الرئيسية / بايولوجي / تطور / التطور كحقيقة ونظرية

التطور كحقيقة ونظرية

كتبه: لورنس موران
ترجمة :سامر حميد
تصميم: احمد الوائلي

عندما يتحدث غير المختصين عن التطور البيولوجي، فأنهم غالباً ما يخلطون بين جانبين مختلفين من تعريف التطور. يتمثل الجانب الأول: بمسألة ما إذا كانت الكائنات الحالية ــ الحديثة ــ قد تطورت من أسلاف بعض الكائنات القديمة، وبعبارة أخرى: هل لاتزال الأنواع الحديثة تتغير مع مرور الوقت. بينما يتضمن الجانب الثاني: بعض التساؤلات حول آلية تلك التغيرات الملحوظة؛ بمعنى أدق كيف يحدث التطور؟ أما بالنسبة لعلماء البيولوجيا فهم يعتبرون حدوث التطور البيولوجي اليوم حقيقة علمية، حيث تعتبر المشاهدات والملاحظات المرصودة، فضلاً عن الشواهد التاريخية الماضية، أدلة ساحقة لحدوثه. ومع ذلك، فهم يعترفون وبدون تردد حول قلة التأكيدات لبعض الآليات التطورية؛ هناك نظريات عدة لتفسير آلية التطور. العالم ستيفن غولد قد بين هذا أكثر من أي شخص آخر عندما قال:

“النظرية” في العامية الأمريكية، هي غالباً ما تعني ” حقيقة ناقصة “؛ جزء من تسلسل هرمي تراتبي تأكيدي، “الحقيقة” فيه على قمته، ثم تأتي “النظرية” أسفلها، ثم “الفرضية” ومن ثم “التخمين”. وبالتالي أطلق هذا الأمر العنان للحجة الخلقية: التطور هو “فقط” نظرية، فلا تزال هناك حالياً نقاشات محتدمة بين العلماء حول العديد من جوانب هذه النظرية. وبالتالي، فإذا كان التطورهو أسوء بكثير من كونه حقيقة، والعلماء حتى الآن غير قادرين على حسم أمرهم حول النظرية، اذاً فكيف يمكننا أن نثق بالتطور؟ وبالفعل رَدَّدَ الرئيس ريجان هذه الحجة في جماعة إنجيلية في دالاس عندما صرح قائلاً (كجزء من خطاب حملته الانتخابية): “حسناً، هي نظرية، نظرية علمية فقط، تم الطعن فيها مؤخراً في المجال العلمي، ولم تعد خاليه من الأخطاء كما كانت سابقاً”.
حسناً، التطور هو نظرية، وأيضاً هو حقيقة، بالرغم من أن الحقائق والنظريات هي أمور مختلفة؛ هي ليست درجات تراتبية على تسلسل هرمي يمثل الزيادة في التأكيد واليقين. فالحقائق هي الوُقُوعات المكررة في العالم، اما النظريات فهي عباره عن هياكل من الأفكار تحاول شرح وتفسير الحقائق. وبالتالي فالحقائق لا تتغير حينما يناقش ويتجادل العلماء حول الأليات التي تفسرها، فعلى سبيل المثال: عندما حلت نظرية آينشتاين للجاذبية محل نظرية نيوتن في القرن الماضي، لم يبقى التفاح معلقاً في الهواء منتظراً النتيجة [حقيقة واقعة] ، وبالمثل، تطور البشر من أسلاف شبيهة بالقرود العليا، سواء كان هذا من خلال الآلية التي طرحها داروين، أو من خلال غيرها من الآليات التي لم تكتشف بعد.
وعلاوة على ذلك، فإن “الحقيقة” لا تعني اليقين المطلق. اما بالنسبة للإثباتات القاطعة للمنطق والرياضيات المتدفقة استنباطياً من مقدمات أولية، فهي تحقق اليقين فقط عندما لا تمارس في العالم التجريبي. ولهذا لا يتحدث علماء التطور مطلقاً عن “حقيقة دائمة”، على الرغم من أن الخلقيين بالعادة ما يلصقون هذه التهمة بهم (ثم يهاجموهم بها بشكل زائف كحجة مثلما يفضلون). إذن الحقيقة في العلم تعني بأنها “مؤكدة” فحسب لدرجة الشذوذ عن الموافقة المؤقتة Provisional consent [حقيقة متفق عليها حتى يثبت العكس] ؛ على سبيل المثال، سوف افترض بأن التفاح سيرتفع الى الأعلى غداً. ومع ذلك لا تستحق هذه الاحتمالية وقتاً متساوياً مع احتمالية سقوط التفاح الى الأسفل [بسبب قوة الجاذبية] في الفصول الدراسية للفيزياء.

في الواقع، لقد كان علماء التطور واضحين جداً منذ البداية في التمييز بين الحقيقة والنظرية، نظراً للاعتراف الدائم بالمسافة التي تبعدنا عن الفهم الكامل للآليات “النظرية” التي يحصل فيها التطور “الحقيقة”. بل وحتى داروين نفسه كان يوضح دائماً الفرق في إنجازاته العظيمة والمستقلة: بين إثبات حقيقة التطور، واقتراح نظرية ــ الانتخاب الطبيعي ــ لشرح آلية حدوث التطور. يذكر ستيفن غولد (في مقاله “التطور كحقيقة ونظرية”؛ ديسكوفر، ماي 1981) النظرة السائدة للتطور في المجتمع العلمي بشكل تفصيلي؛ وبصورة موجزة، يعتبر الخبراء في المجال التطوري بأن التطور هو حقيقة. هذه الفكرة لم تنشأ مع غولد فقط، كما تشير الاقتباسات التالية:

“اسمحوا لي في محاولة لجعل الامور أكثر وضوحاً مما لا يدع مجالاً للشك، ومما يستدعي مزيداً من الدراسة عن التطور. أن التطور كعملية قائمة على مدى التاريخ الحيوي على الأرض، قد تكون في موضع الشك فقط من أولئك الذين يجهلون الأدلة، أو من أولئك الذين يريدون محاربتها بسبب الردود الانفعالية العاطفية أو التعصب الاعمى. في المقابل، فإن الآليات التي ستؤدي لحدوث التطور بالتأكيد تحتاج إلى أعادة الفحص والتوضيح، فلا توجد بدائل للتطور على مدى التاريخ يمكن أن تصمد أمام الفحص النقدي. ومع ذلك، نحن نتعرف دوماً على حقائق جديدة وهامة حول الآليات التطورية”

* ثيودوسيوس دوبجانسكي“لا شيء يبدو منطقيًّا في علم البيولوجيا، إلّا في ضوء التطور“ ، مجلة معلمي علم البيولوجيا الأمريكية ٣٥ (١٩٧٣م): ٢٩-١٢٥. أعيد نشره في التطور ضد الخلقية، جي بيتر زيتربيرغ وآخرون 1983.

وأيضاً:

” لقد آن الأوان للباحثين في العملية التطورية، وخاصة لأولئك الذين تم تزييف تصريحاتهم أو تحريفها وأستخدمها بشكل خاطئ من قبل الخلقيين، أن يعلنوا صريحاً بأن التطور هو حقيقة، وليس نظرية فقط. وأن ما يثار داخل هذه القضية في علم الأحياء من أسئلة، هي تتعلق بتفاصيل العملية والأهمية النسبية للآليات المختلفة للتطور فقط. فالتطور هو حقيقة أن الأرض كانت سائلة قبل 3.6 مليار عام. إنه حقيقة وجود الحياة الخلوية بعد حوالي نصف هذه الفترة، إنه حقيقة وجود الكائنات الحية متعددة الخلايا بعد 800 مليون عام على الأقل. إنه حقيقة أن أشكال الحياة الرئيسية الآن على الأرض لم تكن موجودة على الإطلاق في الماضي، فلم تكن هناك الطيور أو الثدييات قبل 250 مليون عام. إنه حقيقة أن اغلب أشكال الحياة الرئيسية من الماضي قد انقرضت حالياً، حيث كان هناك الديناصورات والأسلاف البشرية ولكن لا شيء الآن. إنه حقيقة أن جميع أشكال الحية الحالية تأتي من أشكال سابقة. لذلك، نشأت جميع أشكال الحالية للحياة من الأشكال السلفية التي كانت مختلفة. فالطيور نشأت من شكل لا طيري والبشر من شكل لا بشري، وبالتالي فلا يمكن لأي شخص يدعي فهم العالم الطبيعي أن ينكر هذه الحقائق، فهل يستطيع أن ينكر أن الأرض كروية، تدور حول محورها، وتدور حول الشمس”

*. ريتشارد ليوونتين “مناقشة التطور / الخلق: وقت للحقيقة” العلوم البيولوجية 31، 559 (1981). أعيد نشره في التطور ضد الخلقية، المرجع سابق.

ويوضح هذا المفهوم أيضاً في كتب علم الأحياء التمهيدية التي تستخدم في الكليات والجامعات (وفي بعض المدارس الثانوية المتميزة). فعلى سبيل المثال، نجد في بعض من أفضل الكتب المدرسية:

” أن اغلب علماء الأحياء اليوم يقرون بأن التطور هو حقيقة. مصطلح النظرية “فقط” لم يعد صالحاً إلا عند الإشارة إلى النماذج المختلفة التي تحاول تفسير كيفية تطور الحياة …. ومن المهم أن نفهم أن الأسئلة الحالية حول كيفية تطور الحياة لا تعني بأي حال بأنها تمثل خلاف حول حقيقة التطور“.

* نيل كامبل، البيولوجيا، ط2 1990، ص 434.

وأيضاً:

“ منذ زمن داروين، تراكمت أدلة إضافية هائلة دعمت حقيقة التطور ــ أن جميع الكائنات الحية الموجودة على الأرض اليوم نشأت من أشكال سلفية على مدى التاريخ الطويل للأرض. وبالفعل تؤكد البيولوجيا الحديثة هذه القرابة بين العديد من أنواع الكائنات الحية وتشعبها التدريجي من بعضها البعض بمرور الزمن. ومنذ نشر كتاب” أصل الأنواع “، كان السؤال الاكثر أهمية، علمياً، هو حول حدوث التطور من عدمه. اما الآن لم تعد هذه الاسئلة تطرح بين الغالبية العظمى من علماء البيولوجيا الحديثة. فالأسئلة المركزية اليوم والتي لا تزال آسرة لعلماء البيولوجيا تتعلق بالآليات التي يحدث بها التطور”

* هيلينا كورتيس و. سو بارنز، البيولوجيا 1989، ص972.

ونجد أيضاً في أحد أفضل الكتب التمهيدية للتطور (بدلاً من الكتب التمهيدية للبيولوجيا) التعليق التالي، لدوغلاس جاي فوتشيما:

“ هناك بعص الكلمات ينبغي أن تقال عن” نظرية التطور”، والتي تعني عند الكثيرين تطور الكائنات الحية من أسلاف مشتركة، التطور ليس مجرد نظرية. ففي الكلام العامي، “النظرية” غالباً ما تعني الفرضية أو حتى مجرد تكهنات. ولكن في العلم، “النظرية” تعني “التأكيد الذي تقام عليه القوانين العامة أو المبادئ أو أسباب شيء معروف أو مرصود”. لذلك يعرف قاموس أكسفورد الإنجليزي نظرية التطور بأنها مجموعة من البيانات المترابطة حول الانتقاء الطبيعي والعمليات الأخرى التي يعتقد بأنها تسبب التطور، تماماً مثلما تصف النظرية الذرية في الكيمياء ونظرية نيوتن لحركة الاجسام، أسباب الظواهر الفيزيائية والكيميائية. في المقابل، فإن تأكيد أن الكائنات الحية قد انحدرت مع بعض التعديلات من أسلاف مشتركة ــ الحقيقة التاريخية للتطور ــ ليس مجرد نظرية، بل هو حقيقة، مثل حقيقة دوران الأرض حول الشمس، ومثل مركزية الشمس. فالتطور بدأ كفرضية، وبلغ” الواقعية(الحقيقة)” بسبب الأدلة الداعمة بقوة لدرجة لا يمكن لأي شخص واسع المعرفة وغير متحيز أن ينكرها”

* دوغلاس جاي فوتشيما، التطور البيولوجي ط2، 1986، ص15.

ومع ذلك، يوجد هناك من قراء هذه المقالة من يرفضون التطور لأسباب دينية. وبشكل عام، يعارض هؤلاء القراء حقيقة تطور، والنظريات التي تفسر آلياته على حد سواء، بالرغم من أن بعض المعارضين للتطور قد أدركوا بأن هناك فرقاً بين المفهومين. وهذا هو السبب تحديداً في أننا نرى بعض كبار المعارضين للتطور قد اعترفوا بحقيقة “التطور الجزئي”؛ لأنهم يعرفون بأن التطور قابلٌ للملاحظة. ولكنهم لم يقتنعوا “بواقعية” التطور الكلي بسبب حجج منطقية فاسدة أو محاولات فاشلة لمضيعة الوقت. وأفضل ما يمكننا أن نأمله هو فهمهم للحجة التي يعارضونها. ولكن وحتى هذا الأمل البسيط فأنه نادراً ما يتحقق.
وأيضاً، هناك بعض القراء الذين لا يعارضون التطور، ولكنهم يدعون أن التطور هو “نظرية” فقط لا يمكن إثباتها. هذه المجموعة من القراء تحتاج إلى التمييز بين “الحقيقة” في حدوث التطور، وبين “النظرية” التي تمثل آلية التطور.
وكذلك نحن بحاجة أيضاً إلى التمييز بين الحقائق التي يسهل أثباتها وبين الحقائق الأكثر استنتاجية. فمثلاً تعتبر حقيقة تطور المجتمعات الاحيائية الحديثة، وحقيقة تقاسم نوعين وثيقي الصلة سلفاً مشتركاً؛ دليل اشتراك الإنسان الحديث والشِمبانزي بسلف مشترك يندرج ضمن هذه الفئة، فضلاً عن توفر أدلة كثيرة جداً في دعم هذا الجانب من تطور الرئيسيات. من الحقائق التي يسهل ملاحظتها ؛ هي حقيقة.
أما في حالات أخرى، فقد تكون الأدلة المتاحة هي أقل قوة. فعلى سبيل المثال، لا يزال العمل جارياً على علاقات بعض الُشعب التصنيفية الرئيسية، كذلك وبالرغم من  قوة مسالة أن جميع الكائنات الحية قد انحدرت من سلف واحد مشترك من حيث الأدلة المتاحة؛  مع غياب أي دليل منافس. إلا إنه ليس من المناسب أن نطلق عليها “حقيقة”؛ سهلة الاثبات. بسبب وجود بعض البدائل معقولة.
وفي نهاية المطاف، تبقى لدينا حجة إبستمولوجية ضد التطور كحقيقة، قد تطرح من بعض القراء، وتتمثل بالأدعاء القائل: بأنه لا شيء في العلم يمكن أن يكون “مثبتًا” تماماً. وهذا بالطبع يشمل التطور. فطبقاً لهذه الحجة، فأن احتمالية أن يكون التطور هو التفسير الصحيح للحياة كما نعرفها قد يقترب من ،99،999٪ ولكنه لن يكون أبداً 100٪. وبالتالي فأن التطور لا يمكن أن يكون حقيقة؟ في الواقع، أن هذا النوع من الجدل قد يكون مناسباً في مجال الفلسفة، ولكنه لن يكون فعالاً في العالم الواقعي. “فالحقيقة”، كما أشار إليها ستيفن غولد سابقاً (أنظر أعلاه): هي محتملة الوقوع إلى حد كبير للغاية، وسيكون من الحماقة عدم قبولها أو تجاهلها. هذه النقطة تحديداً قد قدمت من بعض الأشخاص الذين يشاركون في تصيّد أخطاء علماء الإبستمولوجيا.
أما بالنسبة للعالِم الحقيقي، فهو مثل الفيلسوف، سيخبرك بأنه لا يمكن لأي شيء أن يكون مثبتاً بشكل تأكيدي بنسبة 100٪، حتى في مسألة وجوده ووجودك؛ فقد يكون حالماً في كل شيء. وبالتالي فلن يكون هناك حد فاصل بين التخمين، والفرضية، والنظرية، والحقيقة، ولكن سيكون الفرق فقط هو في درجة الاحتمالية على مقياس متدرج، فعندما نقول لحدث بأنه حقيقة، فنحن فحسب نعني بأن درجة احتماليه حدوثه مرتفعة للغاية: لا تأبه بشكنا، أو بالتصرف وفقاً لغايتنا. الآن وفي هذا الأستخدام لمصطلح الحقيقة، الوصف الوحيد والسليم سيكون: التطور هو حقيقة. فالأدلة الداعمة له هائلة للغاية، ومتنوعة، وحاسمة جداً، كما هو الحال في أي حقيقة أخرى راسخة في العلم تتعلق بوجود أشياء لا يمكن رؤيتها مباشرة مثل الذرات أو النيوترونات أو الجاذبية الشمسية.
وهكذا، وفي أي تقييم ذي مغزى التطور هو حقيقة، ولكن هناك نظريات مختلفة تتعلق بشأن آلية حدوثه.
المقال باللغة الانكليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

النشاط الحضريّ للإنسان يجعل الحيوانات تُطوّر أدمغة أكبر

كتبه لموقع “بوب ساينس: شاوناسي فيرو منشور بتاريخ: 22/8/2018 ترجمة: أحمد لاوي تدقيق: رعد طالب …

دراسة تكشف: كسل “الهومو إركتوس” أدّى إلى اِنقراضهم

كتبه لموقع”فيز دوت اروغ”: آرون ووكر منشور بتاريخ: 2018/8/10 ترجمة: أحمد طريف المُدرّس تدقيق لغوي: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *