الرئيسية / علم نفس / هل تجعلك القراءة أكثر سعادة؟

هل تجعلك القراءة أكثر سعادة؟

بقلم: سيريدون دوفي
لموقع: The New Yorker
بتاريخ: 9/6/2015
ترجمة: رشا غزوان سالم
تدقيق: محمد علي العوادي
تصميم الصورة: مثنى حسين
قبل عدة سنوات، كنت قد تلقيت عرضاً لحضور جلسة مع مختص في المعالجة بالقراءة “bibliotherapist” في المقر الرئيسي لمؤسسة (مدرسة الحياة) في لندن، التي تقدم دورات مُبتكرة من أجل مساعدة الناس على التعامل مع التحديات العاطفية التي يواجهونها بشكل يومي. ولأكون صادقة، ما كان لي بادئ الأمر أن أتقبل الحال الذي أرغَمُ فيه على قراءة نص “علاجي”. فلقد رغبت في العادة أن أقتبس من فرجينيا وولف نزعتها التي تتوق إلى التفاؤل والعفوية في انتقاء النصوص التي أكتشف بها ذاتي. إذ لا تقتصر سعادتي على الكتب وحدها بل على حلاوة الموقف الذي أراني أطالع واحداً منها بغير علم مسبق (في الحافلة بعد انفصال عن حبيب، أو في نزل للرحالة في دمشق، أو عند الرفوف المظلمة لمكتبة الدراسات العليا، عندما أطالع بشكل عرضي بدلاً من الدراسة). فأنا لطالما كنت أعاين فظاظة بعض القراء في النصح بقولهم: عليكِ قراءة هذا، وهم يقحمون كتاباً في يديك مع بريق من البهجة يلمع في أعينهم، متجاهلين حقيقة ان الكتب تعني شيئاً مختلفاً عند كل شخص، أو حتى عند الشخص ذاته في مراحل النضوج المختلفة من حياته. أنا مثلاً أحببت قصص الكاتب جون أبديك عن شجر القيقب في عقدي الثالث، وكرهتها في عقدي الرابع، دون علم للسبب الأساس لذلك. رغم ذلك كانت الجلسة هبة من السماء، فوجدت نفسي بشكل مفاجئ أستمتع بالاستبيان الأولي عن عاداتي في القراءة الذي أرسلته إليَّ المعالِجة بالقراءة الأستاذة ايلا بيرثود. لم يسألني أحد قط هذه الأسئلة من قبل، رغم أنه لطالما كانت قراءتي للقصص المستمدة من الخيال ضرورية في حياتي. أحب اقتناص الكتب خلال فترات الاستراحة الطويلة – أخبرت بيرثود بأنني عند حزم حقيبتي يفوق عدد الكتب حتى عدد ملابسي. حتى انني اعترفت بسري الدفين الصغير، وهو انني لا أحبذ شراء الكتب وامتلاكها، وأفضل دائماً اقتراضها من المكتبة، وهو ما قد لا يعود عليَّ ككاتبة بالعاقبة الحسنة عندما يتعلق الأمر بمبيعات كتبي الخاصة.
وكجواب عن سؤال “ما الذي يشغل تفكيرك الآن؟” تفاجأت بما أنوي الاعتراف به: أخشى أن ينقطع المدد الروحي عن كشف ما يغشاني من الحزن الذي لا مفر منه عند خسران حبيب ما في المستقبل.
لست متدينة، ولا أنوي أن أكون كذلك، لكني أود أن أقرأ المزيد عن آثار سائر الأقوام للتوصل إلى شكل غريب وبسيط من أشكال الإيمان (بكينونة أسمى) كوسيلة للاستقرار العاطفي. مجرد اجابتي على السؤال جعلتني أشعر بالتحسن، والخِفّة.
جرى بيني وبين بيرثود نقاش مثمر عن طريق البريد الإلكتروني، وقامت بالتعمق أكثر في حياتي وسؤالي عن تاريخي العائلي وخوفي من الخسارة، وعندما أرسلت لي القائمة النهائية بالكتب التي عليَّ قراءتها كانت مليئة بجواهر لم يسبق لي قراءتها من قبل. من ضمنها كانت قصة (الدليل)، للكاتب أر.كي.ناريان. أخبرتني بيرثود انها ((قصة جميلة تدور حول رجل يبدأ حياته العملية كمرشد سياحي في محطة قطار في مدينة مالغادي الهندية، لكنه يمتهن العديد من المهن الأخرى قبل أن يعثر على قدره غير المتوقع كمرشد روحي.)) اختارته لي لأنها تمنت أن يتركني وأنا أشعر ((متنورة بشكل غريب)). وكتاب آخر بعنوان (الانجيل ليسوع) للكاتب خوسيه ساراماغو: ((لا يُظهر ساراماغو موقفه الروحي الشخصي هنا لكنه يرسم نسخة جذابة ونابضة بالحياة للقصة التي نعرفها جيداً.))
ومن الكتب التي كانت على القائمة، (هندرسون ملك المطر)، للكاتب ساول بيلو، و(سيدهارثا)، للكاتب هيرمان هيس، والتي كانت تنتمي الى الاسلوب الغير واقعي، وأضافت الواقعية أيضاً، مثل (القضية لله) للكاتبة كارن أرمسترونغ، و(الملَخص)، لعالم الأعصاب والكاتب ديفد ايغلمان، وهو ((كتاب قصير ورائع يتحدث عن احتمالات الحياة بعد الموت.))
أخذت أشق طريقي خلال قائمة الكتب على مدى بضع سنوات تلت على وتيرة خاصة، كنت أحفل خلالها بـ(اكتشافاتي) الخاصة، ورغم انه لحسن الحظ لم أختبر قدرتي على تحمل حُزن المرور بخسارة كبيرة، إلا ان بعض الأفكار التي استقيتها من هذه الكتب تعينني في أمر مختلف كلياً، إذ ساعدتني على تحمل آلام جسدية حادة على مدى عدة أشهر. الأفكار بحد ذاتها لازالت غامضة، كما هو حال التعلم بالقصص الخيالية غالباً؛ ولكن هنا تكمن قوتها. أعتقد أن قراءة القصص الخيالية في عصر العولمة باتت منفذاً قائماً مع نزر من الوسائط التي تأخذنا إلى عالم التمكن المطلق، تلك الحالة التي ترفع الكثير من الحجب بين الإنسان والكون. فعند قراءتي قصص الخيال، أتحرر من جميع قوالب الذات وأنظر في الوقت نفسه إلى أديم التفرد وهو يستعمر كياني. وكما ذكرت وولف، أكثر القُراء حماسة، أن الكتاب ((يقسمنا الى جزئين خلال قراءتنا له))، ذلك لأن ((فعل القراءة يقوم على التجرد الكلي عن الأنا)) وبنفس الوقت إعطاء الوعد ((لاتحاد دائم)) مع عقلية أُخرى.
العلاج بالقراءة “Bibliotherapy” هو مصطلح واسع لممارسة قديمة، تُشجع على القراءة كوسيلة للعلاج. يعود أول استخدام للمصطلح على الأغلب الى مقالة صدرت عام 1916 في مجلة (ذا أتلانتك الشهرية) الموسومة بعنوان (عيادة أدبية). فيها يشرح الكاتب كيفية عثوره على ((مؤسسة للعلاج بالقراءة)) التي يديرها أحد معارفه السيد باكستر في قبو كنيسته، حيث يصف توصيات لقراءة كتب تحتوي قيم علاجية. ((العلاج بواسطة القراءة هو علم جديد)) كما يُفسر باكستر. ((قد يكون الكتاب مُحفز أو مُهدئ أو ذو تأثير مُهيّج أو مُخدر. إذ لابد أن يؤثر فيك، ولابد أن تعرف ما هو ذلك التأثير. قد يعطي الكتاب مفعول شراب مُهدئ أو مفعول كمادات حبوب الخردل)) قام باكستر، باعطاء الوصفة التالية لرجل في منتصف العمر، ((لديه بعض الآراء المتزمتة)): ((عليك قراءة المزيد من الروايات. لا القصص المسلية التي تجعلك تنسى من تكون. ينبغي أن تكون رواية عميقة وخطرة ولاذعة وقاسية)) واضعاً مؤلفات جورج برنارد شو على رأس القائمة. في النهاية يُستدعى باكستر للتعامل مع مريض ((أفرط في قراءة أدب الحرب)) مذكراً الكاتب أن يأخذ على عاتقه تصنيف كتب “توقد فينا تجارب جديدة، لتتئد عندئذ إرادة الحياة وتصمد”.
اليوم تأخذ تقنية العلاج بالقراءة صوراً متنوعة، من دورات أدبية من أجل نزلاء السجون الى دوائر القراءة لكبار السن الذين يعانون الخرف. وقد تكون ببساطة مقابلة فردية أو جلسات جماعية لقراء ((خاملين)) يبحثون عن طريق العودة للاستمتاع بالكتب مجدداً. بيرثود مع صديقتها وزميلتها في المهنة منذ زمن سوزان ايلدركين يمارسان تقنية المعالجة بالقراءة (الفعالة)، بتفعيل الطاقة الشفائية للقصص غير الواقعية. التقتا عندما كانتا طالبتين في جامعة كامبريدج، قبل عشرين سنة، وقد ألِفتا بعضيهما سريعاً بفضل تداولهما محتويات مكتبتهما الصغيرة، وبالتحديد رواية الكاتب ايتالو كالفينو الموسومة “لو أن مسافراً في ليلة شتاء” والتي بحد ذاتها تتناول موضوع القراءة. مع تطور صداقتهما، كانتا تستطبّان بالروايات للتعافي من النكسات التي تطالهما نتيجة انعدام الحيلة وانكسار القلب مثلاً أو الحيرة في اختيار مهنة المستقبل. أخبرتني بيرثود انه ((عندما واجهت سوز مشكلة بخصوص عملها – أرادت أن تصبح كاتبة، إلا أنها كانت في حيرة هل تستطيع مواجهة الرفض الذي لا سبيل بدونه؟ نصحتها بقراءة قصائد (أرتشي ومهيدابيل) للكاتب دون ماركيز)) وأضافت، ((إذا كان أرتشي الصرصار شديد الحرص على فنه لدرجة أنه كان يثب على مفاتيح الآلة الكاتبة كل ليلة من أجل كتابة أبيات قصائده ذات النظم المرسل في مكاتب جريدة (ايفنيننغ سون) في مدينة نيويورك، إذا فبالتأكيد سيكون عليها أن تستعد لتعاني في سبيل فنها أيضاً.)) بعد مرور سنوات، أعطت ايلدركينُ كتاباً لبيرثودَ، التي كانت تسعى للموازنة بين الرسم والأمومة، وكان ذلك السفرُ روايةً للكاتب باتريك غيل الموسومة (ملاحظات من صالة عرض) التي تحكي عن فنانة ناجحة مُنيت بالكثير من المشاكل.
استمرا بتوصية روايات لبعضهما البعض، و للأصدقاء و أفراد العائلة لسنوات عدة، وفي عام 2007 عندما فكر زميلهما في الدراسة من جامعة كامبريدج، الفيلسوف ألان دي بوتون، في إنشاء (مدرسة الحياة)، طرحوا عليه موضوع استعدادهم لإدارة تلك العيادة. ((لم يسبق لأحد أن قام بهذا في ذلك الوقت،)) تقول بيرثود. “حتى إذا كان العلاج بالقراءة موجوداً في ذلك الوقت، فقد كان ضمن جملة من وصايا طبيّة يُشار في سياقها إلى كتب الارتقاء بالذات. بيد أن اهتمامنا كان موجهاً للاستشفاء بالخيال خاصةً، كونه يهب القارئ تجربة العيش في عالم آخر.”
قامت بيرثود و ايلدركين بتتبع أثر الاستشفاء بالقراءة منذ حضارة الإغريق القديمة، ((حيث قاموا بنقش عبارة (مكان لشفاء الروح) على مدخل المكتبة في مدينة طيبة مصرية.)) وبدأت ممارسة هذا الاسلوب فعلاً في نهاية القرن التاسع عشر، عندما بدأ فرويد باستخدام الأدب خلال جلسات التحليل النفسي. عندما رجع الجنود الذين كانوا في مقدمة الجبهات إلى أوطانهم بعدما عانوا صدمات نفسية حادة بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، كان كثيراً ما يوصَف لهم دروس مطالعة. تقول ايلدركين ((في الولايات المتحدة وُجّه أمناء المكتبات إلى معرفة ماهيَة الكتب التي ينبغي وصفها للذين قاتلوا في الحرب العالمية الأولى، وفي الوقت ذاته هناك قصة طريفة عن استخدام روايات الكاتبة جين أوستن لأغراض المعالجة بالقراءة في المملكة المتحدة.)) لاحقاً في القرن ذاته اُستخدمت التقنية في مختلف المستشفيات والمكتبات، واستخدمها مؤخراً علماء النفس والعاملين في المجلات الاجتماعية ورعاية المسنين والأطباء كطريقة علاج قابلة للتطبيق.
ثمة فريق من المعالجين بالقراءة قد انتقاهم ودرّبهم كل من بيرثود وايلدركين، وعملوا لصالح (مدرسة الحياة)، يعملون حول العالم، من نيوورك إلى ميلبورن. إنّ أكثر الأمراض شيوعاً هي تلك التي تتعلق بالتحولات التي يمر بها الناس خلال دورة الحياة، تقول بيرثود: أن تكون، على سبيل المثال، عالقاً في دائرة مفرغة في حياتك المهنية، لديك شعور بالاكتئاب داخل علاقتك العاطفية، أو معاناة من فجيعة. يرى المعالجون بالقراءة الكثير من المتقاعدين الذين يظنون أنهم ضيعوا فرص المطالعة لمدة تناهز العشرين عاماً إذ لم يسبق لهم إلا قراءة روايات الجريمة، ويبحثون عن شيء جديد من أجل الاستمرار. والكثير يطلبون المساعدة في التكيف ليصبحوا أماً أو أباً. ((كان لدي زبون في نيويورك، كان يتوقع وصول مولوده الأول، وكان قلقاً كونه سيصبح مسؤولاً عن كائن صغير)) تقول بيرثود. ((نصحته بقراءة رواية (درجة حرارة الغرفة)، للكاتب نيكولسون بيكر، والتي تتحدث عن والد يسقي طفله زجاجة حليب ويتأمل في الأبوة. وبالطبع نصحته بقراءة (أن تقتل طائراً بريئاً)، لأن الكاتب أتكوس فينتش يُعتبر الأب المثالي في الأدب.))
ألفت بيرثود وايلدركين أيضاً كتاب “العلاج بالرواية: العلاجات الأدبية من الألف الى الياء” والذي صُمم ليشابه القاموس من حيث عرض المرض أو المُشكلة (مثل: الفشل، ضمن فقرة الاحساس ب). يقابلها نصائح عما يجب قراءته للعلاج (مثل: تاريخ السيد بولي)، للكاتب ايج. جي. ويلز). نُشر الكتاب أولاً في المملكة المتحدة في عام 2013، والآن نشر في ثمانية عشر بلداً مع إضافة مثيرة للاهتمام، حيث تضمَّن العقد السماح للناشر المحلي والمُختص بالقراءة بتعديل خمس وعشرين بالمائة من العلل وتوصيات القراءة لتلائم جمهور القراء المحليين ولإدخال أكبر قدر من الكتاب المميزين ضمن دائرة العلاج. وكانت العلل كاشفة عن ثقافات تلك البلدان. ففي الطبعة الهولندية كانت إحدى الأمراض المتبناة (الإيمان بآراء مبالغ فيها تخص أبنائك) وفي النسخة الهندية كانت الاضافات (التبول في الأماكن العامة) و(رياضة الكريكيت، ضمن فقرة الهوس بـ)، أما الايطاليون فكانت (الضعف الجنسي) و(الخوف من الطرق السريعة) و(الرغبة في التحنيط)، وتضمّنت النسخة الألمانية، (كراهية العالم) و(كره الحفلات). وتعمل الآن كل من بيرثود وايلكدركين على نسخة منه خاصة بأدب الأطفال بعنوان (ملعقة من القصص) الذي من المُقرر نشره في 2016.
بالنسبة للقراء النهمين، الذين اعتادوا التأمل مع الكتب الرائعة طوال حياتهم، فإن قراءة الكتب أمر جيد لصحتك العقلية وعلاقاتك مع الآخرين، لكن سبب تجلَي هذا التأثير وكيفيته الآن بالتحديد، يعود إلى دراسة جديدة عن تأثير القراءة على الدماغ. منذ اكتشاف (الخلايا العصبية المرآتية) في منتصف التسعينيات – وهي أعصاب تضيء سواءً كنا نقوم بأمر ما أو نشاهد ذات الفعل يؤديه شخص آخر – أصبحت ماهية العاطفة في علم الأعصاب أكثر وضوحاً. نُشرت دراسة في (المراجعة السنوية لعلم النفس Annual Review of Psychology) (3) عام 2011، مبنية على صور أجريت بالرنين المغناطيسي الوظيفي لأدمغة مجموعة من المشاركين، أظهرت المُحاكاة انه عند قراءة الناس عن تجربة ما، فان هناك حافز يحدث في المناطق العصبية مطابق للتحفيز الذي قد ينشأ عند مرورهم بنفس التجربة بأنفسهم. نحن نحدث ذات التأثير على شبكة الدماغ عندما نقرأ القصص وعندما نحاول تخمين ما يشعر به شخص آخر.
هناك دراسات أخرى أُجريت في عامي 2006 و 2009 كانت قد أظهرت نتائج مشابهة؛ فالناس الذين يقرؤون الكثير من القصص غير الواقعية يميلون إلى كونهم أكثر تعاطفاً مع الآخرين (حتى بعد أن أخذ الباحثون في الحسبان احتمالية ميل الناس الأكثر تعاطفاً إلى قراءة الروايات). وفي عام 2013، نُشرت دراسة مؤثرة في مجلة “Science” وجدت أن قراءة الأدب الخيالي (عوضاً عن قراءة الخيال الشعبي (4) أو الأدب الواقعي) تُحسن من أداء المشاركين في اختبارات التصور الاجتماعي ودرجة التعاطف لديهم، وهما عاملان مهمان لـ(نظرية العقل) وهي القدرة على التخمين بدقة لما قد يُفكِر به إنسان آخر. يبدأ البشر بتطوير هذه القدرة عند وصولهم سن الرابعة.
كيث أوتلي هو روائي وبروفيسور فخري في علم النفس المعرفي في جامعة تورينتو، أدار على مدى سنوات مجموعة بحثية تناقش علم نفس الخيال. يكتب في كتابه الصادر عام 2011، الموسوم (أشياء كالأحلام: علم نفس الروايات غير الواقعية)،((استطعنا أن نُظهر كيف تحدث عملية التعرف على شخصيات الروايات غير الواقعية، كيف يمكن أن يُحسن القدرات الاجتماعية، ويؤثر بنا عاطفياً، ويدفعنا الى تغيير الذات،)). و يذكر أيضاً، ((الرواية غير الواقعية هي نوع من المحاكاة، وهي مُحاكاة لا تجري على الحاسوب بل تعتمد على عقولنا: محاكاة الذوات عند تفاعلها مع الآخرين في العالم الاجتماعي… مقرها الخبرة، ويتضمن القدرة على التفكير في عدة خيارات بالمُستقبل)). تُعد هذه الفكرة امتداداً لاعتقاد راسخ بين الكُتاب والقُراء على حدِ سواء وهو أن الكتاب أفضل الأصدقاء؛ فهي تُعطينا فرصة التمرن على كيفية التفاعل مع الآخرين في الواقع، دون أن نرتكب أي ضرر دائم. عبّرَ عنها بأجمل صورة مارسيل بروست في مقالة قام بنشرها عام 1905 (في القراءة): ((مع الكتب ليس هناك اختلاط اجتماعي قسري. فاذا قضينا المساء مع أولئك الأصدقاء (الكتب) فذلك بسبب رغبتنا الصادقة بذلك. وعند تركنا إياهم نكون نادمين، وعند مغادرتنا القراءة، لن تتملكنا تلك الأفكار التي تُفسد الصداقة: (ماذا اعتقدوا بنا يا ترى؟) أو (هل ارتكبنا أي خطأ وقلنا أمراً غير لبق) أو (هل اعجبوا بنا؟) ولا يساورنا القلق خشية أن تنسانا لأنها راقت إنساناً آخر)).
اُشيع عن جورج ايليوت(5) أنها قد تجاوزت حزنها الشديد بسبب خسارة شريك حياتها من خلال مشاركتها مع شاب آخر في برنامج للقراءة الموجهة والذي انتهى بارتباطهما، وكانت تؤمن بأن ((الفن هو أقرب شيء للحياة. هو أسلوب عيش التجربة بتفاصيلها وتوطيد الصلة بالإنسان بصرف النظر عن حدوده الشخصية)). لكن ثمة من لا يتفق مع هذا التوصيف للأدب غير الواقعي وبقدرته على جعلنا نتصرف بشكل أفضل في الحياة الواقعية. ففي كتاب نُشر عام 2007 والموسوم (التعاطف والرواية)، للكاتبة سوزان كين، تناولت فيه قضية ((فرضية التعاطف الايثاري))، وتشكك فيما إذا كان قراءة القصص غير واقعية يكون روابط تعاطف حقيقية، والتي قد تترجم الى عمل ايثاري وسلوك اجتماعي ايجابي في هذا العالم. وتشير أيضاً إلى مدى صعوبة إثبات هذه الفرضية. إذ تكتب ((لا يُمكن للكتب وحدها أن تُحدث تغييراً؛ ولا يشعر الجميع أن عليها فعل ذلك)). ((كل مثقف يعلم بأن القٌراء قد يبدون غير اجتماعيين وخاملين. فقراءة الروايات ليست بالتحديد من الرياضات الجماعية.)) فهي تُجادل بأننا بدلاً من ذلك، علينا الاستمتاع بما يُشعرنا به الأدب غير الواقعي، وهو التحرر من الشعور الناشئ عن الالتزام الأخلاقي تجاه شخصيات مُخترعة؛ على عكس ما قد نشعر به تجاه بشر حقيقيين وهم يتألمون ويعانون، والذي يعني بشكل متناقض أن القُراء قد ((يتعاطفون بشكل أكبر مع مواقف وشخصيات غير واقعية بسبب شعورهم بالأمان في المحيط الخيالي.)) وهي بإخلاص تدعم المنافع الصحية في التجارب التي نخلص لها كلياً كالقراءة التي ((تفسح لنا مجالاً جديداً يفصلنا عن الضغوطات اليومية المعتادة)).
إذن حتى لو لم نتفق مع فكرة أن قراءة الروايات غير واقعية تجعلنا نعامل الناس بشكل أفضل، فهي الطريقة لنعامل أنفسنا بشكل أمثل. أظهرت الدراسات أن القراءة تنقل أدمغتنا إلى حالة من المتعة، تشبه التأمل، وتجلب المنافع الصحية ذاتها المُرافقة للاسترخاء العميق والسلام الداخلي. القُراء المنتظمون ينامون بشكل أفضل، ويمتلكون مستوى توتر مُنخفض و ثقة أعلى في النفس وكذلك انخفاض في مُعدل اصابتهم بالاكتئاب من نظرائهم غير القُراء. تقول المؤلفة جانيت وينترسون، ((القصص غير الواقعية والشعر هي جرعات علاج، تعالج التمزق الذي يصيب المخيلة بسبب الواقع)).
تصف لي أحد زبائن بيرثود، كيف ساعدتها الجلسات الجماعية والفردية مع بيرثود في تقبل أيام الضيق التي مُنيَت بها بسلسلة من النكبات، من ضمنها خسارة زوجها، ونهاية خطوبة دامت خمس سنوات وإصابتها بأزمة قلبية. ((شعرت بأن ليس هناك مغزى لحياتي)) تقول لي. ((فشلت في دوري كامرأة)). وكان ضمن الكتب التي نصحتها بيرثود بقراءتها، رواية (فندق نيو هامبشير) للكاتب جون أيرفينغ. ((كان من الكتاب المُفضلين لزوجي، ذلك جعلني أشعر أنني غير قادرة على محاولة قراءتها لأسباب عاطفية.)) كانت ((مذهولة ومتأثرة جداً)) عند رؤيتها الكتاب على القائمة، ورغم انها كانت قد تجنبت قراءة كُتب زوجها حتى تلك اللحظة، إلا أنها وجدت قراءته ((تجربة عاطفية مجزية للغاية، سواء كان ذلك من الناحية الأدبية أو لتخليص نفسي من شياطيني)). وكذلك فهي تُثمن بشكل كبير توجيه بيرثود لقراءة رواية (عطر جيتربوغ،) للكاتب توم روبينز، والتي كانت ((مساراً ثقافياَ حقيقياً وافاني الكثير عن مسائل التحيز والتجربة)).
أحد الأمراض المدرجة في كتاب (العلاج في الرواية) هو ((الاحساس بالارتباك من الأعداد الهائلة للكتب حول العالم)) وهو شعور أعاني منه بشكل متكرر. تقول ايلدركين إنها إحدى أكثر المشاكل التي تلازم القراء المعاصرين، وهي حافز كبير لها ولبيرثود كمعالجتين بالقراءة. ((نشعر انه بالرغم من ان أعداد الكتب المنشورة هو أكبر من أي وقتٍ مضى، إلا أن اختيارات الناس تصبح أكثر ضيقاً. أنظر الى قائمة الكتب لأغلب نوادي القراءة وسترى تشابه الكتب، هي نفسها الكتب التي يُصرح بها في الصحافة. فإذا أحصيت عدد الكتب التي تقرأها في السنة، و كم هو عدد الكتب التي من المحتمل أن تقرأها خلال حياتك، ستدرك أنك بحاجة الى أن تكون انتقائياً للغاية لكي تحصل على الاستفادة القصوى من وقت القراءة)). وما هي الطريقة الفُضلى لتحقيق ذلك؟ خذ موعداً مع مُعالج بالقراءة، بأقرب وقت ممكن، و اقبل دعوتهم لك، ولأقترض بعض الأسطر من مأساة (تيتوس أندرونيكوس) لشكسبير ((تعال، واختر كل ما أملك من مكتبتي وهكذا أُفسد حُزنك…))
(1) فيرجينيا وولف: هي مؤلفة انكليزية، عُرفت بروايتها (السيدة دولواي) عام 1925 وغيرها العديد من الروايات.
(2) كمادات الخردل: هي وصفة قديمة تتكون من حبوب الخردل وغيرها من الأعشاب المطحونة مكونة مزيج ذو قوام يشبه المعجون يوضع على المنطقة المصابة في الجسم، وتصدر حرارة عند وضعها.
(3) وهو قسم من جريدة إلكترونية تنشر مراجعات في مختلف العلوم.
(4) الأدب الخيالي والخيال الشعبي كلاهما ينتميان الى القصص غير الواقعية مع بعض الاختلافات في سياق السرد، فيركز النوع الأول مثلا على الشخصيات وغالبا ما تحمل القصة مرآة تعكس الحالة البشرية بينما يركز الثاني على الأحداث والإثارة والتشويق.
(5) الاسم الأدبي للكاتبة الانكليزية ماري آن ايفانز.
المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الإنسحاب من العلاقات العاطفية بصمت أصبح عادياً

بقلم : ليزا بونوس بتاريخ : ‏13‏/02‏/2020 لموقع : The Washington Post ترجمة : حسين …

لماذا يحب الناس المصابون بالاكتئاب الاستماع للموسيقى الحزينة؟

يشير بحث إلى ان الناس المصابون بالاكتئاب يجدون الموسيقى الحزينة مهدئة – او حتى مطمئنة. …