الرئيسية / فن / (دولاكروا) آخر المعلمين القدماء أم أول المعلمين الجدد؟

(دولاكروا) آخر المعلمين القدماء أم أول المعلمين الجدد؟

كتبه لـ(ذي ايكونوميست): جو لويد
منشور بتاريخ: 11/5/2018
ترجمة: ياسين ادوحموش
مراجعة وتدقيق: آلاء عبد الأمير
تصميم: مينا خالد

قلة هم الفنانون الذين تمكنوا من إثارة غضب وفضول الجمهور كما فعل (يوجين دولاكروا). بات أعظمُ رسام فرنسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والذي أصبح موضوعاً استعراضياً تاريخياً في متحف اللوفر، اشتهر هو في مقتبل عمره بلوحاته الضخمة التي تصور مشاهد درامية و أحياناً عنيفة. رأى النقاد في حدة أسلوبه دليلاً على الكآبة الداخلية والاضطراب الذين كان يعيشهما، وكان يُنظر إليه على أنه الرومانسي المطلق، وهي سمعة ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
كانت الرومانسية حركة ثقافية بدأت في بريطانيا وألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر، وسرعان ما انتشرت في بقية أوروبا. أعطت الأولوية للإلهام وللتجربة الفردية على حساب القيم العقلانية لعصر التنوير. في أوائل القرن التاسع عشر في فرنسا، كانت الحركة الفنية المهيمنة هي الكلاسيكية الجديدة، حيث كان الرسامون الكلاسيكيون الجُدد من أمثال (جان أوغست دومينيك إنجرس) متخصصين في التأليفات الهادئة والرسم الدقيق والخطوط الواضحة.
وعلى النقيض من ذلك، كان الرسامون الرومانسيون يهدفون إلى إثارة المشاعر الجياشة باستعمال ألوان زاهية وضربات فرشاة معبرة، إذ استخدم (دولاكروا) الطلاء لنقل المزاج والمعنى والحركة. للقيام بذلك استمد (دولاكروا) إلهامه من المعلمين القدماء من أمثال (تيتيان) و(فيرونيزي) و(روبنز) و(رامبرانت). سوف يستمر أسلوبه الخاص في الرسم في إلهام أجيال متعاقبة من الفنانين الانطباعيين إلى الفنانين التعبيريين التجريديين، فهو يقف عند مفترق الطرق بين التقليد والحداثة.
كل شيء رسمه (دولاكروا) تقريباً ينبض بالحيوية، من المشاهد التوراتية إلى باقات الزهور، ومن القطط الكبيرة إلى ملاءات السرير المجعدة. كتب الشاعر( تشارلز بودلير) عام 1863 متحدثاً عن وفاة (دولاكروا) قائلاً: “تُعدّ هذه النوعية الغامضة والغريبة شيئاً غير مرئي، لا يمكن إدراكه باللمس، عبارة عن حلم، تُحرّك الأعصاب والروح. لقد فعل هذا من دون أية وسيلة أخرى سوى اللون والخطوط “. وبعد مشاهدة هذا المعرض، سيكون من الصعب عليك أن تخالفه الرأي.

 

لوحة “مشاهد من المذابح في خيوس” 1824
قبل الصالون الذي كان ينظم في أكاديمية الفنون الجميلة بفرنسا والذي كان آنذاك المعرض الأكثر رقياً في العالم، بحث (دولاكروا) عن مشهد يُمكّنه من أن يترك بصمة، فوجد ضالته في حرب الاستقلال اليونانية، التي كانت قضية مثيرة للجدل بين المفكرين الغربيين. في عام 1822 وكرد على الثورة على الأراضي اليونانية، قام الجيش العثماني بشن هجوم على جزيرة خيوس، الغالبية العظمى من السكان الأصحاء و البالغ عددهم 100.000 قُتلوا أو تم بيعهم كعبيد.
تَعرِض لوحة (دولاكروا) الهائلة الحجم سياسة من الانحطاط، ففي المقدمة يظهر صبيان يعانقان بعضهما البعض كما لو كان ذلك للمرة الأخيرة، وزوجة شاردة الذهن تحمل زوجها المحتضر، وفارس عثماني يجر رهينة عارية مربوطة بحصانه. والأمر الأكثر إثارة للألم هو أن الأم تستلقي ميتة بينما يجثو طفلها على صدرها. وراء هذه الوجوه وفي وسط اللوحة يرسم (دولاكروا) مجزرة تجري على قدم وساق، يظهر فيها جنود يقطعون النساء اللائي يحاولن الهرب. تم قص المشهد على الجانبين ما يلمح إلى مزيد من الوحشية خارج حدود اللوحة.
تفاجأ النقاد بدموية اللوحة وطرازها العصري الراديكالي، حيث استخدم (دولاكروا) ألواناً متعارضة بشدة، وهذه الألوان أصبحت الآن باهتة للأسف، كما جمع عدداً من الحلقات المختلفة بدلاً من التركيز على بطل مركزي واحد. وصفها الرسام الكلاسيكي الجديد (أنطوان جان غروس) بأنها “مذبحة الرسم”. تَعرّض (دولاكروا) للانتقاد لأنه جعل اليونانيين يبدون مثل الفلاحين المحبطين، عوض أن يصورهم على أنهم الورثة المناسبين لمحاربي العصور القديمة، لكن هذه اللوحة اشترتها الدولة الفرنسية على الفور، وهي عملية بيع جعلت من (دولاكروا) اسماً اشهر من نارٍ على علم.

 

لوحة “موت ساردانابالوس” 1827
إذا كانت لوحة (خيوس) قد أثارث حفيظة النقاد المحافظين، فإن لوحة “موت ساردانابالوس” قد أصابتهم بالفزع. تصور هذه اللوحة المستوحاة من مسرحية لـ(اللورد بايرون) عام 1821، ملكاً آشورياً وهمياً يُقدِم على إحراق مَخصييه وجواريه ونفسه أيضاً، عندما علم أن جيوشه قد تعرضت للهزيمة. زين (دولاكروا) هذه القصة من خلال جعل (ساردانابالوس) يعدم كامل حاشيته، وكانت النتيجة مشهداً ماجناً من القتل الجماعي. في فرنسا، في أواخر العشرينيات من القرن التاسع عشر، والتي كان يحكمها الملك الاستبدادي (تشارلز العاشر)، كانت رؤية (دولاكروا) صادمة.
شأنها شأن (خيوس) كان للوحة (سارادنابالوس) تركيبة غير تقليدية. إذ ينصب التركيز على الملك نفسه، وهو متكئ على أغطية السرير الحريرية، ويلبس عباءة لامعة لونها أكثر بياضا من اللحم الرخامي لحريمه المنكوبة. يبدو لنا على جانب السربر رأس فيل ذهبي وعيونه مغلقة وكأنه يمنع الرعب. تشير اللمسات الحمراء الى الدم غير مرئي إلى حد كبير، والنار القادمة. يستخدم ديلاكروا ضربات فرشاة مرئية لنقل الديناميكية، وكأنه قام بتجميد إطار واحد ويمكن للمذبحة أن تُستأنف في أي لحظة. مثلها مثل لوحة (خيوس) تثير لوحة (سارادنابالوس) مشاعر متضاربة في نفس المشاهد، هل نجفل في اشمئزاز أم نتعجب أمام الحيوية؟

 

لوحة ”28 يوليو: الحرية تقود الشعب“ 1830
في 27 من تموز/يوليو عام 1830، بعد بضعة أسابيع من توقيع (تشارلز العاشر) على مجموعة من المراسيم المناهضة للديمقراطية، انتفضت باريس، وبحلول نهاية اليوم الثالث من الاحتجاجات، تم خلع آخر ملك بوربون. بعد بضعة أشهر رسم (دولاكروا) مشهده الملحمي لثوريين على مقربة من حاجز طريق، وكتب لأخيه قائلا: “لقد اخترت موضوعًا حديثاً، وإذا لم أفز بأي انتصارات للأمة، فسوف أرسم لها على الأقل.”
على عكس لوحة (خيوس) قام (دولاكروا) هنا بتسليط الضوء على بطلة رئيسية بمثابة تجسيد للحرية بنفسها، تحمل في يد بندقية وفي اليد الأخرى علم ثلاثي الألوان. ترتدي قبعة فريجية ترتبط بالعبيد الرومان المحررين، ورغم أنها تعري صدرها، إلا أنها لا تحمل معنى أيروتيكياً. مزيجها من الملامح الدنيوية القوية والإشراق السماوي يضعها في مكان ما بين امرأة من الشعب وإلهة. وضع (دولاكروا) نموذجها على أساس تمثال (فينوس دي ميلو) الذي تم اكتشافه في عام 1820 ووصل إلى متحف اللوفر في العام التالي. إن الثوار الملتفين حولها، والذين يتراوحون بين رجل نبيل يرتدي قبعة إلى طفل عامل يشهر مسدساً، يمنحون شعوراً باتحاد الأمة ضد البوربون. اشترت الحكومة هذه اللوحة كبادرة حسن نية تجاه اليسار الفرنسي، لكن بعد بضعة أشهر تم إخفاؤها في عليّة، قبل أن يتم إرجاعها بهدوء إلى الفنان عام 1832.

 

لوحة “نساء الجزائر في غرفهن” 1834
في عام 1830 غزت فرنسا الجزائر. بعد ذلك بفترة وجيزة، تم إرسال بعثة دبلوماسية إلى المغرب بقيادة الكونت (تشارلز دي مورني)، الذي دعى (دولاكروا) لمرافقته بسبب رغبته بوجود صحبة من المثقفين. كانت الرحلة محفزة بالنسبة ل(دولاكروا)، حيث رأى في شمال أفريقيا “جمال الأقدمين”. هذه الذكريات التي عاد بها من البعثة ستكون مادة دسمة له لبقية مسيرته.
تعد لوحة (نساء الجزائر) الأكثر تحفظاً من بين لوحاته السابقة، وصفاً فاخراً للحريم، حيث تصوراللوحة ثلاث نساء وخادمتهن، وهن يرتدين وفرة من الأقمشة الغنية، وتحيط بهن الوسائد والستائر والسجادات وبلاط الجدران. تُضاء الغرفة عبر تدفق الضوء من نافذة غير مرئية. تبدو واحدة من النساء هائمة في التفكير، بينما تتشارك الأخريات لحظة حميمية حول الشيشة، بينما الخادمة التي نراها في الخلف تسحب الستار، وتضيف عنصراً مسرحياً إلى المشهد. أُعجِب(بول سيزان) و(أوغست رينوار) باللوحة، وأذهلت (بابلو بيكاسو) لدرجة أنه أنتج سلسلة من 15 لوحة قماشية تكريماً لها.

 

لوحة “البحر من مرتفعات دييب” 1852
وُصِف (دولاكروا) بأنه “آخر معلم قديم”، كما يُنظَر إلى لوحاته على أنها تتويج لأربعة قرون من الفن الأوروبي. ولكن حتى خلال سنواته الأخيرة، عندما كان يعمل ضمم لجان ممولة من الدولة، فإن العديد من معاصريه كانوا لا يزالون ينظرون إليه على أنه محدث.
بالنظر إلى السرعة في ضربات الفرشاة في هذه اللوحة، من الواضح أن (دولاكروا) مهد الطريق أمام الانطباعيين، على الرغم من أنه كان يعتمد على الذاكرة في رسمه بدلاً من الرسم في الهواء الطلق. يستخدم ضربات سميكة من الطلاء لالتقاط حركة الأمواج وتحول الغيوم، ورقص المراكب الشراعية الهشة في مهب الريح، تحت رحمة البحر والسماء.

المقال باللغة الانجليزية: هنا

عن Alaa Abdel Ameer

شاهد أيضاً

بانكسي يواجه العنف بالبراءة في غرافتي عيد الفالنتاين

ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: أسماء عبد محمد لندن / رويترز   …

في العراق حيث قُمع الجمال لفترة طويلة، فن الورود يتوسط المتظاهرين

كتبه: Alissa J. Rubin  بتاريخ: 3/ 2/ 2020 The New York Times لموقع: ترجمة: فاطمة …