الرئيسية / ثقافة / مفارقة فيرمي

مفارقة فيرمي

بقلم تيم أوربان

يشعر الجميع بشيءٍ ما عندما يكونون في مكانٍ تضيؤه النجوم بشكلٍ جيد في ليلة مرصّعة بالنجوم، فينظرون إلى الأعلى فيبصرون هذا :

Stars-fixed

يُصر بعض الناس على الأفكار التقليدية، فيشعرون بالإنبهار بالجمال الإسطوري أو يتسمّرون أمام الحجم الجنوني للكون. شخصياً، أنا أصاب بالإنهيار الوجودي الذي يتلوه التصرف بغرابة لمدة نصف ساعة قادمة. لكن الجميع يشعر بشيءٍ ما في النهاية.

وكذلك حال عالم الفيزياء إنريكو فيرمي، الذي شعر بشيءٍ هو الآخر فتساءل، “أين الجميع؟”

____

تبدو السماء المرصعة بالنجوم واسعة حقاً – لكن كل ما ننظر إليه لا يتعدى منطقتنا الشديدة المحلية. ففي أفضل الليالي، يمكننا مشاهدة ما يقرُب من 2500 نجم تقريباً (علماً بأن هنالك ما يقارب المئة مليار نجم في مجرتنا)، وتقع جميعها تقريباً على بعد أقل من 1000 سنة ضوئية عنا (أو ما يعادل 1 في المئة من قطر مجرة درب التبانة). لذلك فإن حقيقة ما ننظر إليه هو هذا :

1

تعليق الصورة (تتألف سماء ليلتنا المضيئة من مجموعة صغيرة من أكثر النجوم بريقاً وأقربها إلينا والموجودة في الدائرة الحمراء)

عندما نواجه موضوع النجوم والمجرات، فإن السؤال الذي يؤرق معظم البشر هو، “هل هنالك حياة ذكية أخرى هناك؟” دعونا نضع بعض الأرقام لتوضيح ذلك –

بقدر العدد الهائل من النجوم المتواجدة في مجرتنا (حوالي 100-400 مليار)، فإن هنالك عدداً مساوٍ لها تقريباً من المجرات في الكون الذي تمّ رصده – لذلك فمقابل كل نجمة في مجرة درب التبانة الضخمة، هناك مجرة كاملة في الكون. وبناءاً على ذلك، وبأخذ الإعتبار في أن كل واحدة منها تتألف في العادة من عددٍ إجمالي للنجوم يتراوح ما بين 10 أس 22 و10 أس 24 نجم، نتوصل إلى أنه ومقابل كل ذرة رمل على أي شاطيء على الأرض، هنالك 10 آلاف نجمة في الكون.

لم يتوصل عالم العلم إلى إتفاقٍ تام بشأن النسبة المئوية لتلك النجوم “الشبيهة بشمسنا” (الأصغر حجما، والأقل حرارة وبريقاً) – حيث تتراوح التقديرات ما بين 5% و20%. وإذا ما مضينا في الجانب الأكثر تحفظاً في ذلك، أي 5%، ومع أقل تقديرٍ ممكن لإجمالي عدد النجوم، أي 10 أس 22، فهذا يعني وجود 500 كوينتليون نجم، أو 500 مليار مليار من النجوم الشبيهة بشمسنا في الكون.

كما إن هنالك جدلاً حول النسبة المئوية لتلك النجوم الشبيهة بالشمس والتي من الممكن أن يدور حولها كوكبٌ شبيه بالأرض (كوكبٌ يتوفر على ظروف مناخية وحرارة مماثلة ومن الممكن أن يحتوي على مياه في حالة سائلة يمكنها دعم وجود حياة شبيهة لهذه الموجودة على سطح الأرض). يقول البعض بأن النسبة تقارب ال50 في المئة، لكن دعنا نذهب مع الجانب الأكثر تحفظاً والذي يقدر النسبة بحدود 20% كما جاء في الدراسة الأخيرة التي نشرتها “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم PNAS. ويقترح هذا وجود كوكبٍ واحد يشبه بالأرض وقابل للسكن يدور حول ما يقرب من 1 في المئة على الأقل من إجمالي عدد النجوم في الكون – أي ما مجموعه 100 مليار مليار من الكواكب الشبيهة بالأرض.

لذلك، فإن هنالك 100 من الكواكب الشبيهة بالأرض مقابل كل حبة رمل في العالم. فكر في ذلك عندما تكون على الشاطيء في المرة القادمة.

وبالمضي قدماً، لن يكون لدينا خيارٌ سوى أن نخضع للإفتراضات بشكلٍ كامل. دعنا نتصور أنه وبعد مليارات السنين من الوجود، ستتطور الحياة على 1 في المئة من الكواكب الشبيهة بالأرض (وإذا ما كان ذلك صحيحاً، ستمثل كل حبة رمل كوكباً واحداً تتواجد الحياة على سطحه). ولنتخيل بأنه على سطح الـ 1 في المئة من تلك الكواكب، ستتطور الحياة إلى مستوى الذكاء الذي وصلت إليه الحياة على الأرض. سيعني هذا وجود 10 كوادرليون، أو 10 ملايين مليار من الحضارات الذكية في كوننا المرئي.

وبالإنتقال مجدداً إلى مجرتنا فحسب، وإجراء ذات الحسابات وفق أقل التقديرات لأعداد النجوم في درب التبانة (100 مليار)، سيمكننا تقدير وجود مليار كوكب شبيه بالأرض و100 ألف حضارة ذكية في مجرتنا لوحدها. (1)

تعتبر SETI  – أو البحث عن كائنات ذكية خارج الأرض – منظمة مكرّسة لرصد إشارات من حياة ذكية أخرى. وإذا ما كنا على حق، فإن هنالك 100 ألف أو أكثر من الحضارات الذكية في مجرتنا، وأن هنالك جزءاً منها على الأقل يقوم بإرسال موجات راديوية أو أشعة ليزر أو غيرها من طرائق محاولات الإتصال بالآخرين، فهل من غير الممكن ألاّ تتمكن الأقمار الصناعية لمجموعة سيتي من إلتقاط جميع أنواع الإشارات؟

لكن ذلك لم يحصل، ولو حتى لمرة واحدة فحسب.

فأين هم الجميع؟

لكن الأمر يزداد غرابة، حيث إن شمسنا تعد حديثة السن نسبياً في عمر الكون. وهناك نجوم أكبر سناً وكواكب شبيهة بالأرض أقدم من أرضنا بكثير، وهذا يعني – من الناحية النظرية – وجود حضاراتٍ أكثر تقدماً من حضارتنا هناك الآن. وكمثالٍ على ذلك، لنقارن كوكب الأرض البالغ عمره 4.54 مليار سنة بالكوكب أكس الإفتراضي البالغ عمره 8 مليارات عام.

2

فإذا ما كان لكوكب أكس قصة مشابهة لقصة الأرض، فدعونا نلقي نظرة على الحضارة التي يمتلكها سكانه اليوم (بإستخدام المدى الزمني البرتقالي كمرجع لإظهار الزمن الهائل مقارنة بالمدى الزمني بالأخضر) :

3

 

إن التكنولوجيا والمعارف للحضارات السابقة لنا بـ 1000 عام فقط يمكن أن تكون صادمة بالنسبة إلينا، كما سيكون حال عالمنا الحالي بالنسبة لشخصٍ من القرون الوسطى. لذا فإن حضارة تسبقنا بمليون عام من الممكن أن تكون غير مفهومة بالنسبة إلينا كما هو حالة الثقافة الإنسانية بالنسبة للشمبانزي. والكوكب أكس يسبقنا بـ 3.4 مليار سنة.

هنالك شيءٌ يُسمى مقياس كارداشيف، وهو مقياس يُساعدنا على حصر الحضارات الذكية في ثلاث فئاتٍ عريضة وفقا لكمية الطاقة التي تستخدمها كلٌ منها:

حضارات النوع الأول: حضارات لديها القدرة على إستخدام كافة أشكال الطاقة المتوفرة على كوكبهم. نحن لسنا من النوع الأول بشكلٍ تام، ولكننا قريبون من ذلك (وضع كارل ساغان معادلة لهذا المقياس ووضعنا ضمن النوع 0.7 في مقياس الحضارات).

حضارات النوع الثاني: حضارات بإمكانها تسخير كل الطاقة التي يوفرها لهم النجم المستضيف. بالكاد يستطيع دماغنا الضعيف من النوع الأول تصور قيام أحدهم بفعل ذلك، ولكننا بذلنا قصارى جهدنا لتخيل ذلك، من خلال تصور أشياء من قبيل المجال دايسون. 

حضارات النوع الثالث: حضارات تستغل الطريقتين معاً، لتحصل على طاقة مماثلة لتلك المتوفرة في مجرة درب التبانة بالكامل.

إذا ما بدا هذا المستوى من التقدم صعب التصديق، تذكر كوكب أكس أعلاه والـ 3.4 مليار سنة من تقدمهم السابق لنا. إذا ما كانت الحضارة على كوكب أكس مشابهة لحضارتنا وكانوا قادرين على البقاء على قيد الحياة طوال الفترة اللازمة للوصول إلى مستوى حضارات النوع الثالث، فإن التفكير الطبيعي يرجح كونهم يمتلكون ما يمكنهم من السفر بين النجوم الآن، وربما حتى إستعمار المجرة بأكملها.

إحدى الفرضيات حول كيفية إستعمار المجرة يمكن أن يحدث عن طريق بناء آلية بإمكانها السفر إلى الكواكب الأخرى، وقضاء 500 عام أو ما شابه، والتكاثر ذاتياً بإستخدام المواد الخام على الكوكب الجديد، ومن ثم إرسال نسختين مماثلتين للقيام بذات الشيء. وحتى من دون السفر إلى أي مكان بما يقرُب من سرعة الضوء، فإن هذه العملية ستتمكن من إستعمار المجرة بأكملها في 3.75 مليون عام، وهي بمثابة غمضة عين عندما نتحدث في نطاق المليارات من السنين:

وبالمضي في الإفتراضات، فإذا ما تمكنت 1 في المئة من الحياة الذكية من البقاء على قيد الحياة لفترةٍ كافية لتصبح من حضارات النوع الثالث القادرة على إستعمار المجرة، وحساباتنا أعلاه تقترح وجوب وجود ما لا يقل عن 1000 من حضارات النوع الثالث في مجرتنا لوحدها – ومع أخذ الطاقة التي تمتلكها مثل تلك الحضارة بنظر الإعتبار، فإن وجودهم من المرجح أن يكون ملحوظاً. لكن مع ذلك، نحن لا نرى شيئا، ولا نسمع شيئا، ولم يزرنا أحدٌ بعد.

فأين هم الجميع إذن؟

مرحباً بكم في مفارقة فيرمي

ليس لدينا جواب لمفارقة فيرمي – وأفضل ما يمكننا تقديمه هو “تفسيرات محتملة”. وإذا ما سألت عشرة علماءٍ مختلفين عن حدسهم إزاء التفسير الصحيح، فإنك ستحصل على عشرة أجوبة مختلفة. أنتم تعلمون عندما تسمعون عن الإنسان في الماضي وهو يناقش إذا ما كانت الأرض مستديرة، أو إذا ما كانت الشمس تدور حول الأرض، أو إذا ما كان البرق ينتج بسبب الإله زيوس، فيبدون لنا بدائيين للغاية وكأنهم يعيشون في الظلام؟ هذا هو حالنا اليوم عندما يتعلق الأمر بهذا الموضوع.

ولكي نلقي نظرة على بعض التفسيرات المحتملة الأكثر نقاشاً بالنسبة لمفارقة فيرمي، دعونا نقوم بتقسيمها إلى فئتين واسعتين – تلك التفسيرات التي تفترض عدم وجود أي علامة للحضارات من النوعين الثاني والثالث لأنه ليست هنالك أيٌ منها، وتلك التفسيرات التي تفترض وجودها ولكننا لم نتمكن من رؤيتها أو سماعها لأسبابٍ أخرى:

تفسيرات المجموعة الأولى: لا وجود لأدلة على حضاراتٍ عليا (النوع الثاني والثالث) لأنه ليست هنالك حضارات عليا في الوجود.

 يشير هؤلاء الذين ينضمون لتفسيرات المجموعة الأولى إلى ما يُسمى بمسألة عدم التفرد Non-exclusivity problem، والتي ترفض أي فرضية تقول، “بأن هنالك حضارات أعلى، لكن أيّاً منها لم يطور أي نوعٍ من الإتصال معنا لأنهم جميعاً ____ .” ينظر أفراد المجموعة الأولى إلى الرياضيات، التي تقول بأنه يجب أن يكون هنالك عدة آلاف (أو ملايين) الحضارات العليا، وإن واحدة منها على الأقل يجب أن تكون إستثناءاً للقاعدة. فحتى إذا ما إتفقت النظرية مع 99.99 في مئة من الحضارات العليا، فإن نسبة ال 0.01 في المئة الأخرى ستتصرف بشكلٍ مغاير وسيكون في إمكاننا أن نعلم بوجودها.

لذلك، فبحسب تفسيرات المجموعة الأولى، فمن المؤكد عدم وجود حضاراتٍ متقدمة. وبما أن علم الرياضيات يفترض وجود الآلاف منها في مجرتنا، فإن شيئا آخراً من المؤكد بأنه يحدث الآن.

ويُطلق على ذلك الشيء الآخر إسم التصفية العظمى Great Filter.

تقول نظرية التصفية العظمى بأنه وعند نقطةٍ ما من المرحلة ما بين فترة ما قبل الحياة وفترة وصول ذكاء حضارات النوع الثاني، هنالك جدارٌ ما تصطدم به كل أو تقريبا كل محاولات الحياة. هناك مرحلة في عملية التطور الطويلة هذه يكون من غير المرجح أو من المستحيل للحياة أن تتجاوزها. وتسمى تلك المرحلة بالتصفية الكبرى.

إذا ما كانت هذه النظرية صحيحة، فإن السؤال الكبير هو، في أي فترةٍ زمنية تحدث التصفية الكبرى؟

ثم إتضح بأنه عندما يتعلق الأمر بمصير البشر، فإن هذا السؤال مهمٌ جداً. وتبعاً للمكان الذي ستحدث فيه التصفية الكبرى، فإننا أمام ثلاث وقائع محتملة: أن نكون إستثنائيين، أن نكون أول من يتعرض لذلك، أو أنه سيتم تدميرنا.

1- نحن إستثنائيون (التصفية الكبرى قد حصلت قبلنا)

من بين آمالنا أن تكون التصفية الكبرى قد حصلت قبلنا – وأننا تمكنا من إجتيازها، وهذا ما يعني بأنه من النادر للغاية أن تنجح الحياة في الوصول إلى مستوى ذكائنا. يوضح الرسم البياني أدناه نوعين من الكائنات تمكنت في العبور، ونحن أحدهما.

سيكون بإمكان هذا السيناريو تفسير عدم وجود حضارات النوع الثالث … لكنه سيعني أيضا بأننا يمكن أن نكون من الإستثناءات القليلة الآن التي نجحت في الوصول لهذه النقطة. وسيعني ذلك أيضا بأن لدينا بعض الأمل. ومن الوهلة الأولى، سيبدو ذلك قليلاً كما لو كان الناس قبل 500 عام يعتقدون بأن الأرض مركز الكون – ويعني ذلك بأننا متميزون. مع ذلك، فإن شيئاً يسميه العلماء “تأثير إختيار المراقبة” يقترح بأن أي شخص يتأمل في تفرده الخاص على أنه جزء طبيعي من حياتنا الذكية “قصة نجاح” – وسواء أكانوا إسثنائيين حقاً أو شائعين جداً، فإن الأفكار التي يتأملونها والإستنتاجات التي سيتوصلون إليها ستكون متطابقة. وهذا يجبرنا على الإعتراف بأن كوننا متميزين هو أحد الإحتمالات على الأقل.

وإذا ما كنا متميزين، فمتى بالضبط قد أصبحنا كذلك – أي ما هي الخطوة التي تخطيناها فيما علق كل الآخرون تقريباً فيها؟

الإحتمال الأول: يمكن أن تكون التصفية الكبرى في بدايتها – ويبدو من غير المألوف بشكلٍ كبير أن تبدأ الحياة على الإطلاق. وهذا أمرٌ مرجح لأن وجود الأرض إستغرق مليار عام لكي يحصل في نهاية المطاف، ولأننا حاولنا وبجهدٍ كبير تكرار ذلك الحدث في المختبرات من دون القدرة على القيام بذلك. وإذا ما كان ذلك هو التصفية الكبرى، فإن ذلك لا يعني بأنه ليست هنالك حياة ذكية هناك، بل قد لا تكون هنالك حياة أخرى على الإطلاق.

الإحتمال الآخر: يمكن أن تكون التصفية الكبرى تلك القفزة من الخلية البسيطة بدائية النواة إلى الخلية المعقدة حقيقية النواة. فبعد أن ظهرت الخلايا بدائية النواة إلى حيز الوجود، بقيت على تلك الحال طوال مليارين عام قبل أن تنجح في إحداث قفزة تطورية لتصبح خلايا مقعدة تحتوي على نواة. فإذا ما كان ذلك هو التصفية الكبرى، فذلك يعني بأن الكون يعج بالخلايا البسيطة بدائية النواة ولا شيء غير ذلك.

هنالك عددٌ آخر من الإحتمالات – بل إن البعض منها يعتبر القفزة الأخيرة التي قمنا بها إلى مستوى ذكائنا الراهن هي النقطة المرشحة لتمثيل التصفية الكبرى. وبينما لا تبدو القفزة من الحياة شبه الذكية (الشمبانزي) إلى الحياة الذكية (الإنسان) لأول وهلة وكأنها خطوة خارقة، يرفض ستيفن بينكر فكرة حتمية “التطور إلى أعلى السلم”: “بما أن التطور لا يسعى إلى هدف، وأنه يحصل فحسب، وأنه يستخدم التكيف الأكثر ملاءمة لبيئة مكانية معينة، وحقيقة كون ذلك، على الأرض، قد أدى لتولد ذكاءٍ تكنولوجي مرة واحدة فقط حتى الآن، فقد تشير نتيجة الإنتخاب الطبيعي هذه نادرة وبأنه وبأي حالٍ من الأحوال يمثل تطورا معينا في تطور شجرة الحياة.”

لا تتأهل معظم القفزات لتمثل نقطة التصفية الكبرى. ويجب أن تكون أي نقطة تصفيةٍ كبرى محتملة واحدة من مليار شيء حيث تحتاج لوقوع شيءٍ واحد أو أكثر من مجموع الحوادث الخارقة لتوفر إستثناءاً جنونياً – ولهذا السبب، فإن شيئاً من قبيل القفزة من الخلية الواحدة إلى الحياة متعددة الخلايا مستبعد، لأنه قد حصل لما لا يقل عن 46 مرة، في حوادث متفرقة، على سطح هذا الكوكب لوحده. ولذات السبب، فإننا إذا ما كنا سنعثر على متحجر لخلية حقيقية النواة على كوكب المريخ، فإنه سيستبعد فرضية “القفزة من الخلايا البسيطة إلى الخلايا المعقدة” كمرشحٍ محتمل لتمثيل التصفية الكبرى (وكذلك الحال مع أي شيءٍ قبل الوصول لتلك النقطة على سلسلة التطور) – لأنها إذا ما حدثت على الأرض والمريخ معاً، فإنها من المؤكد تقريبا ليست الحدث الغريب الذي يحدث بنسبة واحدٍ في كل مليار.

إذا ما كنا إستثنائيين حقاً، فمن الممكن أن يكون ذلك بسبب حدثٍ بيولوجي وقع بالصدفة، لكنه من الممكن أن يُعزى أيضاً لما يعرف بإسم فرضية الأرض النادرة، والتي تقترح بأنه وعلى الرغم من إمكانية وجود العديد من الكواكب الشبيهة بالأرض، فإن الظروف المعينة على الأرض – سواء أكانت تتعلق بتفاصيل هذا النظام الشمسي، أو علاقتها مع القمر (حيث إن قمراً بهذا الكبر أمرٌ غير إعتيادي بالنسبة لمثل هذا الكوكب الصغير، وهو يسهم في تشكيل ظروفنا المناخية وأحوال المحيطات الخاصة بنا)، أو شيئاً يتعلق بالكوكب نفسه – يجعله صديقاً “ودوداً” للحياة بشكلٍ إستثنائي.

2- نحن الأوائل

بالنسبة لمفكري المجموعة الأولى، فإنه إذا لم تكن التصفية الكبرى وراءنا، فإن أحد آمالنا أن تكون الأوضاع في الكون قد وصلت مؤخراً، وللمرة الأولى منذ الإنفجار العظيم، إلى المكان الذي من شأنه أن يسمح للحياة الذكية بالتطور. في هذه الحالة، قد نكون، نحن والعديد من الكائنات الأخرى، في طريقنا نحو الذكاء الفائق، وإن ذلك ببساطة لم يحدث حتى الآن. وقد صادف أن نكون ههنا في الوقت المناسب لنصبح واحدة من أولى الحضارات فائقة الذكاء في العالم.

من بين الأمثلة على ظاهرة من الممكن أن تجعل ذلك الأمر واقعياً إنتشار إنفجارات أشعة غاما، الإنفجارات الضخمة بشكلٍ جنوني التي تم رصدها في المجرات البعيدة. وهو نفس الأمر الذي قد إستغرق الأرض المبكرة قبل بضع مئاتٍ من ملايين السنين قبل أن تخمد الكويكبات والبراكين وتصبح الحياة ممكنة، من الممكن أن يكون ذلك المقدار الأول من وجود الكون مليئاً بالأحداث الكارثية من قبيل إنفجارات أشعة غاما التي من شأنها أن تحرق كل شيء بالقرب منها بين الفينة والأخرى وتمنع بذلك إي شكلٍ من أشكال الحياة من التطور وإجتياز مرحلة معينة. الآن، من الممكن أن نكون في خضم مرحلة إنتقالية كونية بيولوجية وأنها المرة الأولى التي يتمكن فيها شكل من أشكال الحياة من أن تتطور طوال هذه الفترة الزمنية الطويلة، من دون إنقطاع.

3- سوف يتم تدميرنا (التصفية الكبرى في إنتظارنا)

أما إذا لم نكن إستثائيين ولم نكن الأوائل، فإن ذلك يدفع مفكري المجموعة الأولى للإستنتاج بأن التصفية الكبرى يجب أن تقع في مستقبلنا. ومن شأن ذلك أن يقترح كون الحياة تتطور بشكلٍ منتظم لتصل إلى ما نحن فيه، لكن تلك التصفية تمنع الحياة من أن تمضي قدماً لما هو أبعد لتصل ذكاءاً أعلى في جميع الحالات تقريباً – ومن غير المرجح أن نكون نحن إستثناءاً لذلك.

من بين أمثلة التصفيات الكبرى المستقبلية المحتملة تلك الأحداث الطبيعية الكارثية التي تحدث بإنتظام، مثل إنفجارات أشعة غاما المذكورة آنفا، والتي لم تحصل بعد للأسف، وما هي إلا مسألة وقت حتى يتمّ محو جميع أشكال الحياة على الأرض فجأة ودفعة واحدة. والإحتمال الآخر هو الحتمية المحتملة في أن جميع الحضارات الذكية تقريباً تدمر نفسها بنفسها بمجرد الوصول إلى مستوى معين من التكنولوجيا.

هذا هو السبب الذي جعل فيلسوف جامعة أكسفورد نيك بوستروم يقول، “ليست هنالك أخبارٌ جيدة”. إن من شأن إكتشاف حياة ولو بسيطة على المريخ أن يكون مدمراً، لأنها ستخفض من عدد التصفيات الكبرى المحتملة التي خلفناها وراءنا. أما إذا ما عثرنا على متحجرات لحياةٍ معقدة على المريخ، يقول بوستروم، “ستكون تلك وإلى حدٍ كبير أسوأ أخبار تم طبعها على غلاف صحيفة من أيّ وقتٍ مضى،” لأن ذلك سيعني بأن التصفية الكبرى تقريبا بالتأكيد في إنتظارنا – لتبتّ بمصير الأنواع جميعاً في نهاية المطاف. يقول بوستروم بأنه وعندما يتعلق الأمر بمفارقة فيرمي، “فإن صمت السماء المظلمة من ذهب.”

تفسيرات المجموعة الثانية: حضارات النوعين الثاني والثالث الذكية موجودة هناك – وهنالك أسباب منطقية ممكنة تفسر عدم قدرتنا على أن نتواصل معهم.

تتخلص تفسيرات المجموعة الثانية من أية فكرة تقول بأننا إستثائيون أو مميزون، أو أننا الأوائل في أي شيء – بل على العكس من ذلك، يؤمن مفكريها بالمبدأ المعتدل، الذي يبدأ من نقطة تقترح أنه ليس هنالك شيءٌ مميز أو غير إعتيادي في مجرتنا، ومجموعتنا الشمسية، وكوكبنا، ومستوى ذكاءنا، حتى يثبت الدليل خلاف ذلك. كما إنهم أيضا أقل تسرعاً في إفتراض كون عدم وجود أدلة لكائنات ذات ذكاءٍ أعلى دليلٌ على عدم وجودها – مؤكدين على حقيقة كون بحثنا عن إشارات يمتد فقط لمئة سنة ضوئية عنا (أي 0.1 في المئة من جميع أرجاء مجرتنا)، ويشيرون لعددٍ من التفسيرات المحتملة، ههنا 10 منها:

الإحتمال الأول: من الممكن جداً أن تكون الحياة فائقة الذكاء قد زارت الأرض، ولكن قبل أن نكون هنا. ففي مخططات الأشياء، نجد بأن وجود الإنسان الواعي مضى عليه حوالي 50.000 عام، وهي بمثابة ومضة صغيرة من الزمن. فإذا ما حصل الإتصال قبل ذلك، فربما قد إضطر ذلك بعض البط لأن يقفز ويجري نحو الماء، وهذا كل شيء. علاوة على ذلك، فإن التاريخ المسجل ليس أقدم من 5500 عام – حيث يمكن أن تكون مجموعة من قبائل الصيد والإلتقاط القديمة قد شهدت بعض الغائط الفضائي الجنوني، لكنهم لم يكونوا يتوفرون على طريقة جيدة ليخبروا أحداً عن ذلك في المستقبل.

الإحتمال الثاني: أن تكون المجرة قد تم إستعمارها، لكننا نعيش في إحدى المناطق الريفية المقفرة من المجرة. فقد تم إستيطان الأميركيتين من قبل الأوروبيين قبل وقتٍ طويل من إدراك أي شخص من قبيلة الإسكيمو “الإنويت” الصغيرة في أقصى شمال كندا بأن ذلك قد حصل. يمكن أن تكون هنالك عناصر تحضر للمساكن بين النجوم للأنواع العليا، يتم فيها إستعمار جميع الأنظمة الشمسية المجاورة في منطقة معينة وتكون جميعاً في حالة إتصال، وسيكون من غير العلمي وغير المجدي أن يتعامل أي شخص مع مسألة خروجه لإستكشاف ذلك الجزء العشوائي من الدوامة التي نعيش فيها.

الإحتمال الثالث: إن مفهوم الإستعمار المادي مفهوم متخلف لدرجة تثير السخرية بالنسبة للأنواع الأكثر تقدماً. هل تتذكر صورة حضارات النوع الثاني أعلاه مع المجال المحيط بنجمها؟ فمع كل تلك الطاقة، ربما يكونون قد تمكنوا من إنشاء بيئة مثالية لأنفسهم تكفيهم لسد كل إحتياجاتهم. وقد تكون لديهم طرق متقدمة خيالية لتقليل حاجاتهم للطعام والموارد، وليس لديهم أدنى إهتمام في ترك مدينتهم الفاضلة السعيدة لإستكشاف الكون البارد، والفارغ، وغير المتطور.

كما إن حضارة أكثر تطوراً قد تنظر إلى العالم الموجود بأكمله على أنه مكان بدائي فظيع، بعد أن تمكنوا منذ فترة طويلة من هزم كيانهم البيولوجي، وحملوا أدمغتهم بواقعٍ عملي، وفردوسٍ أزلي. وعليه قد يبدو العيش في عالم الأحياء المادي، والموت، والرغبات، والإحتياجات تماماً كما ننظر نحن لأنواع المحيطات البدائية التي تعيش في أعماق البحر المظلم والمتجمد. ولمعلوماتك، إن التفكير في أمر حياةٍ أخرى لديها تفوق كبير في تقليص الوفيات يجعلني غيوراً ومنزعجاً بشكلٍ لا يُصدق.

الإحتمال الرابع: هنالك حضارات مفترسة ومخيفة من حولنا، والحياة الأكثر ذكاءاً تعرف ما هو أفضل من بث إشارات صادرة عنها للإعلان عن مواقعها. وهذه فكرة غير سارة يمكن أن تساعد في تفسير عدم وجود أية إشارات لتستقبلها الأقمار الصناعية لنظام البحث SETI. ويعني هذا أيضا بأننا قد نكون النوع الأكثر سذاجة الذي يمتاز بغباءٍ لا يصدق فيقدم على المجازفة ببث إشارات للخارج لم يقم أحدٌ بها من قبل. هنالك جدل يدور حالياً حيال إذا ما كان علينا الإنخراط في نشاط METI (التراسل مع الكائنات الذكية خارج الأرض، أي عكس SETI) أم لا، وأغلب الناس يقولون بأنه لا يجب علينا القيام بذلك. حذر ستيفن هوكينغ من ذلك قائلاً، “إذا ما زارنا الغرباء، فإن النتيجة ستكون مشابهة لما حدث عندما هبط كولومبوس في أميركا، والذي لم يكن بالشيء الجيد بالنسبة للأميركيين الأصليين.” وحتى كارل ساغان (الذي يؤمن بأن أي حضارة متقدمة بما يكفي لتتمكن من السفر عبر النجوم ستكون بالضرورة غيرية – تتمتع بالإيثار – وغير عدائية) وصف ممارسة نشاط METI للتراسل بأنه “غير ناضج وغير حكيم للغاية”، وأوصى بأن “على الأطفال الأحدث في كونٍ غريب وغير مؤكد الإنصات بهدوء لفترة طويلة، والتعليم بصبر عن الكون وتدوين الملاحظات، قبل أن يصرخوا بصوتهم وسط غابة مجهولة لا نفهمها.” هذا مخيف.

الإحتمال الخامس: هنالك حالة واحدة لحياة أكثر ذكاءاً – حضارة المفترس الفائق (مثل البشر هنا على الأرض) – وهي أكثر تقدماً من أي شيءٍ آخر وتستمر في ذلك التفوق من خلال القضاء على أية حضارة ذكية ما أن تصل إلى مستوى معين من الذكاء. يبدو ذلك فظيعاً للغاية. فطريقة عمل ذلك يمكن أن تماثل إستخداماً غير كفوءٍ للطاقة في إبادة كل الحضارات الذكية الناشئة، ربما لأن معظم البقية يفنون من تلقاء أنفسهم. ولكن عند إجتياز نقطةٍ معينة، تتمكن الكائنات الفائقة من التقدم – لأنه وبالنسبة إليهم، ستكون الأنواع الذكية الناشئة مثل فيروس بدأ في النمو والإنتشار. تقترح هذه النظرية بأن من يكون الأول من نوعه في المجرة بالوصول إلى الذكاء هو الفائز، وإنه ليست هنالك فرصة للآخرين الآن. وهذا ما يفسر عدم وجود أي نشاطٍ هناك لأن عدد الحضارات الفائقة الذكاء منحصرٌ بواحدة فقط.

الإحتمال السادس: هنالك الكثير من النشاط والضوضاء في الكون، لكن تكنولوجيتنا بدائية للغاية ونحن ننصت للأشياء الخطأ. يشابه ذلك تجولنا في مبنى مكتب عصري، ونحن نحول إشارات جهاز إتصال لاسلكي، لنقرر عندما نرصد أي نشاط (وسبب ذلك بالطبع هو أنك لن تسمع شيئاً لأن الجميع يبعث برسائل نصية، ولا يستعمل جهاز إتصال لاسلكي) بأن المبنى لا بد وأن يكون فارغاً. وقد يكون الأمر، كما أشار كارل ساغان، أن أدمغتنا تعمل أسرع أو أبطأ – وبشكلٍ إستثنائي – من أشكال الذكاء الأخرى الموجودة هناك – مثال، ربما يستغرقون 12 عاما في قول كلمة “مرحبا”، وعندما نصغي لذلك النوع من الإتصال، يبدو مثل ضوضاء بيضاء بالنسبة لنا.

الإحتمال السابع: نحن نتلقى إتصالات من حياة ذكية أخرى، لكن الحكومة تخفيها عنا. وكلما تعلمت أكثر عن الموضوع، كلما بدت هذه النظرية أكثر حمقاً، ولكن عليّ أن أذكرها لأن الكثير يتحدث عنها.

الإحتمال الثامن: الحضارات العليا على علمٍ بنا، وتقوم برصدنا (وتعرف أيضاً بإسم فرضية حديقة الحيوانات). بحسب علمنا، تتواجد الحضارات فائقة الذكاء في مجرة محكمة التنظيم، ويتم التعامل مع أرضنا كجزءٍ من حديقة وطنية واسعة ومحمية، مع قواعد صارمة بوجوب “الرصد من دون المساس” للكواكب الشبيهة بكوكبنا. ونحن لا نلاحظهم، لأنه إذا ما رغب نوع أذكى بكثير منا في أن يراقبنا، فمن شأنه أن يعرف كيفية القيام بذلك بسهولة من دون أن يجعلنا ندرك وجوده. ربما يكون هناك حكم شبيه بحكم “الرئيس الموجه” في أفلام ستار تريك والذي يحظر على الكائنات فائقة الذكاء من إجراء أي إتصالٍ مع أنواعٍ أدنى مثلنا، أو أن يكشفوا أنفسهم بأية طريقة حتى تصل الأنواع الأدنى إلى مستوى معين من الذكاء.

الإحتمال التاسع: الحضارات الأعلى هنا، في كل مكانٍ من حولنا. لكننا أكثر بدائية من أن نكتشفهم. وقد لخص ميتشيو كاكو الأمر على هذا النحو:

دعنا نفترض بأن لدينا تلاً للنمل وسط الغابة. وبجوار تل النمل، يتم بناء طرق نقل فائقة السرعة بعشرة خطوط. والسؤال هو، “هل سيكون بإمكان النمل فهم ما يعنيه طريق نقلٍ سريع بعشرة خطوط؟ وهل بإمكان النمل فهم التكنولوجيا وأهداف الكائنات التي تقوم ببناء الخط السريع بالقرب منهم؟

لذلك، فإن الأمر لا يتعلق بعدم قدرتنا على إلتقاط الإشارات من كوكب أكس بإستخدام التكنولوجيا التوفرة لدينا، بل في عدم قدرتنا على فهم ماهية الكائنات على كوكب أكس أو ما يحاولون القيام به. إنهم يفوقوننا بشكلٍ كبير لدرجة إنهم حتى إذا ما رغبوا حقا في تنويرنا، سيكون الأمر مثل محاولتنا لتعليم النمل كيفية إستخدام الإنترنت.

ووفقا لهذه السطور، قد يكون هذا جواباً لهذا السؤال “حسنٌ إذن، إذا ما كانت هنالك الكثير جداَ من حضارات النوع الثالث المتخيلة، فلماذا لم يقوموا بالإتصال بنا حتى الآن؟” وللإجابة عن هذا، دعنا نسأل أنفسنا عما يلي – عندما نجح بيزارو في الوصول إلى البيرو، هل توقف لفترةٍ من الوقت عند عش النمل محاولاً الإتصال بهم؟ وهل كان شهما ليحاول مساعدة النمل في ذلك العش؟ وهل كان عدائياً ليبطيء في مهمته بهدف تدمير عش النمل؟ أم أن عش النمل قد كان عديم الأهمية بشكلٍ كامل ودائم ومطلق بالنسبة لبيزارو؟ وقد يكون حالنا كذلك هنا.

الإحتمال العاشر: نحن مخطئون تماماً بخصوص واقعنا. هنالك الكثير من الطرق التي يمكن أن نكون فيها بعيدين تماماً عن كل شيء نفكر فيه. فقد يبدو الكون بطريقةٍ ما ويكون شيئا مختلفاً تماماً، مثل صورة ثلاثية الأبعاد. وربما نكون نحن الغرباء، وقد تم غرسنا هنا على سبيل التجربة، أو كشكلٍ من أشكال الأسمدة. كما إن هنالك حتى فرصة لأن نكون جميعاً جزءاً من محاكاة حاسوبية يقوم بها بعض الباحثين من عالمٍ آخر، وأن أشكالاً أخرى من الحياة لم تتمّ برمجتها ببساطة في هذه المحاكاة.

____

وبينما نواصل بحثنا العقيم – ربما – عن حياة ذكية خارج الأرض، لا أبدو متأكداً حقاً حيال ماهية ما أؤصل له. بصراحة، سواء أعلمنا رسمياً بأننا الوحيدون في هذا الكون أو أننا نتصل رسمياً بآخرين سيولد شعورا غريباً، وهو موضوع، مع كل الحبكة السريالية الموضحة أعلاه – وأياً ما تكن الحقيقة في الواقع، فإن الأمر مؤثرٌ للغاية.

فبعيداً عن جزء الخيال العلمي الصادم، تتركنا مفارقة فيرمي أيضاً متواضعين بشكلٍ كبير. ليس بسبب التواضع الطبيعي القائل “أوه نعم، أنا كائنٌ مجهري، ووجودي يستمر لمدة ثلاث ثواني” فحسب، والذي يستثيره فينا الكون على الدوام. بل إن مفارقة فيرمي تثير فينا تواضعاً أكثر حدة وشخصية، تواضع من ذلك الذي يمكن أن ينتج فقط بعد قضاء ساعات من الأبحاث لتسمع أكثر علماء نوعك شهرة وهم يقدمون نظرياتٍ مجنونة، ويغيرون وجهات نظرهم مراراً وتكراراً، ويعارضون بعضهم البعض بشكلٍ عنيف – لنتذكر بأن الأجيال القادمة سوف تنظر إلينا بذات الطريقة التي ننظر فيها للشعوب القديمة التي كانت متأكدة بأن النجوم تمثل السطح السفلي من قبة السماء، وسوف يفكرون قائلين، “يا للروعة، إنهم حقاً لم يكونوا يمتلكون أدنى فكرة عما كان يحدث في الكون.”

إن جمع كل هذا يمثل ضربة لثقة جنسنا البشري بذاته، مع كل هذا الحديث عن حضارات النوع الثاني والثالث. فهنا على الأرض، نحن ملوك قلعتنا الصغيرة، حكامٌ فخورون لمجموعة ضخمة من الأغبياء الذين يتشاركون الكوكب معنا. وفي هذه الفقاعة “الوهم” حيث لا وجود للمنافسة أو أحدٍ ليحكم علينا، فمن النادر أن نواجه حتى فكرة أن نكون نوعاً دنئياً بشكلٍ كبير عن غيرنا. لكن، وبعد قضاء الكثير من الوقت مع حضارات النوع الثاني والثالث على مدى الإسبوع الماضي، ستبدو قوتنا وكبرياؤنا قليلاً مشابهة لكبرياء شخصية ديفد برينت الإذاعية.

وبهذا القول، ومع وجهة نظري العادية في أن الإنسانية مثل يتيمٍ وحيد على صخرة صغيرة وسط هذا الكون الموحش، فإن الحقيقة المتواضعة بأننا قد لا نكون أذكياء بالدرجة التي نتصورها، وبإمكانية أن يكون الكثير مما نحن متيقنون منه قد يكون خاطئاً، تبدو شيئاً رائعاً. يفتح هذا لنا الباب بمقدار شقٍ صغير لربما، وفقط ربما، يكون هنالك المزيد عن هذه القصة أكثر مما ندركه.

المصدر : هنا

 

 

عن Mekki H Al-Sarhan

شاهد أيضاً

لا يحدث كل شيء لسبب

بقلم: نيكولاس كليرمونت ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: امير محمد ١١/حزيران / …

كيف تركز على شيء واحد فقط

نشر في: موقع فوكس تأليف: ريبيكا جينينغس بتاريخ: 4 سبتمبر 2019 ترجمة: مازن سفان تدقيق …