الرئيسية / تأريخ وتراث / من القديس نيكولاس إلى سانتا: الحقيقة المدهشة لسانتا كلوز

من القديس نيكولاس إلى سانتا: الحقيقة المدهشة لسانتا كلوز

كتبه لموقع (National Geographic): بريان هاندويرك (Brian Handwerk)
منشور بتاريخ: 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، 2017
ترجمة: آمنة الصوفي
تدقيق: عمر أكرم المهدي
تصميم: حسام زيدان

إن معرفة نشوء شخصية سانتا كلوز تتطلب جولة حول العالم كتلك التي يقوم بيها في عشية عيد الميلاد.
أي طفل يمكن أن يخبرك أن سانتا كلوز قادم من القطب الشمالي. ولكن رحلته التاريخية هي أطول وأكثر روعة من كونه مناسبة سنوية تحدث في ليلة واحدة حول العالم.
نشأت الفكرة الأميركية العصرية عن سانتا كلوز في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتطورت في جميع أنحاء أوروبا الشمالية، وأخيرًا اتخذ شكله الحالي المألوف على ضفاف العالم الجديد. من هو سانتا، وكيف وصل إلى هنا؟
لوهلةٍ من الزمن ستعتقد أن هذا الوجه يعود إلى القديس نيكولاس؟
إلّا أن اللوحات التي يظهر فيها القديس نيكولاس (وهو أسقف يوناني تعززت شهرته ليصبح من كبار القديسين المسيحيين)، سلف سانتا الأصلي، تختلف اختلافًا كبيرًا عن هيئة سانتا كلوز؛ إذ لم يبدُ كرجل يمتلك خدودًا متورّدة أو عجوز ملتحٍ كما هو سائد في كل مكان اليوم. واحدة من وجهات النظر الأكثر إلحاحًا لدينا هي أن صورة القديس نيكولاس الحقيقية تم إنشاؤها ليس من قبل الفنانين القدماء ولكن باستخدام الطب الشرعي الحديث الذي أعاد بناء وجهه.
تحتفظ مدينة باري الإيطالية ببقايا الأسقف اليوناني، الذي عاش في القرنين الثالث والرابع. عندما تم إصلاح مرقده في كنيسة سان نيكولا في عام 1950، تم توثيق جمجمة القديس والعظام بواسطة صور الأشعة السينية والآلاف من القياسات التفصيلية.
استخدمت كارولين ويلكنسون (Caroline Wilkinson)، وهي عالمة في الأنثروبولوجيا الوجهية في جامعة مانشستر (في انجلترا) هذه البيانات والمحاكاة الحديثة للبرامج لإعادة بناء حديثة لوجه الرجل الميت منذ فترة طويلة. أعطت ويلكنسون وجهًا إنسانيًا لاسم سانتا الأصلي، مع أنف مكسور، جراء اضطهاد المسيحيين من قبل الإمبراطور الروماني دقلديانوس.
خضع الكثير من عملها بالضرورة للتأويل. كان لا بُدَّ من تخمين حجم وشكل عضلات الوجه التي كانت تغطي جمجمة نيكولاس، وشكل تلك الجمجمة نفسها أُعيد بناؤه من البيانات ثنائية الأبعاد. وأضاف التقنيّون التفاصيل التي كانت تستند إلى أفضل التخمينات، بما في ذلك البشرة الداكنة الأكثر شيوعًا بين اليونانيين في منطقة البحر المتوسط مثل نيكولاس، والعيون البنية، والشعر الرمادي لرجل يبلغ من العمر 60 عامًا.
وصرّحت ويلكنسون في عمل على قناة (BBC) الثانية بعنوان «الوجه الحقيقي لسانتا» قائلةً: ’’نحن ملزمون أن نفقد بعض التفاصيل التي سنحصل عليها من خلال العمل الفوتوغرافي، ولكننا نعتقد أن هذا هو أقرب ما سنصل إليه.‘‘

القديس نيكولاس إلى سانتا
كيف أصبح القديس نيكولاس شخصية تقطن في القطب الشمالي وتجلب هدايا عيد الميلاد؟
كان القديس يوناني الأصل وُلد بعد 280 سنة من الميلاد وأصبح فيما بعد أسقفًا لمدينة ميرا، وهي بلدة رومانية صغيرة في تركيا الحديثة. لم يكن نيكولاس ضخم البنية ولا معروفًا بالمرح، ولكنه اشتهر بكونه متّقدًا وسخيًّا ومدافعًا عن مذهب الكنيسة خلال «الاضطهاد الرهيب» لمسيحيي مصر عندما أحرقوا الأناجيل وأجبروا الكهنة على التخلي عن المسيحية أو مواجهة الإعدام.
تحدّى نيكولاس هذه الممارسات وأمضى سنوات في السجن قبل أن يرفع قسطنطين المسيحية إلى مكانة بارزة في إمبراطوريته. استمرت شهرة نيكولاس بعد وفاته بفترة طويلة (في 6 كانون الأول/ ديسمبر من عام غير معروف في منتصف القرن الرابع) لأنه كان مرتبطًا بالعديد من المعجزات، ولا يزال التقديس له حتى يومنا هذا مستقلًا عن شخصية سانتا كلوز.
ارتفع نيكولاس إلى مكانة بارزة بين القديسين لأنه كان راعيًا للعديد من الفئات، بدءًا من البحارة وكافة الأمة. وفي عام 1200، كما أوضح المؤرخ جيري بولر (Gerry Bowler) من جامعة مانيتوبا، مؤلف «سانتا كلوز: السيرة الذاتية»، أصبح عرّابًا للأطفال وجالبًا للهدايا بسبب اثنتين من القصص العظيمة من حياته.
في الحكاية المعروفة، يتم إنقاذ ثلاث فتيات صغيرات من حياة البغاء عندما يسلم المطران نيكولاس سرًا ثلاث حقائب ذهبية لآبائهن المثقلين بالديون، والتي يمكن استخدامها لمهرهن.
وقال بولر: ’’القصة الأخرى ليست معروفة جيدًا الآن ولكن كانت معروفة بشكل كبير في العصور الوسطى،‘‘ دخل نيكولاس نزلًا كان حارسه قد قتل ثلاثة صبية للتو وأخفى أشلائهم الممزقة في براميل القبو. لم يكن الأسقف يستشعر الجريمة فحسب، بل أعاد الضحايا أيضًا. ’’هذه واحدة من الأشياء التي جعلته قديسًا للأطفال.‘‘

                                                رمز ديني يمثل القديس نيكولاس

لعدة مئات من السنين، حوالي 1200 إلى 1500، أصبح القديس نيكولاس جالب الهدايا الأسمى وتمحورت الاحتفالات حول يومه، السادس من ديسمبر. تبنّى القديس الصارم بعضًا من مفاهيم الآلهة الأوروبية في السابق، مثل زحل الروماني أو أودين النوردي، الذي ظهر كرجل ذي لحية بيضاء ويمتلك قوى سحرية كالتحليق. كما أكد على أهمية استقامة الأطفال عن طريق تلاوة صلواتهم وممارسة السلوك السوي.
ولكن بعد حركة الإصلاح الدينية البروتستانتية، سقط بعض القديسين مثل نيكولاس في صالح القوى المسيطرة في أنحاء شمال أوروبا. وقال بولر: ’’كان ذلك مشكلة. فأنت لا تزال تحب أطفالك، ولكن الآن من الذي سيحضر لهم الهدايا؟‘‘
وقال بولر أنه في كثير من الحالات، تمثل هذا العمل في شخص الطفل يسوع، وتم نقل التاريخ إلى عيد الميلاد بدلًا من 6 ديسمبر. ’’ولكن قدرة حمل الرضيع محدودة جدًا، كما أنه ليس مخيفًا جدًا،‘‘ وأضاف: ’’وهكذا كان الطفل المسيح في كثير من الأحيان يُوهبُ مساعدًا مخيفًا للقيام بجر الهدايا وتهديد الأطفال، إذ أن هذه الأعمال لا تتناسب مع الطفل اليسوع.‘‘
بعض هذه الأساطير الجيرمانية المهيبة ترافقت مع شخص نيكولاس مرة أخرى، لم يعد قديسًا بل مُرافقًا يهدد مثل رو كلاوس (Ru-klaus) – راوف نيكولاس (Rough Nicholas)، وأسشنكلاس (Aschenklas) – أسشي نيكولاس (Ashy Nicholas)، وبيلزنيكل (Pelznickel) – فيوري نيكولاس (Furry Nicholas). أجبرت هذه الشخصيات الأطفال على السلوك الجيد قسرًا أو مواجهة العقاب بالجلد أو الخطف. وبدت هذه الشخصيات مغايرة تمامًا للرجل المرح في الرداء الأحمر، إلا أنها تسببت في تطور شخصية سانتا نفسه.

القديس نيكولاس في أميركا
في هولندا، رفض الأطفال والأُسَر ببساطة التخلي عن فكرة القديس نيكولاس جالب الهدايا. فجلبوا شخصية «سينتركلاس» – “Sinterklaas” معهم إلى مستعمرات العالم الجديد، حيث انتشرت الأساطير الجرمانية الشقية والمخيفة التي تجلب الهدايا.
ولكن في أوائل عهد أميركا لم يكن عيد الميلاد عطلة مستحدثة. وأُلغيت العطلة في مدينة نيو إنغلاند، وفي أماكن أخرى أصبح الاحتفال وثنيًا نوعًا ما كالاحتفال بساتورن الذي احتل مكانته في التقويم سابقًا. حيث قال بولر: ’’كان يُحتفل به في الهواء الطلق مصحوبًا بشرب الكحول والفوضى تعمُّ الأجواء،‘‘ وأضاف أيضًا: ’’هذا ما أصبح عليه الاحتفال في إنجلترا كذلك، ولم يكن هناك شخصية خيالية معيّنة تجلب الهدايا.‘‘
ثم، خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر، كل هذا تغير بفضل مجموعة من الشعراء والكتّاب الذين سعوا إلى جعل عيد الميلاد احتفالًا للأسرة – من خلال إحياء وإعادة صياغة شخصية القديس نيكولاس.
صوّر الكاتب الأميركي واشنطن إيرفينج (Washington Irving) عام 1809 في كتابه «تاريخ نيكربوكر في نيويورك» (Knickerbocker’s History of New York) لأول مرة شخصية نيكولاس وهو يرسو قرب انبوب التدفئة فوق أسطح المنازل في عربة طيران، مقدّمًا الهدايا للفتيات والفتيان الطيبين.
في عام 1821 ذهبت قصيدة مجهولة بعنوان «صديق الأطفال» – “The Children’s Friend” أبعد من ذلك بكثير؛ وقامت بتشكيل شخصية سانتا الحديثة وربطها مع عيد الميلاد. وقال بولر: ’’هنا شهدنا ظهور سانتا كلوز،‘‘ وأضاف: ’’لقد أخذوا شخصية القديس نيكولاس السحرية – جالبة الهدايا، وقاموا بتجريده من أي خصائص دينية، وألبسوا سانتا هذا فراءً مشابهًا للشخصيات الجيرمانية الشعثاء التي تقدم الهدايا.‘‘
هذه الشخصية جلبت الهدايا للفتيات والفتيان الطيبين، لكنه كان يحمل عصى التأديب أيضًا، وأشارت القصيدة إلى «توجيه يد الوالدين لاستخدامها عند انحراف الأبناء عن سمات الفضيلة.» وتم سحب عربة سانتا الصغيرة من قبل حيوان رنة مفرد — ولكن كل من السائق وفريق العمل خضعوا للتجديد في السنوات اللاحقة.
في عام 1822 كتب كليمنت كلارك مور (Clement Clarke Moore) قصيدة بعنوان «زيارة من القديس نيكولاس» – “A Visit From St. Nicholas” والمعروفة أيضًا باسم «ليلة قبل عيد الميلاد» – “The Night Before Christmas”، لأطفاله الستة، مع عدم وجود نية لإضافة ظاهرة سانتا كلوز العائم. تم نشر القصة مجهولة الكاتب في العام التالي، وحتى يومنا هذا لا زال سانتا المرح البدين، يقود عربة تجرّها ثمانية من حيوانات الرنة.
وقال بولر: ’’لقد انتشرت هذه الصورة بسرعة هائلة،‘‘ ولكنها كانت مشابهة لقصة القصيدة، وفسحت المجال للكثير من الخيال، وشهد القرن التاسع عشر ظهورًا لشخصية سانتا في ملابس ملونة، وأحجام مختلفة مصغّرة وضخمة، ومجموعة متنوعة من أشكال مختلفة. وقال بولر أيضًا: ’’لدي صورة رائعة له يبدو فيها مثل جورج واشنطن تمامًا وراكبًا عصا المكنسة.‘‘
وأضاف أنه حتى أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت صورة سانتا موحدة كشخص بالغ كامل الحجم، يرتدي رداءً أحمر بحافات مزيّنة بالفراء الأبيض، يقوم بالمغامرات من القطب الشمالي في زلّاجة تحركها حيوانات الرنة ويراقب تصرفات الأطفال.
إن شخصية سانتا المرحة والبدينة وحاملة وجه العجوز تم إنشاؤها إلى حد كبير من قبل توماس ناست (Thomas Nast)، رسام الكاريكاتير السياسي الكبير في الحقبة التي شهدت العديد من الأحداث. وأضاف بولر: ’’مع ذلك؛ فإن ناست جعله بنصف الحجم الذي كان عليه،‘‘ وقال أيضًا: ’’وفيما أعتقده عنه فهو غير لائق نوعًا ما بما يشبه ملابس داخلية طويلة تُعرف بأطقم جونز.‘‘

ما أن تأسست أميركا الشمالية، شهدت شخصية سانتا كلوز تراجعًا عكسيًا إلى أوروبا، واستبدال المراسيم المخيفة وإعطاء الهدايا واعتماد الأسماء المحلية مثل (Père Noël) – (فرنسا)، أو (Father Christmas) – (بريطانيا العظمى). وقال بولر: ’’ما حدث هو ترويض هذه الحكايات الجيرمانية التي تبلورت في وقت متأخر من العصور الوسطى.‘‘

لا يؤمن الجميع بـسانتا
على الرغم من جلاء فكرة سانتا بلا شك، إلّا أنها أثارت جدلًا واسعًا.
في روسيا، تعارض سانتا كلوز مع سياسة جوزيف ستالين. قبل الثورة الروسية، كان الجد فروست (ديد موروز) – شخصية روسية خرافية – المفضل لعيد الميلاد الذي اعتمد صفات مقاربة لسانتا مثل سينتركلاس الهولندية (وهي شخصية تاريخية وفلكلورية ومن تقاليد عيد الميلاد في هولندا وبلجيكا، والتي تحضر الهدايا للأطفال في عشية القديس نقولا. – المترجم). وقال بولر: ’’عندما تم تشكيل الاتحاد السوفياتي، ألغى الشيوعيون الاحتفال بمراسيم عيد الميلاد وإعطاء الهدايا.‘‘
وأضاف بولر: ’’ثم في الثلاثينيات، عندما كان ستالين بحاجة إلى تعزيز الدعم، سمح بإعادة ظهور الجد فروست ليس كجالب للهدايا في عشية عيد الميلاد بل في رأس السنة الجديدة،‘‘ وكانت محاولات استبدال مراسيم عيد الميلاد في روسيا غير موفقة في نهاية المطاف، وكذلك المحاولات السوفيتية لنشر نسخة علمانية من الجد فروست، بمعطف أزرق لتجنّب الالتباس مع سانتا، في جميع أنحاء أوروبا.
وقال بولر: ’’في كل مكان ذهبوا فيه بعد الحرب العالمية الثانية، حاول السوفييت أن يستبدلوا تقاليد جلب الهدايا في أماكن مثل بولندا أو بلغاريا.‘‘ وأضاف: ’’لكن السكان المحليين رفضوا التجديد حتى انهار الاتحاد السوفياتي عام 1989 وعادوا إلى تقاليدهم.‘‘
ولا تزال شخصية سانتا مسيّسة حول العالم. وقال بولر بأن القوات الأميركية نشرت نسخة من الرجل الظريف فى جميع أنحاء العالم فى السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة، وتلقت ترحيبًا في العموم، كرمز للكرم الأميركى فى إعادة إعمار الأراضى التى مزقتها الحرب.
في الوقت الحاضر، ومع ذلك، فإن الشعوب في كثير من الدول لديها نسختها الخاصة بهم، إما لأنه يمثل فكرة تسويقية على حساب المسيح أو لمجرد أنه فكرة دخيلة. وأضاف قائلًا: ’’في أماكن مثل جمهورية التشيك وهولندا والنمسا وأميركا اللاتينية، جميعًا يُبدون معارضة قوية جدًّا للحركات المناهضة لسانتا، لأنها شعوب تحاول الحفاظ على تقليد جلب الهدايا الخاص بعيد الميلاد، وحمايتهم من سانتا أميركا الشمالية.‘‘
يبدو أن مثل هذه الجهود من غير المرجح أن توقف الاهتمام المتزايد بسانتا كلوز، ولكن مساعديه يمكن أن يختطفوا له بعض اللحظات في جدول أعماله المزدحم عشية عيد الميلاد.
رابط المقال باللغة الانكليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

كيف بدأ تقليد أشجار عيد الميلاد؟

كتبه لموقع انسايكلوبيديا بريتانيكا: آمي تيكانين نشر بتاريخ: 14/ 12/ 2018 ترجمة: سارة الأعرجي تدقيق: …

هل النبي محمد شخصية حقيقية؟ خلاف بين الباحثين في الدين الإسلامي

كتبه لموقع شبيغل أونلاين: ياسين موشربش نشر بتاريخ: 18/ 9/ 2018 ترجمة: إبراهيم العيسى تدقيق: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *