الرئيسية / بيئة / كيف ستساعد الهندسة الجيولوجية في حل مشكلة تغير المناخ

كيف ستساعد الهندسة الجيولوجية في حل مشكلة تغير المناخ

بقلم: نيك ستوكتون
مجلة وايرد الأمريكية
بتاريخ 20/07/2017
ترجمة: زهراء محمد
تدقيق: عقيل صكر
تصميم: أحمد الوائلي

دعونا نتظاهر بأن الولايات المُتحدة الأمريكية لم تنسحب مؤخراً من أتفاقية باريس للمناخ. دعونا أيضاً نتظاهر بأن جميع الدول الأخرى التي عارضت هذا الانسحاب قد أوفت بالتزاماتها من اتفاقية باريس وفق المواعيد المقرّرة. بل فلنفترض كذلك بأنّهُ ابتداءً من اليوم فإن جميع من في العالم سيبذلون قُصارى جهدهم لخفض كمية الانبعاثات، حتّى لو تحقّق كل هذا فإن حرارة الأرض ستستمر بالارتفاع
ففي الواقع، تخفيض الانبعاثات التي وعدت بها كل دولة في تعهّدات باريس لن تمنع درجة حرارة كوكب الأرض من الارتفاع إلى ما هو أعلى من هدف الإتفاقية ألا وهو الحفاظ على أرتفاع درجات الحرارة العالمية بحدود (2) درجة مئوية كحدٍ أقصى عمّا كانت عليه قبل الثورة الصناعية، وبحدود (1.5) درجة مئوية قدر الإمكان.

فإذا رغب أبناء الأرض في تجنّب المُستقبل الضبابي من الإحتباس الحراري، والغرق في أمواج المدّ العالية، فعليهم عمل المزيد. وهنا يأتي دور الهندسة الجيولوجية: مثل بذر طبقة (الستراتوسفير) للغلاف الجوي (هي الطبقة الثانية من الغلاف الجوي والتي تحتوي على طبقة الأوزون، التي تحمي سطح الأرض من الأشعة فوق البنفسجية) بالكبريت، أو استخدام بلورات ثلجية لإذابة السحب الحابسة للحرارة.

غير أن مُصطلح الهندسة الجيولوجية غير مُحبّذ لدى العديد من عُلماء المناخ وخبراء سياسة المناخ، لأن تاريخ تدخّل البشر بالطبيعة ليس الأفضل من نوعه. ولهذا السبب يقول عُلماء المناخ إن على القادة سن بعض القوانين لتنظيم العمل بالهندسة الجيولوجية في أسرع وقتٍ مُمكن، قبل أن يضطر البشرية – اليأس من كارثة المناخ القادمة – وذاك على الإقدام على عملٍ ما قد تندمُ عليه.

تُصنّف استراتيجيات الهندسة الجيولوجية عادةً في فئتين: إزالة ثاني أكسيد الكربون، وخفض الحرارة. لقد أغاظت الاستراتيجية الأولى الباحثين لسنوات. فعلى الرغم من قدرتهم عل إزالة ثاني أكسيد الكربون على مقاييس صغيرة – كأجهزة تنقية الهواء من الكربون الرئيسة في توفير بيئة صالحة للحياة على متن الأنظمة المغلقة مثل محطة الفضاء الدولية والغواصات البحرية – لكن تركيب أنظمة مماثلة كبيرة بما يكفي لإحداث تأثير مماثل في جميع تلك الأجزاء في المليون على مقياس الأرض هو أمر مستحيل عملياً.

فبالإضافة إلى التكلفة الباهظة والطاقة الهائلة التي ستحتاجها، فإن أحداً لا يعرف حقًاً كيف يفعل ذلك. وسيتطلّب القيام بنفس عملية التنقية باستخدام طريقة إعادة التشجير أن تغطّى نصف مساحة اليابسة في العالم بالأشجار. وليس من المرجح أن يحدث ذلك. وبالرغم من هذه الضجّة، ما تزال بحوث احتجاز الكربون وتخزينه – وهي عملية امتصاص جُزيئات الكربون قبل أن تخرج من المدخنة – وضخها لتُخزّن تحت الأرض، وتُؤدّ في مهدها.

من هنا فان خيار تخفيض الحرارة هو أكثر عملية حالياً. حيث يمكن القيام بذلك بطرق عديدة، وكلّها تنطوي إمّا على حَجب حرارة الشمس عن الدخول إلى الغلاف الجوي للأرض، أو السماح للمزيد من حرارة الأرض بالإشعاع إلى الفضاء. تُعتبر عملية حقن الكبريت الخيار الأرجح فعالية لمعالجة الاحتباس الحراري. تقول (أولريك نيمير) عالمة المناخ في معهد “ماكس بلانك” للأرصاد الجوية، ومؤلّفة مشاركة لورقة بحث – علمية جديدة – تُناقش هذه التقنية الجيولوجية و مخاطرها: “إن ذرات الكبريت تشتّت، وتعكس الإشعاع الشمسي إلى الفضاء”. المفهوم مقتبس من تأثيرات الثورات البركانية. حيث وجِدَ بأن الجُزيئات – الكبيرة خاصةً – تُرسلُ ثُنائيات (ثاني أكسيد الكبريت) إلى طبقة (الستراتوسفير) للغلاف الجوي، ممّا يؤدي إلى أحداث تبريد عالمي بصورة مؤقتة. حيث سجّلَ العُلماء انبعاث (17) مليون طن، (1) من ثُنائي أكسيد الكبريت إلى الغلاف الجوي، عقب انفجار بركان جبل بيناتوبو في عام (1991) ونتجَ عن ذلك تبريد نصف الكرة الشمالي بحوالي (0.5˚) إلى (0.6).

تُعتبر عملية حقن الكبريت أقل صعوبة، بالمقارنة مع عملية إزالة الكربون، من ناحية توفر التكنولوجيا الأساسية للعملية: وهي طائرات عالية التحليق قادرة على حمل صهاريج من الكبريت إلى طبقة (الستراتوسفير). لكن تكمن الصعوبة في المقياس الذي ستحتاج عنده إلى نشر هذه الطائرات من أجل الحصول على تبريد ذي معنى. حيث تُقدّر “نيمير” أنّه لخفض درجة حرارة (1) درجة مئوية واحدة، سيتطلّب (6،700) رحلة في اليوم. على مدار العام، هذا الأمر سيُكلفُ حوالي (20) مليار دولار.
ماذا عن الخيار الثاني لخفض الحرارة عن طريق السماح لحرارة الأرض بأن تشع إلى الفضاء؟

الإجابة: من أنّهُ يمكن استخدام ذات التكنولوجية وذلك باستخدام طائرات (نفاثة) تستطيع التحليق عالياً، لكن هنا سيكون هدف هذه الطائرات هو السحب الرقيقة المرتفعة – وهي بقايا السحب المُنتشرة بشكل خيوط بيضاء – والشائعة في الأيام الصافية. تتشكّل هذه السُحب في أعالي الغلاف الجوي، وهي مصنوعة من جُسيمات ثلجية. تقول “أولريك لوهمان”: وهي عالمة المناخ في معهد “زيورخ” لعلوم الغلاف الجوي والمناخ ومُشارِكة في تأليف ورقة بحثية علمية منفصلة – تصفُ فيها كيف يُمكن إزالة هذه السحب الرقيقة أنْ تُساهم في تبريد الكوكب: “إن السحب الرقيقة التي تتشكّل على ارتفاعات عالية تمتصُ بعض الإشعاع الذي كان من المُمكن أن ينبعث إلى الفضاء. وبهذا فهي تُشابه تأثير الغازات الدفيئة”.

قد يبدو مبدأ عمل هذا الخيار متناقضاً نوعاً ما. فبما إن السحابات الرقيقة تكوّنت من الثلج، فمنع تشتكّلها سيتوجّب على الطائرات النفاثة أن تقوم بنثر حُبيبات صغيرة تُماثل حُبيبات رمل الصحراء، أو حبوب اللقاح، وهذه الحُبيبات ستعمل كنواةٍ يتشكّل حولها الجليد. والفكرة من ذلك بأن هذه الحُبيبات سوف يُنتجُ عنها عدداً أقل من البلورات الجليدية، ولكن ستكون بحجمٍ أكبر، ممّا سينتج عنها تكوّن الغيوم العالية المعتادة وليست الرفيعة، وتُضيف لوهمان ” سينتج عن هذا تقليل من كمية أشعّة الشمس المُتناثرة، وسيُسمحُ للمزيد من الإشعاع الحراري الأرضي – طويل المدى – بالتحرّر إلى الفضاء”، بطبيعة الحال، فإن إرسال أسطول من الطائرات لشن حرب على سُحُب عالية الارتفاع هو خيار مكلف أيضاً، لكن لوهمان، تُشيرُ إلى أحتمالية أفضليته عن الخيار الأول (من نثر الكبريت) وتعزو ذلك إلى أنَّهُ بالإضافة إلى فائدتها من السماح للإشعاع بالتحرّر، فإن تشكّل بلورات الثلج – كبيرة الحجم – إلى كمية أكبر من بُخار الماء الموجود في الغلاف الجوي. وتقول: “بما أن بخار الماء هو أيضاً غاز دفئي، فإن تقليل بخار الماء في طبقة (الستراتوسفير) سوف يُساهم أيضاً في تقليل تأثير الاحتباس الحراري”.

ماهي مخاطر الهندسة الجيولوجية؟
ومع ذلك، لا تروّج “لوهمان” ولا “نيمير” لتوظيف أيٍّ من التكنولوجيا المقترحة أنفا في وقتنا الحالي. تُعزيَان ذلك إلى عدم معرفة ما يُمكن أن تتسبّب به، فقد تؤدي محاولة تبريد الكوكب إلى التسبب بطقس مرعب في جميع أنحاء العالم. فيُمكن لذلك أن يقطع الرياح الموسمية السنوية في الهند وذلك سيؤدي بدوره إلى تغير أنماط الرياح في العالم بأكمله. بالإضافة إلى ذلك، سيتطلّب الاحتفاظ بطائرات تحلق في طبقة (الستراتوسفير) لفترة طويلة جداً وهذا سيؤدي إلى تلويثها بثنائي أوكسيد الكاربون الذي سيبقى عالقا في الغلاف الجوي، مما يؤدّي إلى تحرير الحرارة المحبوسة، وأيضاً لتسمُّم المُحيط.
لكن مع ذلك يظل القلق من التحديات التقنية للهندسة الجيولوجية أقل مقارنة بالتحديات التي تواجه الحكومات في تحديد متى، إذا، وكيف، سيتُم استخدام هذه التقنيات. مصدر القلق الأكبر هو من أن تقرّر بعض أو مجموعة من البلدان اليائسة، بتطبيق بعض حلول الهندسة الجيولوجية بقرارات فردية. يقول جانوس باستور، المدير التنفيذي لمبادرة كارنجي للحوكمة المناخية ومؤلف مشارك في ورقة علمية أخرى، هذه الورقة تتناول على وجه التحديد الآثار المترتبة على السياسة التي طُرِحَت من قبل الباحثتين السابقتين: “تخيّل أن يبدأ شخص ما بتسيير طائرات محملة بغبار الكبريت في الجو، ثم تتأخر هبوب رياح الهند الموسمية. سينتج عن هذا أزمة جيوسياسية”.
لذا، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون ببدء نوع من الحوار الدولي يُشارك فيه أكبر عدد مًمكن من البلدان. وأن يفتتح هذا الحوار بالتعريف بالجهل الظاهري بالهندسة الجيولوجية. فلا بد من التوضيح، بأن التغيير والتبديل بدرجة الحرارة العالمية سيتطلّب الكثير من السيطرة، وبأنه لا أحد يعرف بصورة قطعية ماهي حدود الاستخدام الآمنة.

هناك أيضاً مسألة المخاطر المحلية والإقليمية، وهي: ماذا سيحدث إذا كان جزءاً واحداً من العالم سيقع عليه الجزء الأكبر من الآثار الجانبية للهندسة الجيولوجية من غيره؟ ثم هنالك شيء يُسمّى تأثير إنهاء: فبمجرد بدء تطبيق الهندسة الجيولوجية، لا يمكن التوقف. يقول باستور: “إذا توقف العمل بها بسرعة، فإن درجة الحرارة ستقفز إلى ما كان يمكن أن تكون، وسيكون ذلك كارثياً”. والأكثر إلحاحاً من ذلك كله هو كيفية إجراء الأبحاث على تقنيات الهندسة الجيولوجية. لأنه سيتوجّب عليك استخدام الأرض كمختبر لهذه الأبحاث.

من الواضح أن البشر يستخدمون الأرض بالفعل كمختبر، والتجربة الحالية شبيهة بإشعال كل موقد بنسن موجود في المبنى قبل مغادرته لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. إن أفضل استجابة لهكذا موقف هو في أن تقوم بإطفاء كل شيء بهدوء وتعقل، بدلاً من الانتظار حتى يشتعل المبنى لتخمده برغوة مثبطة للهب. كذلك الحال مع كوكب الأرض. يقول باستور: “أريد أن أوضح بأننا لا نشجع الهندسة الجيولوجية، بل نشجع الحوار”. إن تخفيض الانبعاثات أرخص بكثير وأكثر فعالية في الحد من تغير المناخ من الإصلاحات التكنولوجية. وينبغي أن يأتي احتجاز الكربون، على الرغم من تحدياته، كالخطوة الثانية. أما الهندسة الجيولوجية فتوضع فقط كخيار أخير، وتستخدم فقط في حالة وجود خطة جيدة.

رابط المقال باللغة الإنجليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

حل مشكلة التبريد العالمي

بقلم: فارس مختار  بتاريخ:٩ من يونيو ٢٠٢٠  لموقع:Bloomberg Green  ترجمة:  ريهام ماهر تدقيق: ريام عيسى …

6 أسباب تدفعك للاهتمام بالبيئة

ترجمة: لبنى جمال تدقيق: ريام عيسى تصميم: نورا محمود “لطالما كان تاريخ الحياة على الأرض …