا إن الصراع على الهيمنة هي الحالة الطبيعية للإنسان، ولحماية هذه الحالة الطبيعية من الصراع، تم إنشاء الحكومات ليضمن كل طرف الأمن لدخله المالي؛ كانت حماية رأس المال المتراكم للأفراد هي أهم وظيفة أساسية للحكومة، وهي وظيفة قيل إنها لا تتطلب قراراً مشتركاً بل تأتي من طبيعة الإنسان ذاتها، يطلق مكفرسون على هذا المفهوم “الفردانية التملكية”.

“أنا أملك، إذن أنا موجود”، هذا هو نموذج الفردانية التملكية، فما يمتلكه الرجل من مال ومُلكية هو ما يُحدد حريته، فالشخص لا يمكن أن يتصور وجوده بصرف النظر عن فكرة الحيازة والتملك أو السعي وراءها، فالملكية إذن هي جوهر الذات، فالشخص لا يكون نفسه إلا بما يمتلكه؛ كتب الأديب تونيس حول ذلك الأمر ببراعة: “يجب أن تتصرف إلى أقصى حد ممكن كتاجر مع الآخرين وكطبيب مع نفسك”.

خلال فترة الاستعمار البريطاني لأمريكا، حاولت “الفردانية التملكية” ان تتميز عن النموذج الإنجليزي، على سبيل المثال، تجارة التبغ في الجنوب الأمريكي كانت هي المهيمنة على الحياة الاقتصادية، وسادت فيها أشكال العمل غير الحرة، حيث امتدت الملكية ليست إلى قوة العمل ومنتجاته بل امتدت إلى العامل نفسه.

في القانون الإنجليزي، كان قانون الحروب هو المقبول عالمياً من قبل جميع البلدان المتحضرة، وهذا القانون هو الذي شكل الأساس القانوني للعبودية، وقد أوضح المجلس الملكي البريطاني ذلك في عام 1722 بالتالي:

“عندما يغزو ملك إنجلترا بلداً، ويفوز به، سيقوم بإنقاذ حياة من تم غزوهم، بالمقابل سيمتلك حقوق وممتلكات هؤلاء الذين تمّ غزوهم، ويتقبلون ما يُمليه عليهم من قوانين”.

التاريخ الأمريكي هو تاريخ تأليه الملكية الخاصة، لذا، لا ينبغي أن يكون مفاجئاً أن المِلكية امتدت إلى مِلكية البشر من خلال العبودية، ففي مجتمع قائم على حقوق المِلكية، واحدٌ يبيع عمله والآخر يشتريه، إذن، لماذا لا يتم السماح بالاستيلاء على العامل نفسه؟

 

رحب المجتمع الأمريكي بتطور العبودية وذلك لكثرة أرباح تجارة الرقيق وعوائد إنتاج التبغ المتزايدة؛ بالنسبة لإنجلترا وقوانينها، فقد كانت متوافقة مع عبودية الديون “الشخص الذي لا يُسدد ديونه يُعتبر عبداً لدائنه لحين السداد”، وكان ذلك في مناطق الفحم في أسكوتلندا، وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر سارع التاج البريطاني إلى احتكار العمالة المقيّدة من إفريقيا.

لقد سهلّت الفلسفة الفردية تبنّي العبودية، فالعقيدة المركزية للفردية هي مجال عمل الرجل، وهذا ما يبيعه، لذلك لم يكن الرجل يمتلك حقوقاً بل يمتلك عقد البيع والشراء لعمله فقط، ولا يوجد أي التزام أخلاقي أو اجتماعي؛ فهذا ما يخبرنا به جون لوك، أن الطبيعة الفطرية للإنسان هي تجميع الممتلكات ويجب أن نتناغم مع الطبيعة الفطرية.

إن مؤسسة الأعمال الحديثة هي ابتكار أصيل للخيال الأمريكي؛ تم تصميمها لأول مرة لتوسيع الأسواق المحلية، ثم أصبحت وسيلة لا غنى عنها لإنشاء سوق وطنية، وكان كل من التصنيع والرأسمالية الأمريكية يعتمدان بشكل أساسي على الشكل المؤسسي للتنظيم، إن تنظيم الشركات كانت استجابة للتحديات الاقتصادية الملموسة، لكن، كان على الشركة أولاً أن تصبح أداة قانونية قبل أن تكون أي شيء آخر؛ وفي حين أن القانون تعامل بشكل وافٍ مع الشؤون الداخلية للشركات، لم يكن هناك أي منطق داخلي يفرض مزيداً من التطوير لشكل الشركات، فقانون الشركات، في النهاية، ليس فرعاً من الرياضيات العليا التي تتطلب تقاطعاتها سلسلة من العمليات الأولية.

في أمريكا الاستعمارية، كانت شركات الأعمال غير معروفة تقريبًا، فخلال جميع السنوات التي سبقت عام 1789، تم تأسيس ثلاثين شركة فقط وفشلت جميعها تقريباً، ومع بداية القرن التاسع عشر، بدأ التاريخ الحقيقي للشركات التجارية الحديثة، خلال نصف القرن التالي، حوّلت الدول الصناعية في العالم أمريكا إلى مستودع كبير من القطن والصوف واللحوم والحبوب بل والخشب والفحم أيضاً، ويحتاج إنتاج هذه المواد الخام ونقلها إلى السوق، إجراء تحسينات النقل الضرورية، لكن النقل كان شيئاً مكلفاً، فسواء أكانت الحاجة إلى استثمارات في السكك الحديد أو المرافئ أو البواخر أو القنوات المائية، لذا كان من الضروري اللجوء إلى جمع الاستثمارات المالية الرأسمالية الشاملة.

وجد المستثمرون الأجانب أنه من المناسب شراء أسهم في شركات النقل الأمريكية، ومن خلال القيام بذلك، ساهم المستثمرون في توفير الطعام والملابس لسكان المدن الصناعية ووضعوا في الوقت نفسه الأساس لشركات الأعمال الحديثة في أمريكا، وحققوا ربحاً جيداً؛ أثبتت الشركات انها شبكات ممتازة لالتقاط الأموال من صناديق الاستثمار المحلية المتناثرة.

لكن، ماهي الشركات أصلًا؟ في روما القديمة كانت تُسمى كوليجيا أو كوربورا، تقوم بالواجبات العامة (عبارة عن شركات صغيرة يمسكها متعهدون لأعمال مثل تنظيف المدينة او نقل الاحجار للأعمال العامة، المترجم)، ثم أصبحت فيما بعد جزءً من الإدارة البلدية، لذا، لا يمكن اعتبارها مجموعات تطوعية خاصة برجال الأعمال لذلك الوقت، فالشركات وفقاً للقانون الروماني لها شخصية مميزة بغض النظر عن مالكيها أو أعضائها وأنها ستظل موجودة بعد وفاتهم، كما إن رئيس الشركة يعد ممثلاً عن الشركة وأفرادها.

في القرن السابع عشر في إنجلترا، تم إنشاء العديد من الشركات من قبل التاج البريطاني كاحتكارات لخطوط عمل محددة، وكان من المنطقي أن هذه الشركات كانت تقوم بعمل من أجل الصالح العام وبالتالي فهي تستحق امتياز الحكومة؛ لورد كوك، في القرن السابع عشر، قدم تعريفًا أصبح من الكلاسيكيًات الاقتصادية: “الشركة كيان غير مرئي وخالد وتستند إلى القانون وتخضع له، ولا يمكن ان ترتكب الشركة الخيانة، ولا يُمكن أن تُحظر نهائياً، ولا أن تُحرّم، لأنها لا تملك روحاً، ولا يمكن للشركة أن تظهر شخصياً، بل يتم تمثيلها بواسطة محامٍ، ولا يمكن للشركة أن تخضع لهيئة مخفيّة أو جماعة سريّة، ولا أن تخضع للقسَم الشخصي، ولا يمكنها أن ترتكب الحماقات أو تموت أو تخضع لحالات أخرى مشابهة”.

كان تعريف كوك مشابهاً للتعريف الروماني إلى حد كبير، وبعد قرن من الزمان، بالكاد ناقش آدم سميث أوضاع الشركات، وقد ذكرها عدة مرات في كتاباته شاجباً إياها على التآمر لرفعها الأسعار أكثر من حدها الطبيعي.

عندما تعهد الأمريكيون في بداية القرن التاسع عشر بتطوير نموذج الشركات، وجدوا هيئات رفيعة بالمثل من الممارسات التجارية والعقيدة القضائية، وكان عليهم أن يصوغوا العقيدة من بوتقة الممارسة؛ حارَ الفقهاء القانونيون والمفكرون غير القانونيين في تعريف الشركة، وصياغتها صياغة دقيقة، لورد كوك، على سبيل المثال، أكّد أنها مخلوق قانوني، لكنه تساءل هل لديها كل الحقوق القانونية للمخلوقات الطبيعية؟!

في عام 1809 حكمت المحكمة العليا في القضية الشهيرة بين بنك الولايات المتحدة ضد شركة ديفو، قررت المحكمة الفيدرالية برئاسة القاضي جون مارشال التالي:

“الشركة، هذا الكائن غير المرئي وغير الملموس والمصطنع، مجرد كيان قانوني، أو شركة، وليس مواطناً، الأشخاص الحقيقيون فقط هم المواطنين، وبالتالي يُمكن لحكومة ولاية جورجيا -التي رفعت دعوى ضد فرع الشركة فيها- أن تُقاضي مالكي الشركة، ولا تمتد المقاضاة إلى الشركة نفسها؛ كانت قضية شركة ديفو تمثل حلاً وسطاً بين القوانين التقليدية والتغييرات المضطردة للحركة التجارية.

 

بحلول عام 1850، كانت أمريكا مجتمعاً تجارياً، وأصبح من الطبيعي أن يتصور الرجال أنفسهم منتجين وبائعين لغاياتهم الشخصية، كان حوالي ثلث إجمالي القوى العاملة يعمل مقابل أجر أو رواتب، وبالتالي كانوا بائعين لقوة العمل لديهم، في مجال الزراعة، كانت الأسواق العالمية تأخذ أجزاء كبيرة من إنتاج القطن والمواد الخام الأخرى في البلاد، كان إنتاج المصانع في صناعة النسيج يتطور، وكذلك كان هناك التقدم الكبير في النقل والذي قاد أمريكا نحو الهيمنة الاقتصادية؛ بحلول منتصف القرن التاسع عشر كان نصيب الفرد من الإنتاج الأمريكي يلي إنتاج إنجلترا، لكنه تجاوز إنتاج فرنسا.

لم تكن أي مؤسسة أكثر أهمية في هذا النمو من مؤسسة الأعمال والشركات المالية، كانت شركات الأعمال المالية الحديثة ثاني أكبر مساهمة للبلاد في الاقتصاد العالمي؛ كانت كيفية خوض حرب بأموال ورقية هي الأولى حسب قواعد الشركات المالية.

مع النمو التجاري والصناعي على قدم وساق، تحول الفكر القانوني إلى التعامل مع مشاكل تجارية عملية، لقد أجبر توسع الشركات المحاكم على مراجعة العقائد القديمة ومواجهة المشاكل الجديدة، وفي عام 1844، أعلنت المحكمة العليا في الولايات المتحدة أن الشركة ستُعامل كمواطن، فالمحاكم الفيدرالية لم تكن راضية بحكم شركة ديفو الفيدرالي القديم.

كتب الاقتصادي جون كومنز: “القوة الاقتصادية ببساطة هي القوة التي تُمارس لحجب الآخرين عمّا يحتاجون إليه، فالقوة الاقتصادية هي العنصر الرئيس للنظام الرأسمالي”.

خلال تاريخ أمريكا قبل وصول الأوروبيين، لم تكن القوة الاقتصادية موجودة لأن الحياة في ذلك الوقت كانت تتسم بتكافؤ في الظروف، حتى الزعماء الأمريكيين الأصليين الذين ترأسوا فوائض المحاصيل كانوا مضطرين حسب العرف للمشاركة مع المحتاجين أوقات الأزمات؛ القوة الاقتصادية تعني اختيار عدم المشاركة نظراً لأن الأقوياء اقتصادياً في المجتمع هم أقلية تقريباً بحكم التعريف.

إن الاهتمام الذاتي يتطلب أن تكون مزاياهم واعمالهم آمنة من الهجوم، وهكذا تم ضم السلطة والحكم السياسي إلى صف الأقوياء اقتصادياً؛ كتب لورانس فريدمان: “خطط الحكومة هي خطط لتوزيع قوة وثروة المجتمع”. الأقوياء ليسوا في العادة مستعدين للتخلي عن السلطة، على الأقل خلال عملية وضع الدستور، بدلاً من ذلك، فإن أوقات كتابة أو تعديل الدستور تمثل الوقت المناسب لتعزيز وهيكلة أعمالهم وميزاتهم.

إذن، القوة الاقتصادية ترسّخ نفسها أولاً بالممارسة العملية، ثم تالياً عبر القانون، وهذا هو السبب الذي يجعل تقديمها بسهولة على أنها “عملية “وبراغماتية”، على سبيل المثل، فإن العبودية كانت تمارس على نطاق واسع في الزراعة ولم تُدمج قانونياً إلا في أوقات لاحقة.

لاحظ ثورستين فيبلن في عام 1919 ما يلي: “ينقسم السكان الآن إلى فئتين رئيسيتين: أولئك الذين يمتلكون ثروات واستثمروا في ممتلكات كبيرة ومن ثم يسيطرون على ظروف الحياة لباقي المواطنين، والفئة الاخرى أولئك الذين لا يمتلكون ثروات أو ممتلكات كبيرة بما فيه الكفاية، والذين تتحكم الظروف بحياتهم”.

تم تعزيز الثروة والسلطة خلال الثورة وصياغة الدستور (1775-1783 و1787-1788)، فبعد ثلاثة عقود من الاستقلال، كان قلق المحافظين، من أن هيئات صنع القانون المنتخبة شعبياً قد تُصادر الثروات المتراكمة، لا أساس له، وفي هذا الشأن، كتب توماس جيفرسون إلى جون آدامز عام 1813: “من أصل 20 هيئة تشريعية 15عائدة لنا وتعمل منذ 30 عاماً، أثبتت أنه لا ينبغي تواجد أية مخاوف من تبديد ثروات أصحاب الأموال”.

إحدى الصعوبات التي يواجهها الأمريكيون في فهم صعود الرأسمالية في الولايات المتحدة، هي حقيقة أن الرأسمالية عبارة عن نظام متكامل؛ كتب آدم سميث ذات مرة: “إن النظام آلة خيالية، ابتكرها البشر للتواصل والتفاهم فيما بينهم، مبنية على الأفعال والحركات والآثار التي تم تنفيذها على أرض الواقع”، إذن ما دام هذا النظام كله يعمل، وقادر على حل النزاعات فهو جيد، والعكس صحيح.

 

المصدر: هنا

 

 

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الاقتصاد الأوروبي ينمو بينما الانبعاثات تنخفض

ترجمة : سهاد حسن عبد الجليل تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: أسماء عبد محمد إن …

الجريمة والاقتصاد في حقبة مارغريت تاتشر  

نشر في: موقع “ذي أوبزيرفر” بتاريخ: 27 أبريل 2019 الكاتب: جيمي دوارد ترجمة: مازن سفّان …