الرئيسية / فن / في العراق حيث قُمع الجمال لفترة طويلة، فن الورود يتوسط المتظاهرين

في العراق حيث قُمع الجمال لفترة طويلة، فن الورود يتوسط المتظاهرين

كتبه: Alissa J. Rubin 

بتاريخ: 3/ 2/ 2020

The New York Times لموقع:

ترجمة: فاطمة القريشي وريام عيسى

تصميم الصورة: أسماء عبد محمد

 

رسامون ونحاتون وموسيقيون ينضمون إلى متظاهرين بغداد والعاصمة تفيض بالفن السياسي

تظاهر ثائر معارض للحكومة رسم جدارية في شارع السعدون وسط مدينة بغداد ايفور بريكيت لذنيويورك تايمز

 

بغداد_ كان عبدالله أجوف الخدين ومرتعش ويرتدي جينز قد صغر عليه قليلاً، واقفاً في مرآب غير مكتمل ومذهول أمام جدارية كان متحمساً لفك شفرتها للزائر.

“أنظر؛ الرجل الذي في الوسط يقول للقوات الأمنية: أرجوك لاتطلق علينا النار لانملك شيء، لاشيء.” قال عبدالله الكلمة الأخيرة مرتين للتأكيد كما لوكان قد درس بجدية الجدارية المرسومة بالأسود والأبيض.

تظهر جدارية، مرسومة بالفحم وبأسلوب إشتراكي وواقعي وطولها يتجاوز الأثنتي عشر قدماً، مجموعة من الرجال يمضون قدماً ويحملون صديقهم المصاب على أذرعهم. يظهر الرجال على أنهم عمال بلا أدنى شك بملابس قاسية ووجوه مرهقة. 

طلب عبدالله ذو الثمانية عشر ربيعاً ومنظف سابق في مستشفى عدم الأفصاح عن أسمه الكامل لأنه يخشى الملاحقة بسبب مشاركته في المظاهرات المناهضة للحكومة. أصبح الآن دليلاً فنياً غير رسمي لواحدة من المعارض التي لايمكن تخيلها: قصة خمسة عشر طابق لهيكل معروف محلياً بمبنى المطعم التركي والتي تطل على نهر دجلة. تمثل هذه البناية معقل العراقيين المعارضيين للقادة الحاليين.

 

يغطي المبنى من كل الجوانب رايات تحمل رسائل إلى الحكومة والقوات الأمنية والعالم أجمع، حيث يبدو كسفينة على وشك الإبحار مع شعارات مكتوبة على قماش أبيض ترفرفها الرياح.

 

أصبحت أول خمس طوابق واحدة من الأماكن الرئيسية في بغداد التي حولها المتظاهرين إلى معارض فنية حيث حول الرسامين، المتدربين منهم وغير المتدربين، الجدران والسلالم والمتنزهات إلى لوحة هائلة.

 

من أين أتى كل هذا الفن؟ كيف يعقل إحياء مدينة، وعلى نحو مفاجئ، كل هذا الجمال والالوان المكبوتة بسبب الفقر والظلم وعدم أكتراث الحكومات المتعاقبة.

 

يقول رحيم ، خمسة وأربعون سنة ومدرس فن،: “هل تعرف، لدينا الكثير من الأفكار عن العراق، ولكن لم يسألنا أبدا أي أحد من الحكومة.”

 

 

ساحة التحرير هي مركز المدينة الإبداعي. حيث يغطي الفن ممرات الأنفاق الواقعة تحتها والمناطق الخضراء المجاورة والشوارع المؤدية إليها.

نادرا ما تٌرى اللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأضرحة التي قُتل فيها المتظاهرين كفن سياسي في العراق، حيث صُنع الفن من عشرة الآف سنة على أقل تقدير. يبدو كما لو إنه ايقظ المجتمع قاطبة على صرخة وشكل وحجم قوته الإبداعية.

 

“في البداية كان هذا بمثابة إنتفاضة، ولكنها غدت ثورة” هذا ماقاله باسم الشذير وهو عراقي الماني يترحل بين البلدين وشارك في المظاهرات. “يوجد فن، ويوجد مسرح، الناس يلقون المحاضرات ويوزعون الكتب وكلها بالمجان.”

 

ساهم السيد الشذير، وهو فنان تجريدي يحمل شهادة في علم الأحياء، برسم مشهد على حائط في شارع السعدون الذي يعد أحد أكبر الطرق العامة في العاصمة. يصور المشهد رجل أصابته القوات الأمنية لتتدفق من قلبه بحيرة واسعة أكبر من أن يخفيها أو يغسلها رجل عسكري يقف خلفه.

 

تظهر بالقرب من جدارية تطلب من الأمم المتحدة إنقاذ العراق جدارية أخرى تصور خارطة العراق وسط قلب وتقول: “آه يابلدي لاتتألم.” كما توجد إثنان او ثلاثة أسود وهي رمز عراقي يعود للفترة الآشورية إعتمده المتظاهرون.

 

تكاد تنعدم الرسائل المعادية لإمريكا في الأيام الأخيرة، على الرغم من ازدياد المشاعر المعادية لامريكا في بغداد خصوصاً بعد اغتيال اللواء قاسم سليماني قائد قوات القدس الإيرانية على يد القوات الامريكية الشهر الماضي أثناء زيارته للعراق.

 

بالإضافة إلى وجود الرسائل المعادية لأمريكا وأسرائيل أساساً، إلا أنه هناك الكثير من الجدران التي ملئت بالفن ومن الصعب ايجاد مساحة فارغة لإضافة أي شيء جديد.

 

تُظهر المواضيع والأساليب الفنية المعروضة مدى تأثر جيل الشباب العراقي بالإنترنت، مكتشفاً صور ذات صدى ولكن رُسمت بلمسات عراقية.

 

فمثلاً روزي المبرشمة مع علم عراقي على خدها، وليلة النجوم لفنسنت فان كوخ فيها المطعم التركي بدلاً من شجرة السرو. وأيضا بعض شخصيات الكتب الهزلية المتلحفة بالعلم العراقي، الزي الرسمي للمتظاهرين.

 

هناك أصداء لفن البوب من ستينيات القرن الماضي في لوحة تتضمن مبنى المطعم التركي مع توك توك أحمر يطير من السطح، التوك توك هو تميمة المتظاهرين، مركبة بثلاث عجلات تعمل على الديزل ولا تحتاج إلى رخصة قيادة. أصبح التوك توك، في الخطوط الأمامية، سيارة الإسعاف غير الرسمية التي تنقل المتظاهرين المصابين إلى خيم الإسعافات الأولية.

أكثر من 500 متظاهر لقوا حتفهم بينما جُرح الألاف.

 

 

التوك توك: مركبة ذات ثلاث عجلات يعتبرها المتظاهرون تميمتهم.

 

الأشجار موضوع أخر شائع مع رسمات في مواقع مختلفة من بناية المطعم التركي تجسد صور لسقوط الاوراق.

تقول ديانا القيسي ذات ال32 عام والتي درست هندسة نظم المعلومات لكنها الآن تعمل في العلاقات العامة: “الشجرة هي العراق وسأقوم بكتابة إسم كل شهيد، إستشهد على يد القوات الأمنية، على ورقة.”

وأضافت: “تسقط أوراق الشجرة لأنه فصل الخريف وأولئك الذين يحاولون قتل الشجرة يحاولون قتل الثورة. حتى لو حاولوا فإن بعض الأوراق ستبقى في الشجرة منتظرة ولادتها من جديد.”

زينب عبد الكريم 22 عام وأختها زهراء 15 عام، كانت رؤيتهم أكثر قتامة. شجرتهم عبارة عن ظل أسود يقف في مقبرة وكل قبر يمثل واحد من المتظاهرين الذين قتلوا على يد القوات الأمنية.

 

خيمة في ساحة التحرير

 

موضوع شائع أخر هو لوحات بورتريه لقتلى المظاهرات.

تم تقسيم المرآب الخلفي لساحة التحرير بالعديد من الخيم. إحداها أصبح معرض للصور يتوسع بإستمرار مع صور لأولئك الذين قُتلوا على يد القوات الأمنية. يمشي الزائرون بهدوء على طول المعرض وهم ينظرون إلى كل الوجوه وتنهمر دموعهم عندما يرون وجه يعرفونه.

تشهد البلاد إزدهاراً تعبيرياً في أكثر الفنون البصرية. 

كُتبت عشرات الأغاني للإحتجاجات ونُشرت على نطاق واسع على وسائل التواصل الإجتماعي. تجمع نجوم الفن العراقيين من مطربين وممثلين وممثلات وموسيقيين ونحاتين ورسامين لتسجيل تحية للمتظاهرين الذين سقطوا.

 

اللوحات فن سياسي نادر ما يظهر في العراق

 

مؤخراً عمل السيد رحيم مدرس الفنية مع صديقه حسين شنشل، 41 عام، الذي يدير محل للملابس، على مشروع منحوتات منخفضة التكلفة وعالية القيمة. كانوا ينحتون بشكل دقيق نماذج مصغرة لست مواقع أثرية عراقية مشهروة، ثلاثة قديمة وثلاثة حديثة.

لقد أكملوا ثلاث منها؛ منارة الحدباء في الموصل التي تم تدميرها في القتال مع داعش، ملوية سامراء، وبناية المطعم التركي. ويعملون الآن على بوابة عشتار التي كانت في بابل القديمة.

إستخدموا أدوات مثل الرغوة ومعجون الأسنان وقطاعات العلب وعلب طلاء مرشوش لألوان الخلفية وفرشاة رسم من أجل الخط. 

يقول السيد رحيم: “نريد أن نعبر عن ماهية الحضارة العراقية. نريد أن نرسل رسالة للعالم أن هذه هي حضارتنا، نحن متحضرين، نحن رسامين وشعراء، موسيقيين ونحاتين، هذا معنى أن تكون عراقياً.” وأضاف: “يعتقد الجميع أن العراق كله حروب وقتال.”

 

 

 

خارج مبنى المطعم التركي غير المكتمل، والذي سُمي بهذا الإسم لأن الطابق الأول منه كان مطعماً تركياً قبل 25 سنة. أكمل حسين عبد المحسن، 25 سنة، جدارية عن شارع السعدون. كان قد رسم 4 جداريات مسبقاً، وهي بعيدة كل البعد عن عمله كرسام منزلي.

جداريتان تصوران المتظاهرين من خلال صورة ظلية وهم يحاولون رفع الحواجز التي تفضلهم عن القوات الأمنية. لكن اليوم هدفه الأساسي من الرسم ليس الفن، بل الحياة. لقد كان يرسم الخطوط التي تحدد الشارع لمنع السيارات من الإنحراف والدخول على الرصيف.

يقول حسين: “لقد أحضرت الطلاء العاكس من المنزل، لأن الحكومة تقطع التيار الكهربائي عن الساحة في الليل، لذا لا يمكن لسواق التوك توك الذين ينقلون المتظاهرين الجرحى أن يروا حافة الطريق ومن الممكن أن يصطدموا بها.”

لماذا يفعل ذلك؟ أليست هذه مسؤولية بلدية المدينة؟

قال وهو يخفض عينيه بخجل: “يمكنك أن تسميته تمويل ذاتي، أو أن هذه هي الوطنية.”

 

شارك في التقرير فالح حسن

 

المصدر: هنا

 

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

بانكسي يواجه العنف بالبراءة في غرافتي عيد الفالنتاين

ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: أسماء عبد محمد لندن / رويترز   …

فان كوخ والمرض العقلي

كتبه لموقع “برين بيكينغز”: ماريا بوبوفا نشر بتاريخ: 5/6/2014 ترجمة: ياسر منهل مراجعة وتدقيق : …