الرئيسية / علم نفس / التهديدُ الذي تمثلهُ وسائلُ التواصلِ الاجتماعي على المجتمعِ والأمن

التهديدُ الذي تمثلهُ وسائلُ التواصلِ الاجتماعي على المجتمعِ والأمن

كتبه لموقع بروجكت سنداكت: جورج سوروس*
بتاريخ: 14/ فبراير/2018

ترجمة: محمد زهير الطائي
مراجعة: حسن مازن
تصميم: حسام زيدان

لم يكن الطريق الذي أوصلنا لقبول مبدأ حرية التفكير الذي دعى إليه “جون ستيوارت ميل” معبداً بالورود، بل صعباً وشاقاً. ما زلنا نملك الفرصة التي لو أضاعها أولئك الذين نشأوا في العصر الرقمي – وهو العصر الذي ازدادت فيه قدرةُ عددٍ قليلٍ من الشركات على فرض الأوامر والتحكم باهتمامات الناس – فسيجدون صعوبةً في الحصول عليها مرة ثانية.
ميونخ – تمثل المرحلةُ الحاليةُ مرحلةً مؤلمة في تاريخ العالم. فالمجتمعات المنفتحة هي في حالة أزمة، كما أن هناك بوادر لبروز عدد من الدكتاتوريات ودول المافيا، متمثلةً بروسيا ورئيسها “فلاديمير بوتين”. في المقابل، يرغب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في تأسيس دولة مافيا خاصة به ولكنه يصطدم ببعض العقبات التي يضعها الدستور والمؤسسات والمجتمع المدني المفعم بالحيوية والتي لا تسمح له بذلك.
أصبح موضوع بقاء المجتمعات المنفتحة محل شك، حالها حال حضارتنا التي أصبحت مهددة بالخطر. فصعود بعض القادة مثل “كيم جونغ أون” في كوريا الشمالية و”دونالد ترامب” في الولايات المتحدة له علاقة كبيرة بهذا الأمر، خصوصاً حين يلوح الاثنان باستخدام السلاح النووي من أجل البقاء في السلطة. رغم ذلك، فإنّ السبب الحقيقي موغل في العمق. فالقدرة البشرية على تسخير قوى الطبيعة لأهداف إنسانية أو أهداف تدميرية ، تزداد قوةً، في الوقت الذي تتذبذب فيه قدرتنا على حكم أنفسنا ووصولها إلى مستويات متدنية.
كان لظهور شركات الانترنيت العملاقة ذات السلوك الاحتكاري اثرٌ كبير في إظهار عجز للحكومة الأمريكية، حيث غالباً ما لعبت تلك الشركات دوراً في الابتكار والتحرير. ورغم أن شركتي فيسبوك وغوغل قد أصبحتا أقوى من أي وقت مضى، إلا أنها يقفان عقبتين في طريق الابتكار، مما يتسبب في حدوث مشاكل متنوعة بدأنا الآن فقط في إدراكها.
تعتمد الشركات في تحقيق أرباحها على استغلال البيئة الموجودة. فمثلاً، تستغل شركات التعدين والنفط البيئة المادية، بينما تستغل شركات التواصل الاجتماعي البيئة الاجتماعية. هذا الأمر يعتبر شنيعاً جداً لأن هذه الشركات لها تأثير على الطريقة التي يفكر الناس ويتصرفون بمقتضاها من غير أن يكونوا على وعيٍ بما يحصل. وهذا يتعارض مع عمل الديموقراطية وسلامة الانتخابات.
ولأن شركات الأنترنت هي عبارة عن شبكات، فهي تجد متعتها في رفع قيمة العوائد الهامشية التي هي بدورها مسؤولة عن النمو الهائل لهذه الشركات. ورغم أن هذه الشبكات تمتلك تأثيراً غير مسبوق، إلا أنّ التأثير في نفس الوقت غير مستدام. فلقد احتاج الفيسبوك إلى ثماني سنوات ونصف للوصول إلى مليار مشترك، كما احتاج نصف هذه المدة من أجل الوصول الى المليار الثاني من حيث عدد المشتركين. اعتماداً على هذا المعدل، فلن يكون بمقدر الفيسبوك حشدُ المزيد من المشتركين بعد مرور ثلاث سنوات.
تستحوذ شركتا فيسبوك وغوغل على ما يزيد عن نصف عائدات الإعلانات الرقمية. وللحفاظ على سيطرتها، فهي بحاجة إلى توسيع شبكتها وزيادة حصتها من اهتمام المشتركين، حيث أنها تقوم بذلك حالياً من خلال تجهيز مستخدميها بمنصات مريحة للعمل. وكلما زاد الوقت الذي يقضيه المستخدمون على المنصة، كلما أصبح هؤلاء المستخدمون أكثرَ أهميةً بالنسبة للشركة.
فضلاً عن ذلك، ولأن المسؤولين عن محتوى وسائل التواصل الاجتماعي لا يستطيعون الاستغناء عن استخدام المنصة، فعليهم أيضاً القبول بالشروط التي يتم إملاءها عليهم، مما يساهم في زيادة أرباح شركات التواصل الاجتماعي. وبالفعل، فالربحية الاستثنائية التي تحققها هذه الشركات تستند بدرجة كبيرة على تجنبها الوقوع في مسؤولية محتوى المواد المنشورة على منصاتها أو كُلفها.
ورغم ادعاء تلك الشركات بأنها تقوم فقط بنشر المعلومات، إلا أنها في الحقيقة عبارة عن أدوات توزيع شبه احتكارية مما يجعلها من المرافق العامة التي يجب أن تخضع لقوانين قاسية بهدف المحافظة على المنافسة، والابتكار، والوصول الحر والعادل للمحتوى.
يُعتبر المعلنون هم الزبائن الحقيقيون لوسائل التواصل الاجتماعي. ورغم ذلك، فقد برز نموذج جديد للعمل لا يستند فقط إلى الترويج للإعلانات وإنما يعتمد على بيع البضائع والخدمات بشكل مباشر إلى المستفيدين. تقوم تلك الشركات باستغلال البيانات التي تملكها، وتجميع الخدمات التي تقوم بتقديمها، وتوفير اسعار تفاوتية من أجل الحفاظ على أرباحها التي كان من الممكن أن يقاسهم فيها المستهلكون. ورغم أن هذا من شأنه أن يساعد في تحقيق فائدة أكبر، إلا أن ما يحصل هو أن تجميع الخدمات والاسعار التفاوتية من شأنه أن يضعف كفاءة اقتصاد السوق.
تعمل وسائل التواصل الاجتماعي على خداع مستخدميها من خلال التحكم بما يثير اهتمامهم وتوجيهه نحو الأهداف التجارية التي تخدم مصالحهم، كما أنها تسبب الإدمان بشكل متعمد للمستخدمين من خلال الخدمات التي تقدمها. وهذا من شأنه أن يكون مؤذياً جداً، وخصوصاً بالنسبة للمراهقين. ولو عقدنا مقارنة بين شركات الانترنت وشركات المقامرة، فسنجد أن هناك تشابهاً كبيراً بين الاثنين. فقد استطاعت الكازينوهات أن تطور تقنيات من شأنها اصطياد الزبائن إلى الحد الذي يبادرون به بالمراهنة بكل مالهم، وحتى المال الذي لا يملكونه.
يحدث أمر مشابه (قد لا يكون فيه رجعة) يتعلق بما يثير اهتمام الناس في هذا العصر الرقمي الذي نعيش فيه. فالأمر ليس مجرد ذهول أو إدمان، ولكن شركات التواصل الاجتماعي هي في الحقيقة تعمل على تحفيز الناس من أجل التخلي عن استقلاليتهم، حيث يزداد تركيز القوة التي لها دور في تشكيل اهتمام الناس في أيدي عدد قليل من الشركات.
ليس من السهل علينا أن ندافع عن مبدأ حرية التفكير الذي دعى إليه “جون ستيوارت ميل”. فمتى ما أضعنا هذه الحرية، فلن يكون بمقدور هؤلاء الذين نشأوا في العصر الرقمي أن يحصلوا عليها مرة ثانية. سيكون لذلك عواقب سياسية بعيدة المدى. فالناس الذين لا يملكون حرية في التفكير، سيكون من السهل التلاعب بهم. وهذا الخطر ليس مستقبلياً بل مُحدقاً في الوقت الراهن، فقد لعب بالفعل دوراً هاماً في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016.
إضافةً الى ذلك، يلوح في الافق أيضا خطر آخر يتمثّل في التحالف بين الدول الاستبدادية وكبريات شركات تكنولوجيا المعلومات ذات الطابع الاحتكاري، حيث سيسمحُ مثلُ هذا التحالف بنشوء انظمة مراقبة جديدة تضاف إلى أنظمة المراقبة الموجودة في الأساس والتي ترعاها الدولة، وسيؤدي هذا الأمر في نهاية المطاف إلى نشوء شبكات ذات طبيعة استبدادية لم يكن من الممكن حتى لـ “جورج اوريل” أن يتخيلها.
روسيا والصين هما من الدول التي من المتوقع أن يحصل فيها مثلُ هذه الزيجات الشيطانية قبل أي مكان آخر. فشركات تكنولوجيا المعلومات الصينية على وجه الخصوص متشابهة بشكل كبير مع الشركات الأمريكية، كما أنها تتمتع بوجود دعم وحماية كاملة يوفرها نظام حكم الرئيس “شي جين بينغ”، حيث تمتلك الحكومة الصينية من القوة ما يكفي لحماية أبطالها الوطنيين، على الأقل داخل الحدود.
لقد تنازلت شركات تكنولوجيا المعلومات الأمريكية ذات الطبيعة الاحتكارية عن حريتها في مقابل الوصول إلى الأسواق القوية وسريعة النمو، وسيكون القادة الدكتاتوريون في تلك البلدان سعداء جداً بالتعاون مع تلك الشركات، في مقابل تقوية شوكتهم وفرض المزيد من الهيمنة على شعوبهم ومد نفوذهم وسيطرتهم في الولايات المتحدة وبقية أرجاء العالم.
وقد لوحظ أيضاً بروز صلات قوية بين الهيمنة التي تمارسها الشركات الاحتكارية والزيادة في نسبة التفاوت. فعلى الرغم من الدور الذي تلعبه الملكية الواقعة في يد بعض الأفراد ، إلا أن الموقع المميز الذي تملكه كبريات شركات تكنولوجيا المعلومات هو في الحقيقة أكثر أهمية. فبينما هي تفرض سيطرتها فهي أيضاً تتنافس فيما بينها. فهذه الشركات هي كبيرة بشكل كافٍ يسمحُ لها بابتلاع الشركات الناشئة التي ليس لها القدرة على المنافسة، كما أنها تمتلك من الموارد ما يمكنها من غزو أراضي غيرها.
تَعتبرُ كبريات الشركات العالمية نفسها سادة الكون. ولكن في الحقيقة، فهي تستعبد نفسها في مقابل المحافظة على مكانتها المهيمنة. فهي منغمسة في نزاع وجودي الهدف منه محاولة السيطرة على المجالات الجديدة التي تزدهر فيها تطبيقات للذكاء الاصطناعي، مثل السيارات ذاتية الحركة.
يعتمد تاثيرُ مثل هذه الأفكار الجديدة في قطاع البطالة على السياسات الحكومية. فدول الاتحاد الاوروبي، ولا سيما دول الشمال الأوروبي، تمتلك نظرةً أكثر بعداً فيما يتعلق بالسياسات الاجتماعية بالمقارنة مع الولايات المتحدة. فهي تقوم بحماية العمال، وليس الأعمال، كما أن لديها الرغبة لدفع تكاليف إعادة التدريب أو تكاليف تقاعد العمال المشردين. هذا من شأنه أنْ يعطي العمال في دول الشمال الأوروبي شعوراً اكبر بالأمان ويجعلهم أكثر دعماً للابتكارات التكنولوجية بالمقارنة مع العمال في الولايات المتحدة.
لا تملك الشركات الانترنيت الاحتكارية الرغبة أو الميل نحو حماية المجتمع من العواقب المترتبة على تصرفاتهم، مما يحولهم الى تهديد عام يفرض على عاتق السلطات التنظيمية مسؤولية حماية المجتمع منها. فبينما لا تملك السلطات التنظيمية في الولايات المتحدة القوة الكافية للوقوف بوجه التأثير السياسي للشركات الاحتكارية، يملك الاتحاد الأوروبي موقعاً افضل لكونه لا يملك شركات عملاقة قائمة بذاتها.
يستخدم الاتحاد الاوروبي تعريفاً لقوة الاحتكار يختلف عن التعريف الذي تستعمله الولايات المتحدة. فبينما تركّز القوانين في الولايات المتحدة بشكل رئيس على الاحتكار الذي هو نتيجة للاستحواذ، فإن قوانين الاتحاد الأوروبي تحظر ممارسة كل أشكال الاحتكار بغض النظر عن طبيعتها، فالدول الاوروبية تمتلك قوانين للخصوصية وقوانين لحماية البيانات أقوى بكثير من ما تملكه الولايات المتحدة.
علاوة على ذلك، فإنّ الولايات المتحدة تعتمد مبدءاً غريباً يعرّفُ الضرر على أنه الزيادة في الأسعار التي يدفعها العملاء في مقابل الخدمات التي يتلقونها. ولكن يكاد يكون من المستحيل البرهنة على صحته، نظراً لأنّ معظم شركات الأنترنت العملاقة تقوم بتجهيز غالبية خدماتها دون مقابل. فضلاً عن ذلك، فإنّ هذا المبدأ يتجاهل البيانات القيّمة التي تقوم تلك الشركات بجمعها من المستخدمين.
نستطيع القول أن مفوض الاتحاد الاوروبي لشؤون المنافسة “ماريغريت فيستاجر” هي بطلة النهج الأوروبي في هذا المجال. فلقد استغرق الأمر سبع سنوات من أجل استكمال رفع قضية ضد شركة غوغل، حيث أدى نجاحها إلى الاسراع بشكل كبير في وضع لوائح ملائمة لهذا الغرض. فضلا عن ذلك، وبفضل الجهود التي بذلتها ” فيستاجر”، فقد بدأ النهج الأوروبي بالتأثير على المواقف التي تتبناها الولايات المتحدة.
لن يمضي وقت طويل قبل أن يتم كسر الهيمنة العالمية التي تمارسها شركات الانترنت في الولايات المتحدة. حيث سيتم التراجع عن الضرائب والتشريعات والتي كانت ” فيستاجر” قد بدأته.

*جورج سوروس هو رئيس مجلس ادارة صندوق سوروس ورئيس مؤسسة المجتمع المنفتح. إضافةً إلى كونه رائداً في قطاع صناديق التحوط، فقد ألف سوروس عدداً من الكتب وبضمنها “كيمياء المال”، كتاب “النموذج الجديد للاسواق المالية: الأزمة الائتمانية لعام 2008 وماذا تعنيه”، وكتاب “مأساة الاتحاد الاوروبي”.
المقال باللغة الإنجليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

الإنسحاب من العلاقات العاطفية بصمت أصبح عادياً

بقلم : ليزا بونوس بتاريخ : ‏13‏/02‏/2020 لموقع : The Washington Post ترجمة : حسين …

لماذا يحب الناس المصابون بالاكتئاب الاستماع للموسيقى الحزينة؟

يشير بحث إلى ان الناس المصابون بالاكتئاب يجدون الموسيقى الحزينة مهدئة – او حتى مطمئنة. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *