الرئيسية / بيئة / كرينلاند تذوب.. أينبغي أن نقلق؟

كرينلاند تذوب.. أينبغي أن نقلق؟

على مدار مُعظم العام يَعُم كرينلاند البياض، ألا أن الأمور بدأت تتغيّر الآن، فحاليّاً تفقد كرينلاند 350 كيكا طُن من جليدها سنويّاً، حيث أن 50% من الجليد يذوب، و 50% من الأنهار الجليدية يتجزّء إلى جبال جليدية التي تذوب والتي مصيرها الذوبان أيضاً.
ولنُقرب الصورة أكثر فإن كمية الجليد المفقود في كرينلاند يُعادل 6 أضعاف الأنهار الجليدية الموجودة في جبال الألب، وعلى الرغم من أن هذه الكمية ضئيلة جداً مقارنة بالجليد المتبقي في كرينلاند ألا أنك كمية الذوبان هذه خطرة بما يكفي لرفع مستوى البحار عالمياً بإستمرار الذوبان مليميتراً بعد آخر، وسنة بعد أُخرى، وهذا يستدعي إهتماماً أكثر من مجرد تتبع الأنهار الجليدية فحسب.
1
التوازن السلبي
يَعلم خُبراء الأنهار الجليدية أن كرينلاند تفقد الثلوج أكثر من تراكمها منذ عام 2000، وهذه نقطة التحوّل، حيث يمتلك هؤلاء الخُبراء قياسات جيدة عن حال الجليد منذ 1990 الى يومنا هذا، وبالأخص حجم الجليد، فمنذ 1990 وحتى عام 2000 كان معدل ذوبان الجليد مساوياً لمعدل تراكم الثلوج، أما اليوم فالتوازن سلبي.
كيف يعلم العُلماء هذا؟ .. لدى العلماء عدّة وسائل ومن أفضلها القمر الصناعي المُسمّى GRACE وهو إختصار لـ (Gravity Recovery And Climate Experiment)، وهذا القمر مُستمر بقياس كتلة الجليد مُنذ 10 سنوات جيث أن تراكم الكُتلة(الثلوج) في كرينلاند يكون في الشتاء، ويذوب الجليد في فصل الصيف، ويكون هذا القمر الصناعي مميزاً لكونه يُسجل البيانات إسبوعياً وبذلك يُمكننا أن نُقارن الذوبان إسبوعاً بآخر وسنةً بأُخرى ومستقبلاً سيكون بمقدرتنا أن نقارن عقداً بآخر.
أقمار صناعيّة أخرى تقيس كثافة الجليد، حيث يُمكننا عن طريق هذه الأقمار أن نقيس كمية الثلج المُسال الذي يتدفق نحو المُحيط، ومثالاً على هذا النوع من القياس تقوم ناسا بقياس سُمك الجليد عن طريق رادار ثاقب للجليد مثبت في طائرة تحوم حول كرينلاند منذ عام 2000، أما وكالة الفضاء الأوربية فتقوم بنفس الفعل عن طريق أقمار صناعية مثل CryoSat2، وأما على صعيد البيانات المأخوذة أرضياً فيصعُب فهم كيفية تغيير النظام أو فرضيات مُعايرة الأجهزة.
أول محطة آليّة لقياس الطقس أنشئت في موقعٍ بحثيّ في كرينلاند عام 1990 على المنحدر الغربي لصفيحة الجليد ويبعُد 80كم عن بلدة إيلوليسات الساحليّة، وقد تم إختيار هذا الموقع عمداً للمعسكر السويسري الخاص بالطقس، حيث تعتبر هذه المنطقة ”خط إنتصاف الإرتفاع العمودي“ equilibrium line altitude وتدعى إختصاراً ELA، حيث في هذه النُقطة يتساقط الثلج على طول العام، ويذوب خلال الصيف، فلو أتجهت جنوباً نحو الساحل ستُلاحظ فقدان الثلوج أكثر من تساقطها ،ولو إتجهت شمالاً سترى تساقط الثلوج بكثافة أكبر. فالـ ELA تكون فيصل التوازن الجَليدي، وهذا التوازن قد تغير، فمنذ 1990 إنحاز هذا الخط نحو 50كم بإتجاه اليابسة، وكذلك قد ذاب الجليد بإرتفاع 12م عند المُعسكر السويسري، وهذا يُعتبر تغيُراً فيزيائياً عظيماً لا يُمكن تجاهلهُ مطلقاً.
فكل هذه الأجزاء مُتجمعة تُشير الى شيئاً واحداً وهو أن ذوبان الجليد في كرينلاند خطيراً وفي تزايد، وهو مرتط بزيادة ابعاث CO2 التي يسببها الإنسان، ومن المُثير للقلق أن سطح طبقة الجليد في كرينلاند قد بدأ تسارع ذوبانه منذ عام 1979، وقد كان السؤال الأكبر أن أحداث الذوبان هذه ستستمر بالتزايد أم أنها مجرد دورة مُتكررة، فالآن يمكننا أن نُجي على هذا السؤال بأنها أحداث متزايدة ومستمرة.
لِم علينا جميعاً أن نهتم بشأن كرينلاند؟
لماذا يجب أن يهتم مديراً تنفيذياً بشركة ما أن يلقي بالاً لِما يحدث في جيرة نائية مثل كرينلاند؟ فربما الأهم بالنسبة له هو فرص الشحن بالسُفن، أو ربما إستخراج الموارد الطبيعية، أو صيد الأسماك أو السياحة، ولكن على وجة الدقة فالقادة الإقتصاديون مثل بيتر باكر (المدير التنفيذي للمجلس الإقتصادي العالمي للتنمية المُستدامة) حيث يُدرك هذا الرجل أن كرينلاند تُشكل علامة فارقة في قضية الإحتباس الحراري العالمي المُستمرة، وأنها مؤشراً مخاطر إقتصادية على المدى البعيد.
2
ولذلك فإن كرينلاند تشكل خطورة على الإقتصاد العالمي لــثلاث أســباب :
  1. نقطة مِحورية في الإحتباس الحراري:
نشرت مجلة الإيكونوميست تقاريراً عن الخسائر الإقتصادية الناجمة عن الإحتباس الحراري في عام 2006، وكذلك خمنت في عام 2014 حجم التكاليف الإقتصادية الناتجة من التغيّر المُناخي، حيث ساهمت في نشر معلومات عن خطورة وأهمية كرينلاند.
كذلك فإن صفائح الجليد في كرينلاند تلعب دوراً هاماً في عكس الأشعة الشمسية نحو الفضاء، ضمن ظاهرة تسمى بـ ”تأثير البياض الأرضي“ حيث يعكس اللون الأبيض للثلج الأشعة، وبما أن معدل البياض ينخفض بإنخفاض كثافة الجليد لكونها تذوب بإضطراد فإن ذلك أدى الى ارتفاع معدلات الإحتباس الحراري، مما يجعل الكوكب أعلى حرارةَ، فمثلاَ: التغيّر الملحوظ في المُخيم السيسري بمساحة 50 كم عجّل فقدان تأثير البياض، فعند نقطة الـ ELA كان الثلج أكثر سُطوعاً حيث يعكس 80% من الضوء الساقط عليه، أما اليوم وبفقدان مساحات واسعة من الطبقات الثلجيّة، فإن تأثير البياض إنخفض بنسبة 40-50%، ويسبب هذا الفقدان بقاء الجليد الذي يكون أغمق من الثلج، وبذلك يذوب الجليد بسرعة أكبر عندما تنعكس أشعة الضوء بنسبة 40% فقط.
فهذه التغييرات عظمى وجسيمة، حيث أنه في الماضي كانت تعود الطاقة الشمسية الى الأعلى بالإنعكاس، أمّا اليوم فهذه الطاقة تبقى تَحوم على السطح مُسببةً ذوبان الجليد بعُمق أكبر، ولهذا فإن ذوبان الجليد في كرينلاند يُعجّل التغيير المناخي، مسبباً خسائر إقتصادية مؤثراً بصناعات متنوعة.
في نيسان الماضي بدأ الذوبان بكرينلاند مُبكراً بسبب إرتفاع درجات الحرارة عن المُعتاد، ففي ذلك الوقت حدث ذوباناً غير متوقع في الساحل الغربي للجزيرة، على إرتفاع 2000م، حيث أن المعتاد أن درجة الحرارة على ذلك الإرتفاع تكون -20 درجة مئوية، ألا أنها كانت 0 مئوي.
2. مخاطر إرتفاع مستوى البحر:
تُعد جزيرة كرينلاند أكبر جزيرة في العالم، فلو قدرنا على إزاحة جميع الجليد في كرينلاند نحو المحيط فإن ذلك سيؤدي الى إرتفاع مستوى البحر بـ 6 أمتار، وهذا سيُغرق معظم المدن الساحلية في العالم، فبإرتفاع درجة حرارة كرينلاند الى 2ْ بحلول 2100، فإن ذلك سيؤثر على 130 مليون نسمة حول العالم من ذوبان الجليد في كرينلاند والقُطب الجنوبي والجبال الجليدية، وبإرتفاعها الى 4ْ سيتأثر نحو 470 الى 760 مليون نسمة يعيشون في المُدن الكبرى الساحلية، مثل: شانغاي، تيانجين، داكا، كالكوتا، مومباي، هونغ كونغ، جاكارتا، تاي زهاو، حيث أن هذه المدن ستكون جزئياً تحت مستوى البحر.
3. الطقس المُتطرف:
تلعب كرينلاند دوراُ هاماُ في ضبط الطقس في الجُزء الشمالي من الكرة الأرضية، بالإضافة الى تأثيرها على المستوى العالمي، تشبه المفتاح على شكل جبل عظيم، حيث يتأثر الطقس بالرياح وتذبذب هطول المطر على سفح الجبل، فعندما نقوم بتقليص إرتفاع كرينلاند من خلال تذويب الجبال الجليدية، وهذا سيؤدي الى تغيير دوران كُتلة الهواء. ولأن كرينلاند مُرتفعة، فهي تعمل كألة لصناعة الطقس لأوربا.
وعلى المدى البعيد فإن التغيير بصورة كبيرة سيؤدي الى خسائر إقتصادية فادحة، فمع زيادة تطرف المناخ أتى على خسائر للعديد من الصناعات عِدة وببلدان مختلفة، وبذلك فإن أي تغيير في كرينلاند سيؤدي إلى نتائج سيئة.
المصدر: هنا

عن Sayf A. Dawood

كيميائي ولي إلمام بالآداب واللغة الانكليزية، "أُترجم لكي أتعلّم"

شاهد أيضاً

كيف أصبحت الحياة كلها تنافسًا شديدًا ودائمًا؟

من مجلة (ذي أتلانتك) تنشر في عدد أيلول/سبتمبر 2019 ترجمة: ابراهيم العيسى تدقيق: عمر اكرم …

حدود الطاقة النظيفة

بقلم: جيسون هيكل منشور بتاريخ: 6 أيلول/سبتمبر، 2019 ترجمة: آلاء عبد الأمير تدقيق: عمر اكرم …