الرئيسية / أجتماع / كيف يرى أرسطو الصداقة الحقيقية؟

كيف يرى أرسطو الصداقة الحقيقية؟

كتبه لموقع البغ ثنك: سكوتي هنركس
بتاريخ: 30 – أيلول 2017
المترجم: أحمد حازم سلطان
تدقيق: نعمان البياتي
تصميم الغلاف:حسام زيدان

سمِّ لي خمسة من أصدقائك المقربين، أنا بانتظارك؛ فكر في الأشخاص الذين باستطاعتك إخبارهم أي شيء، أولئك الذين استمرت معرفتك بهم لمدة طويلة، أو أولئك الذين بمقدورك الاتصال بهم دائماً. فكر الآن بعدد الأشخاص في فيسبوك الذين بمقدورك حقاً قول أي شيء لهم كتلك المجموعة. كل منّا مازال يملك شخصاً منذ الثانوية على حساباتنا في فيسبوك ولا نفكر فيه إلا في يوم عيد ميلاده.
بحسب رقم (دنبر)، فإن الحد الأقصى لعدد العلاقات الاجتماعية ذات المعنى والتي بمقدورك أن تمتلكها، هو 150. إن ما يملكه المستخدم المتوسط لفيسبوك من الأصدقاء أكثر بكثير من هذا الرقم، كم منهم هم حقاً أشخاص لا تزال تعرفهم؟ كم منهم هم أشخاص تود رؤيتهم لا لأي سبب آخر سوى أنك تستمتع بوجودهم؟
كم من أصدقائك هم حقاً أصدقائك؟ كيف بإمكانك أن تعرف الفرق؟ ما هو ذلك الفرق؟
في رائعته الأخلاقية “أخلاقيات نيكوماتشين”، يُعمل أرسطو عقله الرائع في مشكلة الماهية الحقيقية للصداقة، إذ يرى أرسطو بأن الحياة الطيبة لا تتطلب الفضيلة فحسب، وهو الصلاح الداخلي وما أنت مسؤول عنه إلى حد كبير، وإنما تتطلب أيضاً الأعمال الصالحة الظاهرة للعيان والتي بدورها تيسر للفضيلة، والتي هي ممتعة في حد ذاتها؛ تتضمن هذه الأشياء كون المرء إغريقياً وذكراً وميسوراً مادياً ومتعلماً وبصحةٍ جيدةٍ إلى حد ما وذا حظٍ سعيدٍ وله أصدقاء صالحين. إن السؤال عن ماهية الصديق يمثل أهمية جديدة بالنسبة له.
يُعرف أرسطو في الفصل الثامن من عمله هذا ثلاثة أشكال من الصداقة، وفضيلة واحدة للصداقة، “المحبة” أو المحبة الأخوية. كما في جميع فضائل أرسطو، تقع المحبة في منتصف الطريق بين نقيصتين اثنتين، ففقدان المحبة الأخوية يؤدي إلى نقيصة الأنانية، بينما الشخص الودود بشكل مبالغ فيه مع الجميع يمثل ضرراً أيضاً في طريقهم، ويقر أرسطو بأن “صديق الجميع ليس صديقاً لأحد”. لابد أن تبرع في فن الصداقة، لتكون شخصاً محققاً لذاته، بالمفهوم الأرسطوي.
لكن، ما هي الأشكال الثلاثة للصداقة؟
تمثل صداقة المنفعة النوع الأول من أنواع الصداقة التي شملها أرسطو؛ يرتكز هذا النوع من الصداقات على ما يشترك به شخصان من إمكانية نفع أحدهما للآخر، وغالباً ما يجد الشخص القليل لفعله مع الفرد الآخر كشخص على الإطلاق، فشخصٌ تشتري له شراباً لهذا السبب، بإمكانه تسجيل تذاكر لك، أو حتى جعلك تبدو أفضل بالمقارنة فقط. صداقات كهذه تتضمن تقديم كرم الضيافة، بحسب أرسطو؛ ومن الممكن أن تنتهي هذه الصداقة بسرعة، بمجرد انتهاء الاستفادة من الشخص الآخر.
صداقة المتعة هي النوع الثاني من أنواع الصداقة، وترتكز هذه الصداقة على الاستمتاع بنشاط مشترك والسعي وراء المتع الحسية والعاطفية العابرة، كشخص تحتسي الشراب معه لكنك لن تشاركه تناول العشاء أبداً، وكشخص ترافقه لمباراة كرة قدم لكنك لن تستطيع أبداً أن تحتمل رؤيته في أي مكان آخر. يؤكد أرسطو على كونها صداقة الشباب، وهذه أيضاً، غالباً ما تكون صداقة قصيرة الأجل، فالناس قد تغير ما ترغب بفعله وفجأة يتوقف الاتصال بالصديق.
في كل من هذين النوعين من الصداقة لا قيمة للآخر “في قرارة ذاتهم” ولكنهم وسائل لتحقيق الغاية، فالمتعة لأحدهم ولأمر مفيد للآخر، وبينما يدرج هذان النوعان كصداقات “أقل قيمة” بسبب الدوافع، يكون أرسطو منفتحاً للفكرة النهائية الأعظم، لشكل الصداقة، مظهراً نشأتها في هذين القسمين، بأية طريقة.
القسم الأخير هو الصداقة “الحقة”، صداقة الاستقامة أو صداقة “الخير”، وهؤلاء هم الأشخاص الذين تحبهم لذواتهم، الذين يدفعونك لتكون شخصاً أفضل؛ الدافع الذي يجعلك مهتماً بالشخص هو ذاته وبناءً على ذلك تكون العلاقة أكثر استقراراً من النوعين السابقين. من الصعوبة أن تجد صداقات كهذه بسبب صعوبة إيجاد أناس ملتزمين بالفضيلة. يرثي أرسطو ندرة صداقات كهذه، لكنه يسجل أنها ممكنة بين شخصين فاضلين باستطاعتهم استثمار الزمن المطلوب لتأسيس علاقة كهذه.
على الرغم من تشجيع أرسطو لنا للبحث عن شكل “نقي” للصداقة، فإنه لا يراك شخصاً سيئاً بالضرورة لامتلاكك أصدقاء من النوعين السابقين، فنحن جميعاً لدينا منهم، وعلى الرغم من إقراره أن بعض المتع مضرة لك، لكنه يصف المتعة أيضاً بالشيء الحسن الذي يرغبه الناس ليشعروا بالمتعة. إن المشكلة الحقيقية في صداقات كهذه حينما تخفق في فهم أنها من النوع الأدنى ولا تبذل جهداً لإيجاد علاقات أفضل.
لكن، صداقات المتعة هي كل ما أملكه الآن، فهل أنا شخص سيء؟
لا، لكن الأرسطويون يشجعونك على الارتقاء، ابدأ بالتفكير في صداقاتك. هل هناك أي من الأصدقاء تعتقد أنك ترغب بمعرفته بشكل أفضل؟ أقدم على ذلك! إن لم تنجح، حاول مرة أخرى. إن أرسطو واضح: أصدقاء الفضيلة نادرون، قد تستغرق وقتاً، وقبل نجاح أي شيء، ينبغي أن تكون أنت صالحاً كذلك، فلا ينبغي أن تكون مثالاً صالحاً على الفور، حتى (شيشرون) تساءل عن درجة الصلاح التي ينبغي لك أن تكون عليها لتخلق أصدقاء حقيقيين، لكن فهمنا للمحبة قد يكون مفيداً.
في عالم يتزايد فيه التواصل الاجتماعي بشكل غير مسبوق، فإن السؤال عن “الماهية الحقيقية” للصداقة هو سؤال مهم، فإن إرشادات أرسطو، مع آراءه حول علاقات الصداقة المختلفة وإمكانيات التحسن للأفضل، مقترحات نحن في أمسّ الحاجة لها في عالمنا اليوم.
رابط المقال باللغة الإنكليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

القضاء على الفقر المدقع في شرق اسيا ومنطقة المحيط الهادي 

ترجمة: سهاد حسن عبد الجليل تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   في …

عملية هدم الحضارة

ادريان ولدرج يرثي انهيار منظومة العادات والاعراف    بقلم : ادريان ولدرج ترجمة: سهاد حسن …