الرئيسية / ثقافة / الحيوانات تُفكر؛ دراسات في السلوك العقلي للحيوانات

الحيوانات تُفكر؛ دراسات في السلوك العقلي للحيوانات

تصعُب دراسة الحياة الداخلية للحيوانات، ولكن هُناك أدلة على أنها قد تكون أغنى بكثير مما تصور العُلماء يومًا. في عام 1992، في تانغالوما “Tangalooma”، قبالة ساحل ولاية كوينزلاند، بدأ الناس برمي السمك في الماء للدلافين الجامحة المحلية لتناول الطعام. في عام 1998، بدأت الدلافين بإطعام البشر، عبر رميها الأسماك عاليًا نحو الرصيف البحري. إعتقد البشر انهم يحضون بقدرٍ من المرح بإطعامهم الحيوانات. لكن ماذا لو كانت الدلافين تُفكر؟

 

يعتقد تشارلز داروين إن القُدرات العقلية للحيوانات والبشر تختلف فقط في الدرجة وليس في النوع – إستنتاج طبيعي منسجم مع الاعتقاد الثوري بـ أن إحداهما تطورت من الأخرى. كتابه العظيم الأخير، “التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان”، يدرُس الفرح والحب والحزن في الطيور والحيوانات الأليفة والرئيسيات وكذلك في أجناس بشرية مختلفة. ولكن موقف داروين من الحيوانات – والذي يتشاركه الجميع خلال تعاملهم اليومي مع الكلاب والخيول وحتى الفئران – عارض التقاليد العريقة في الفكر الأوروبي والتي رأت أن الحيوانات لا تمتلك عقولًا على الإطلاق. هذه الطريقة في التفكير تنبع من حجة رينيه ديكارت، فيلسوف كبير في القرن الـ 17، أن الناس كانوا مخلوقات العقل، المنطق والإدراك، مرتبطون مع عقل الله، في حين أن الحيوانات كانت مجرد آلات مصنوعة من اللحم – روبوتات حية، والتي على حد تعبير نيكولاس مالبرانش، أحد أتباعه، “أكلٌ بدون لذة، وبكاءٌ دون ألم، ونموٌ دون شعور: هم لا يشتهون شيئًا، لا يخشون شيئًا، لا يعرفون شيئًا.”

الكثير من علوم أحياء القرن الـ 20 كانت أقرب إلى ديكارت من داروين. أما دارسوا سلوك الحيوانات فكانوا لا يستبعدون إمكانية إمتلاك الحيوانات عقولًا ولكن إعتقدوا أن السؤال غير ذي صلة تقريبًا لأنه كان من المستحيل الإجابة عليه. يمكن للمرء أن يدرس مدخلات الكائن الحي (مثل الغذاء أو البيئة) أو مخرجاته (سلوكه). ولكن يبقى الكائن الحي نفسه صندوقًا أسودًا: كانت الأمور غير القابلة للرصد مثل العواطف أو الأفكار خارج نطاق تحقيق موضوعي. كما كتب احد “دارسي السلوك” في عام 1992 “إن الفكر الواعي للحيوانات ينبغي تجنبه بشدة في أي محاولة جادة لفهم سلوكهم، لأنه لا يمكن فحصه [و] كونه فارغ …”.

رغُم ذلك، وفي تلك الأثناء، كان هُناك قدرٌ أكبر من أي وقتٍ مضى لمقاومة مثل هذه القيود. في عام 1976، حقق الأستاذ في جامعة روكفلر في نيويورك، دونالد غريفن “Donald Griffen” تقدُّمًا في كتابٍ بعنوان “مسألة وعي الحيوان”. قال أن الحيوانات يمكنها التفكير فعلًا، وإن قدرتها على القيام بذلك يمكن أن تخضع للتدقيق العلمي السليم.

دفعت مجموعة واسعة من العمل الميداني والمختبري خلال الـ 40 سنة الماضة الإجماع بعيدًا عن السلوكية الصارمة، وإتجهت نحو رأي داروين. لم يكن التقدم سهلًا أو سريعًا؛ كما حذر السلوكيون، كلا نوعي الأدلة يُمكن ان يكون مضللًا. الاختبارات المختبرية يمكن أن تكون دقيقة، ولكنها تستند حتمًا على الحيوانات والتي قد لا تتصرف كما تفعل في البرية. يمكن أن توصف الملاحظات الميدانية بأنها قصصية. تداولها لسنوات أو عقود وعلى نطاق واسع يذهب بإتجاه المحاذرة من تلك المشكلة، ولكن مثل هذه الدراسات نادرة.

ومع ذلك، يشعر معظم العلماء الآن أن بإمكانهم القول بكل ثقة أن بعض الحيوانات تعالج المعلومات وتعبر عن المشاعر بطرق تصاحبها خبرة عقلية واعية. هم يتفقون على أن الحيوانات، من الجرذان والفئران للببغاوات والحيتان الحدباء، تمتلك قدرات عقلية معقدة؛ أن بعض الأنواع تمتلك صفات أُعتُقِدَ في وقتٍ مضى أنها فريدة من نوعها للإنسان، مثل القدرة على إعطاء أسماء الأشياء و إستخدام الأدوات؛ وأن حفنة من الحيوانات – الرئيسيات، الغُرابيات، والحيتانيات (الحيتان والدلافين) – لديها شيء وثيق لما بين البشر ينظر إليه كثقافة، في تطويرهم لطرق مميزة في عمل الأشياء التي تنتقل عن طريق التقليد والامثلة. لا تمتلك كل الحيوانات صفات العقول البشرية؛ ولكننا نجد نفس الصفات التي تمتلُكها العقول البشرية تقريبًا عند حيوانٍ أو آخر.

خُذ بعين الإعتبار “بيلي”، دولفين جامح أُنثى من نوع “bottlenose” أُصيبت في الحجز في سن الخامسة. أُقتيدت بعدها إلى حوضٍ للأسماك في جنوب أستراليا لتلقي العلاج الطبي، حيث أمضت ثلاثة أسابيع تعيش مع الدلافين المحبوسة التي كانت تتعلم حيلًا مختلفة. بعد أن أعيدت إلى البحر المفتوح وعلى الرغم من كونها لم تتدرب أبدًا. صُدم عدد من مراقبي الدلافين المحليين لرؤيتها تقوم بحيلة الـ “tailwalking” (المشي على الذيل) – وهي حركة يقوم فيها الدولفين بالوقوف فوق الماء عبر تحريك (دفع) ذيله تحت السطح، ينتقل خلالها بطيء الى الخلف بنفس الرقصة الغامضة لمايكل جاكسون. لقد بدا واضحًا أن “بيلي” قد التقطت هذه الحيلة ببساطة عبر مراقبتها أداء رفيقاتها السابقات في الحوض. الأكثر دهشة بعد ذلك بوقتٍ قصير، قيام خمسة من الدلافين الأخرى في مجموعتها بحيلة الـ “tailwalk”، على الرغم من أن هذا السلوك ليس لديه أي وظيفة عملية ويستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة.

 

0101Theimitativedolphin

الدولفين المُقلد

وهو حيوان نادر يظهر أكبر قدر من المهارة في التقليد كما فعل صغير دولفين يدعى دوللي “Dolly” في السبعينيات. كان الخزان الذي عاشت فيه هي وثلاثة من الدلافين الكبار في المتحف المائي في ميناء اليزابيث في جنوب أفريقيا يحتوي على نوافذ دائرية (كما نوافذ السفن) والتي يمكن من خلالها رؤية الحيوانات بواسطة الجمهور، والعكس بالعكس. تم تدريب الدلافين للقيام بمجموعة متنوعة من الحيل؛ ولكن كما قال كولن تايلور “Colin Tyler” وغراهام سايمان “Graham Saayman” عن السلوك في مجلة، حدث الكثير من التقليد العفوي. قام الذكر البالغ، دان، بنسخ سلوك الغواص الذين جاء لتنظيف هذه النوافذ عبر التقاط ريشة طيور النورس في الخزان وتمسيد الزجاج بها. أما دوللي، فعندما شاهدت رجل يدخن على الجانب الآخر من النافذة، سبحت إلى والدتها، وأخذت جرعة من الحليب، وعادت الى النافذة وقذفت سحابة من الحليب نحو النافذة، مكررة تماًما دخان السجائر.

 

ليس من المستغرب أن تَنظمّ صغار الدلافين (العجول) في التدريبات مع الاسر؛ إذ تنسخ أساليب تغذية أُمهاتهم عن كثب في العراء. حتى ضمن معايير الدلافين، يبدو النفث الزائف اللعوب لـ دوللي مثيرًا للإعجاب بشكلٍ خاص.

يصعب فهم مثل هذا السلوك من دون تخيل العقل يمكن أن يُقدّر ما يراه وما ينوي من خلاله تقليد تصرفات الآخرين. وهذا بدوره يعني أشياءً عن الدماغ. إذا كان عليك وضع رهان على الأشياء التي يمكن العثور عليها في دماغ “بيلي”، ستُنصح جيدًا لوضع رهانك على وجود “الخلايا العصبية المرآتية”. الخلايا العصبية المرآتية هي الخلايا العصبية التي تعمل عندما يقع النظر على عمل شخصٍ آخر فتتطابق الاستجابة – تقوم هي، على ما يبدو، بجعل التثاؤب معديًا. قد يتطلب الكثير من التعليم لإدراك هذه الطريقة في التفكير للقيام بالفعل – ويبدو عند الناس أن هذا النوع من الخلايا هو المسؤول عن إظهار بعض أنواع التعاطف. الخلايا العصبية المرآتية مهمة للعلماء الذين يحاولون العثور على أساس الطريقة التي يعمل بها العقل البشري، أو على الأقل إيجاد ارتباط ذلك العمل، في تشريح أدمغة الإنسان. إنّ واحدًا من الأسباب الحالية لرؤية الحيوانات تُجري اشياءً بإستخدام عقولها يتعلق بحقيقة أنّ الارتباطات التشريحية لا تزال تظهر حتى في الأدمغة غير البشرية. هُناك الخلايا العصبية المرآتية. وهناك الخلايا المغزلية (وتسمى أيضًا الخلايا العصبية فون إيكونومو “Von Economo neurons”) التي تلعب دورًا في التعبير عن التعاطُف ومعالجة المعلومات الاجتماعية. لدى أدمغة الشمبانزي أجزاء مقابلة لمنطقة بروكا “Broka” ومنطقة فيرنيك “Wernicke” التي ترتبط عند البشر مع اللغة والتواصل. يكشف تخطيط الدماغ أن العمليات العصبية الكامنة وراء ما تبدو كالعواطف في الجرذان مماثلة لتلك التي تمثل بشكلٍ واضح العواطف عند البشر. كما وثق مجموعة من عُلماء الأعصاب سعوا لضمّ ما وصلهم في هذا المجال في عام 2012 “البشر ليسوا فريدين في إمتلاك الركائز العصبية التي تولد الوعي. تمتلك الحيوانات غير البشرية، بما في ذلك جميع الثدييات والطيور، والعديد من المخلوقات الأخرى…  هذه الركائز العصبية أيضًا”.

ولكن القول بأن الحيوانات لديها أساس بيولوجي للوعي ليس كما القول أنهم يفكرون فعلًا أو يشعرون. في هذا الصدد، قد تكون الأفكار القانونية أكثر فائدة من تلك التي تخُص علم الأعصاب. عندما تتدهور حالة وجود شخص بوضوح بواسطة مُصيبة من نوعٍ ما، يمكن أن يذهب الى المحاكم لكي يقرر اي مستوى من الحماية القانونية يجب تطبيقها. في مثل هذه الحالات تطبق المحاكم إختباراتٍ مثل: هل يمتلك هو أو هي وعيًا ذاتيًا؟ هل يستطيع التعرُّف على الآخرين كأفراد؟ هل يستطيع أن يُنظِّم سلوكهُ الخاص؟ هل يخوض تجربة المتعة أو يعاني الألم (والذي يعني، إظهار المشاعر)؟ مثل هذه الأسئلة تكشف الكثير عن الحيوانات أيضًا.

الاختبار الأكثر شيوعًا من الوعي الذاتي هو القدرة على التعرف على نفسك في المرآة. ذلك يعني أنك قادر على رؤية نفسك كفردٍ مُنفصل عن الكائنات الأخرى. وقد تم تطوير هذا الإختبار رسميًا في عام 1970 من قبل غوردون غالوب “Gordon Gallup” وهو عالم نفس امريكي، على الرغم من أن جذور هذا الاختبار تعود لفترةٍ أبعد؛ إذ كتب داروين عن “جيني”، وهي سعلاة من نوع (اورانغ-أوتان) (أحد أنواع الرئيسيات “pirmates” تُعرف بإنسان الغاب)، تلعب مع مرآة و”تندهش بما لا يمكن تصوره” من إنعكاس صورتها عليها. رشّ د. غالوب علامة ذو رائحة على وجه حيواناته وانتظر ليرى كيف ستكون ردة فعلهم عندما يرون إنعكاساتهم والعلامة موجودة. إذا لمسوا العلامة، عندها يبدو أنهم أدركوا أن الصورة في المرآة تعود لهم، وليس من حيوان آخر. يُظهر معظم البشر هذه القدرة عندما تتراوح أعمارهم ما بين سنة الى إثنتين. أظهر د. غالوب أن الشمبانزي يفعل ذلك أيضًا. ومنذ ذلك الحين، أظهرت الـ (أورانغ-اوتان) (إنسان الغاب) والغوريلا والفيلة والدلافين وطيور العقعق نفس القدرة. لم تفعل القرود ذلك. ولا الكلاب، ربما لأن الكلاب تتعرف على بعضها البعض من خلال الرائحة، بالتالي لم يوفر لهم الإختبار اي معلوماتٍ مُفيدة.

إدراكك لنفسك هو شيءٌ واحد؛ ماذا عن تمييز الآخرين – وليس فقط كأجسام، ولكن كأشياء مع أهداف ورغبات تخصُّ صاحبها – ولكن تهدف إلى نهايات مختلفة. بعض الحيوانات إجتازت هذا الاختبار بوضوح أيضًا. “سانتينو” هو شمبانزي في حديقة الحيوان “Furuvik” في السويد. لاحظ حُراس الحديقة في عام 2000 أنه قام بجمع مخزونات صغيرة من الحجارة وأخفاها حول قفصه، وحتى قام ببناء أغطيةٍ لهم، لكي يمتلك في وقتٍ لاحق ما يرمي به زوار حديقة الحيوان الذين يقومون بإزعاجه. يقول ماتياس اوسفاث “Mathias Osvath” من جامعة لوند أن هذا السلوك أظهر أنواعًا مختلفة من التطور العقلي: يستطيع سانتينو أن يتذكر حدث معين في الماضي (عندما قام الزوار بإزعاجه)، والتحضير لحدثٍ في المستقبل (رميهم بالحجارة) ويقوم عقليًا بإنشاء مواقف جديدة (مطاردة الزوار لإبعادهم).

يُسمي الفلاسفة القدرة على تمييز إمتلاك الآخرين لإهداف ورغبات مُختلفة بـ “نظرية العقل”. يمتلك الشمبانزي هذا. بدا لسانتينو فهمهُ أنّ حُراس الحديقة سيقومون بمنعهِ من رمي الحجارة لو إستطاعوا. لذا أخفى أسلحته وكبح عدوانيته: لقد كان هادئًا عندما جمع الحجارة، عكس إنفعاله عند رميها. يبدو فهم قدرات وإهتمامات الآخرين دليلًا ايضًا، في مركز القردة العليا – مأوى في ولاية فلوريدا، حيث إنّ ذكور الشمبانزي الذين يعيشون مع نكلز “Knuckles” – عمره 16 سنة مصاب بالشلل الدماغي – لا يقومون بإخضاعه لعروضهم المعتادة. فَهِمَ الشمبانزي أيضًا أنه يُمكن لهم التلاعب بمعتقدات الآخرين؛ إذ يقومون بخداع بعضهم البعض كثيرًا في التنافس على الغذاء.

إختبار آخر للشخصية القانونية هو القدرة على تجربة المتعة أو الألم – الإحساس بالعواطف. وكثيرًا ما يُتخذ هذا كدليلٍ على الإحساس الكامل، وهذا هو سبب عدم إعتقاد أتباع ديكارت بأن الحيوانات قادرة على الشعور، كما الدراية (المنطق). يقول بيتر سينغر”Peter Singer”، وهو فيلسوف أُسترالي وعميد “حقوق الحيوان”، أن من بين كُل المشاعر، للمعاناة أهمية خاصة، لأنه إذا إمتَلَكت الحيوانات هذه القدرة البشرية، على البشر أن يأخذوا بنظر الإعتبار معاناة الحيوان كما يفعلون مع البشر أمثالهم.

تظهر الحيوانات المشاعر بوضوح مثل الخوف. ولكن يمكن إعتبار ذلك سلوك فطري، على غرار ما يحدُث عندما يبكي الناس من شدة الألم. لم يملك السلوكيون أي مشكلة مع الخوف، ينظرون إليه على أنه “إنعكاس شرطي” يعرفون جيدًا كيفية إنشائه. السؤال الحقيقي هو إذا ما كانت الحيوانات لديها المشاعر التي تنطوي على نوع من الخبرة العقلية. هذا ليس بالأمر السهل. لا أحد يعرف على وجه التحديد ماذا يعنيه الآخرون عندما يتحدثون عن مشاعرهم؛ إنّ معرفة ما تعنيه الوحوش الغبية يكاد يكون مستحيلًا. قيل إنّ هُناك بعض المؤشرات تكشُف بالأخص، الدليل على ما يمكن النظر إليه كـ شفقة.

 

0202Thegrievingelephant

الفيل الحزين

في عام 2003، في حديقة سامبورو الوطنية في كينيا، جاء ايان دوغلاس هاملتون “Iain Douglas-Hamilton”، وهو عالم حيوانات، عند غريس “Grace”، فيلة تنتمي لعائلة من الفيلة تدعى فيرتوز “Virtues”، ليساعد اليانور “Eleanor”، الأم الحاكمة من أسرة السيدات الأوائل، عندما كانت تحتضر. يكتب في ملاحظته الميدانية “حاولت غريس جعل اليانور تمشي عبر قيامها بدفعها، لكنها وقعت مرة أخرى… بدت غريس مُرهقًة، أصدرت أصواتًا، وأستمرت بوكز ودفع اليانور بإستخدام أنيابها… بقيت غريس معها لمدة ساعة أخرى على الأقل مع حلول الليل.”

 

توفيت إليانور في تلك الليلة. خلال الأيام القليلة المقبلة قام مختلف الفيلة بزيارتها. أنثى تدعى ماوي “Maui” “رفعت قدمها اليمنى فوق الجثة، وكزتها ثم داست فوقها… هزتها جيئًة وذهابًا.” تقول فرجينيا موريل “Virginia Morell” في كتابها “حكمة الحيوان”، خلال هذه الفترة كانت صغيرة إليانور، والبالغة من العمر ستة أشهر واقفة “وكأنها الحارس الصغير بجانب جثة أمها، بينما بقية أفراد عائلة إليانور، تزاحموا قريبين من بعضهم البعض، ينظرون بإهتمام”.

يبدو أن بعض الحيوانات تُظهر الشفقة، أو على الأقل القلق، للأفراد المرضى والجرحى من جماعاتهم. تساعد الشمبانزي القوية الأضعف منها في عبور الطرق في البرية. تبكي الأفيال موتاها (كما فعل الفيل الحزين). في تجربة شهيرة، قام هال ماركويتز “Hal Markowitz”، المدير اللاحق لحديقة الحيوان في سان فرانسيسكو، بتدريب قرود “ديانا” للحصول على الغذاء عن طريق وضع قطعة رمزية في فتحات. عندما لم تستطع الأناث الكبار تعلُّم هذا المنهج، قام صغار الذكور من الذين لم تربطهم علاقة مع الأناث بوضع قطع الرموز في فتحاتهن ووقفوا مبتعدين ليسمحوا لهُنّ بالأكل.

وكانت هناك أيضا ملاحظات عن حيوانات تخرج عن طريقها لمساعدة مخلوقات من فصائل مختلفة. في مارس 2008، موكو، وهو دولفين من نوع “Bottlenose”، ارشدت اثنين من حوت العنبر القزمي “pygmy sperm whales” للخروج من متاهة من الحواجز الرملية قبالة سواحل نيوزيلندا. بدا أن الحيتان مشوشة بشكلٍ ميؤوس منه وقد تقطعت بهم السبل وحوصروا أربع مرات. وهناك أيضًا حالات مشهودة لقيام الحيتان الحدباء بإنقاذ الفقمات من هجوم من قبل الحيتان القاتلة وكذلك أنقذت الدلافين الناس من هجمات مماثلة. في مقابل ذلك، يُعتبر هذا النوع من الاهتمام بالآخرين أخلاقيًا أو عاطفيًا على الأقل.

هناك بعض الأمثلة شوهدت فيها الحيوانات المدافعة تدفع ثمن تعاطفها. يصف ايان دوغلاس هاملتون، الذي يدرس الفيلة، انثى فيل شابة كانت قد أصيبت بشدة بحيث لا يمكن لها أن تمشي إلا على وتيرة بطيئة فقط. واكبت باقي مجموعتها الحركة معها لحمايتها من الحيوانات المفترسة لمدة 15 عامًا، رغم إنّ هذا يعني عدم قدرتهم على جمع العلف على نطاق واسع. منذ فترة طويلة في عام 1959، الباحث في جامعة براون رسل تشرتش “Russell Church” أعدّ اختبارًا يسمح للفئران المُختبرية في نصف قفص للحصول على الغذاء عن طريق الضغط على رافعة. الرافعة ترسل أيضًا صدمة كهربائية للفئران في النصف الآخر من القفص. عندما أدركت المجموعة الأولى ذلك، توقفوا عن الضغط على الرافعة، حارمين أنفسهم من الطعام. في إختبارٍ مُماثل على القرود نُشر في المجلة الأمريكية للطب النفسي في عام 1964، توقف قردٌ واحد عن إعطاء إشارةٍ للطعام لمدة 12 يومًا بعد أن شاهد قردًا آخر يتلقي صدمة. وهناك أمثلة أخرى من الحيوانات التي تفضل نوعًا من الشعور على الغذاء. في دراساتٍ شهيرة بواسطة عالم النفس الأمريكي هاري هارلو “Harry Harlow”، أعطي لقرود الريسوس المحرومين من أمهاتهم إختيارًا بين بدائل. أحدهما كان مصنوعًا من الأسلاك وتحتوي على زجاجة رضاعة، والأخرى كانت من القماش، ولكن من دون طعام. قضى الرضع تقريبًا كل وقتهم يعانقون الأم القماش.

إذا كانت الحيوانات واعية من نفسها، ومن الآخرين، ولها قدر من ضبط النفس، إذًا هم يتقاسمون بعضًا من السمات التي تستخدم لتحديد شخصية الفرد في القانون. إذا كانوا يظهرون العواطف والمشاعر بطرق ليست غريزية بحتة، قد تكون أيضًا هُناك حالة يُقال فيها أنهُ ينبغي إحترام مشاعرهم على غرار مشاعر الإنسان. ولكن السمة الشائعة أكثر والتي يتميز بها البشر هي اللغة. هل يمكن القول أن الحيوانات تستخدم لغة بطريقةٍ ذات معنى؟

تتواصل الحيوانات في كل وقتٍ ولا تحتاج إلى أدمغة كبيرة للقيام بذلك. في الأربعينيات من القرن الماضي أظهر كارل فون فريش “Karl von Frisch”، وهو أخصائي سلوك نمساوي، أن “رقصات التبختر” “waggle dances” لنحل العسل تُمرر معلومات حول كيف أن الغذاء بعيد وفي أي اتجاه. تُغني الطيور أغاني طويلة ومعقدة إما للإحتفال بالأراضي أو لطقوس التزاوج. وكذلك الحال بالنسبة لمجاميع الحيتان. من الصعب ايضًا أن نقول ما هي المعلومات، أو ما تحملها من نيّات. يُحتمل أن يقوم النحلُ بتنزيل تقريرٍ تلقائي عن رحلتهم عوضًا عن القول “يوجد لقاح في ذاك الإتجاه، ايها الكسالى!.”

 

0303Thesingingwhales

الحيتان المُغنية

أثناء التزاوج والهجرة، تُغني ذكور الحيتان الحدباء أغاني يمكن سماعها على بعد عشرات الكيلومترات، وتتألف عادة من دورة متكررة من ثمانية أو حتى أجزاء مكونة من إثنين الى 20 صفير، أنين، شخير وقعقعة عبارات. من وقتٍ لآخر تماشت هذه الأغاني مع الموضة بين البشر. في السبعينات كانت من بين التسجيلات التي أرسلت خارج النظام الشمسي بواسطة وكالة ناسا.

 

إذا حدث وسمعوها الفضائيون، رغم أنها ستكون طرازًا قديمًا. لقد أظهرت إلين جارلاند “Ellen Garland” ومايكل نود “Michael Noad” ذلك في جنوب المحيط الهادئ، أن الحيتان تُغيِّر أغانيهم بإنتظام، يتحرك المبدعون شرقًا مع مرور الوقت. ستُظهِر الأغنية أن الحيتان ستتغذى قبالة شرق أُستراليا لسنة واحدة؛ السنة المقبلة ستبدأ الحيتان حول كاليدونيا الجديدة (1,500 كم إلى الشرق) بغنائها؛ بعد ذلك بسنة ستصل إلى تونغا، وهكذا حتى تصل بولينيزيا الفرنسية، 6000 كم بعيدًا، وهو الوقت الذي ستدب فيه الحياة في أغنية أخرى في أستراليا. ليس هناك دعامة بيئية أو وراثية لذلك؛ هذا التعاقب يبدو مسألة موضة. الدكتورة غارلاند تسميه “التغيير الثقافي على نطاق واسع”.

قرود الفرفت لديها أكثر من طريقة تصدر بها اصواتًا عند الكلام. إذ تقوم بإجراء نداءات إنذار مختلفة لحيوانات مفترسة مختلفة، تتطلب إستجابات مختلفة. هُناك نداء واحد للفهود (معناه التسلق إلى أعلى الفروع)، للنسور (التخفي في الشجيرات) وللثعابين (الوقوف بشكلٍ مستقيم والنظر حولهم). تحتاج القردة للتعرف على النداءات المختلفة وتعرف متى تقوم بإصدارها. يمكن للحيوانات التي تتربى مع البشر أن تفعل أكثر من ذلك بكثير. “المُطارِد” “Chaser”، وهي كلبة من فصيلة “بوردر كولي”، تعرُف أكثر من 1000 كلمة. إذ تستطيع سحب اللعبة المعنية من كومة من ألعاب أخرى. وهذا يدل على انها تفهم أن النمط الصوتي يرمز لكائن مادي. قالت اللغوية نعوم تشومسكي “Noam Chomsky” مرة أنه يُمكن للناس فقط أن يفعلوا ذلك. على نحوٍ لافت للنظر، إذا قيل لها ان تجلب لعبة لإسمٍ لم تسمع به من قبل، ستضعهُ في كومة الذي تعرفهم، الكائنات المسماة، هي تقوم بفعل ما يطلب منها. أما بيتسي “Betsy”، وهي كلبة “بوردر كولي” أُخرى ستعيد صورة للشيء الذي تم سؤالها عنهُ، مما يشير إلى إدراكها أن صورة ثنائية الأبعاد يمكن أن تمثل كائن ثلاثي الأبعاد.

الذي لا يزال أكثر إثارةٍ للإعجاب هم حيوانات مثل واشو “Washoe”، أنثى الشمبانزي التي كانت تدرس لغة الإشارة من قبل إثنين من الباحثين في جامعة نيفادا. واشو ستبدأ المحادثات وتطلب الأشياء التي تريدها، مثل الغذاء. ولكن الأدلة التي يمكن بها للحيوانات، التي تتربى مع البشر، أن تقول أفكارها للآخرين باستخدام لغة الإنسان ليست هي نفسها قولنا انهم يستخدمون اللغة كما يفعل الناس مع بعضهم البعض. عدد قليل منهم يمتلك جزء الصغير من قواعد اللغة، على سبيل المثال – هذا يعني، القدرة على التلاعب والجمع بين الكلمات لخلق معان جديدة. صحيح أن الدلافين في الاسر يمكنها التمييز بين “وضع الكرة في الطوق” و “جلب طوق لكرة”. أليكس، وهو ببغاء أفريقي رمادي، قام بجمع الكلمات لصنع كلمات جديدة: دعا تفاحة “bannery”، على سبيل المثال، وهي مزيج من الموز والكرز (بالأنجليزية). ولكن هذه هي حالات استثنائية ونتيجة للتعاون المكثف مع البشر. إستخدام قواعد اللغة – وبالأخص قواعد اللغة المعقدة لم يتم تمييزها في البرية. وعلاوة على ذلك، فإن الحيوانات لا تملك أي ما مكافئ للسرد الذي يتحدث به الناس.

 

0404Thechatterboxparrot

الببغاء الثرثار

في ليلة وفاته، قال “اليكس” لـ إيرين بيبربرج “Irene Pepperberg”، وهي أستاذة في جامعة برانديس في ولاية ماساشوستس، “كوني جيدة. أنا أحبك “. أجابته ” أنا أحبك ايضًا،”. “ستكونين في الداخل غدًا؟” “نعم، سأكون في الداخل غدًا.” ليس سيئًا بالنسبة لطائر!.

 

حتى مجيء أليكس، كان العلماء ينظرون إلى لغة الحيوان أنها تركز على مجموعة الرئيسيات ذوات العقول الكبيرة (مجموعة الإنسان والقردة العليا). لكنهم لا يستطيعون تشكيل الكلمات. اليكس (اسمه مختصر لتجربة تعليم الطيور “Avian Learning Experiment”) يمكن أن يتحدث ويمكن أن يُضيف معنى إلى حد ما. تمكن أليكس من نطق أكثر من 100 كلمة حتى وقت وفاته؛ كما يُمكنه العدّ الى ستة. وفهم المفاهيم المجردة مثل أكبر أو أصغر، نفس الشيء أو مختلف. وقد أدرك أيضًا أن كلا العنصرين مفاتيح برغم إختلاف أحجامهما. عندما أراد إيقاف الاختبارات المختبرية التي تُجرى عليه والراحة قليلًا في نافذة تطلُّ على الحديقة كان يقول “أريد أذهب شجرة.” وعندما تخطيء الببغاوات الأخرى في الكلمات يقوم هو بتصحيحها: “تحدث بشكل واضح.” يبقى مثيرًا للجدل كم فَهِم حقًا. يرفُض المُتشككون انجازاته كدفعة واحدة، هم يرفضون جعل الحيوان إستثنائيًا. على الأقل في النقطة الأخيرة، كانوا محقين.

إذا ما تم اعتبار اللغة فريدة فقط للبشر، هل يمكن اعتبارها شيء آخر؟ حتى وقت قريب، كانت الثقافة بمثابة السمة الثانية للإنسان. الطرق معقدة للقيام بالأمور التي تمرر من جيل الى جيل ليس عن طريق الوراثة الجينية أو الضغوط البيئية ولكن عن طريق التعليم، التقليد والإنسياق (التماثل) أُعتبرت فريدة من نوعها للبشر. ولكن من الواضح بشكلٍ مُتزايد أن الأنواع الأخرى لها ثقافاتها الخاصة، أيضًا.

في فيلم “الحياة الثقافية للحيتان والدلافين”، يقول هال وايتهيد “Hal Whitehead” من جامعة دالهوزي، ونوفا سكوتيا “Nova Scotia”، ولوك رينديل “Luke Rendell” من جامعة سانت أندروز في اسكتلندا، أن كل الثقافات لديها خمسة سمات المميزة: تقنية مميزة؛ التعليم والتعلّم؛ عنصر أخلاقي، مع القواعد التي تحكم “الطريقة التي نفعل بها الأشياء” والعقوبات للمخالفة؛ مكتسب وليس فطري، والتمييز بين الداخليين والخارجيين. والطابع التراكمي الذي يتراكم مع مرور الوقت. هذه الصفات معًا تسمح للأفراد في مجموعة أن تفعل أشياء لن يكونوا قادرين على تحقيقها من تلقاء انفسهم.

بالنسبة للميزة الأولى، لا تنظر الى أبعد من الغراب. غربان كاليدونيا الجديدة يعتبرون ابطال صناعة الآلات في المملكة الحيوانية. هي تقوم بصنع السنانير عبر قص الأغصان التي على شكل حرف V، ونهشها لتجعلها بهذا الشكل. كما تُصمم أوراق شجر “الكاذي” على شكل مناشير مسننة. وتقوم بصنع أدوات بإشكالٍ مختلفة في مناطق عدة من الجزيرة. أظهرت دراسات أجراها جافين هانت “Gavin Hunt” من جامعة أوكلاند أن السنانير والمناشير في موقعين على كاليدونيا الجديدة إختلفت بشكل منهجي في الحجم، في عدد القطوعات اللازمة لصنعها وحتى طريقة القطع في الغالب عسراء او يُمنى. إلى حد أن الثقافة تعني “الطريقة التي نؤدي بها الامور هنا”، كانت مجموعتي الغربان مُتميزة ثقافيًا.

ومن المعروف عن الشمبانزي الآن أنها تتعامل مع أكثر من 20 من الأدوات: الهراوات للضرب، المطاحن للطحن، هشّاشات الذباب، سيقان العشب لصيد النمل الأبيض، أوراق إسفنجية لإمتصاص الماء والصخور ككسارات للبندق. مثل غربان كاليدونيا الجديدة، مجموعات مختلفة تستخدمها بشكلٍ مختلف قليلًا. يقول وليام ماكغرو “William McGrew” من جامعة كامبريدج أن مجموعة أدوات الشمبانزي في غرب تنزانيا تمتلك نفس درجة التعقيد مع أبسط أدوات الإنسان، مثل التحف البشرية في مراحلها المبكرة التي وجدت في شرق أفريقيا أو حتى تلك التي استخدمت في العصور التاريخية لدى السكان الأصليين في ولاية تسمانيا.

المهارة المطلوبة لصنع واستعمال الأدوات يتم تعلمها. هي ليست المثال الوحيد من التعليم الذي تقدمه الحيوانات. حيوانات السرقاط “”Meerkat تتغذى على العقارب – فريسة خطيرة للغاية والتي لا يُمكنك ان تتعلم إصطيادها عن طريق التجربة والخطأ. لذا تُعلّم السرقاطات الكبيرة الأصغر سنًا منها تدريجيًا. تقوم أولًا بشلّ العقرب وتسمح للسرقاطات الشباب بالإجهاز عليه. ثم يسمحوا لطلابهم بإعتراض عينة مُصابة قليلًا، وهكذا في مراحل حتى يحس الشباب بقدرتهم على إصطياد عقرب سليم بالإعتماد على أنفسهم.

كل حيوانات السرقاط تقوم بذلك تقريبًا. في أماكن أُخرى يمكن أن يتغير ما يتم تدريسه، فقط مع إلتقاط بعض الحيوانات لحيلٍ جديدة. كما تنطبق قصة بيلي الماشية على ذيلها (الدولفين بيلي التي تم ذكرها سابقًا)، يمكن للحيتان والدلافين تعلم سلوكيات جديدة جذريًا عن بعضها البعض. في عام 1980، بدأ الحوت الأحدب لصيد الاسماك قبالة كيب كود بطريقة جديدة. قام بضرب ذنبه نزولًا على سطح الماء – تدعى الحركة “lobtailing” – ثم غاص وسبح لدورات عدة باعثًا سحابة من الفقاعات. إرتبكت الفريسة من الضوضاء وخافت من الدائرة المرتفعة من الفقاعات، زاحمت نفسها معًا طلبًا للحماية. عندها سيرتفع الحوت وسط هذه السحابه من الفقاعات مع فمٍ مملوء بالأسماك. حيلة ذكية!.

التغذية بإستخدام حيلة الفقاعات هي وسيلة معروفة للحيتان لتفزع طعامها؛ كما هو الـ “”lobtailing. تجعل الأول منهجيًا مما يُعدّ للثاني، رغم ذلك، كان على ما يبدو ابتكارًا – وأصبح شعبيًا جدًا. بحلول عام 1989، بعد تسع سنوات بدأ أول حوت كيب كود التغذية بإستخدام الـ “”lobtail، كان ما يقرب من نصف حيتان الأحدب في المنطقة تقوم بها. معظمهم كانوا الحيتان الأصغر سنًا، والذين مُنذ عدم إستخدام أُمهاتهم للحيل الجديدة، لم يقوموا بوراثتها. يعتقد الباحثون أن الحيتان الشابة نسخت سلوك الممارس الأول، الذي نشر هذه التقنية من خلال التقليد. كيف حصل أول حوت على هذه الخدعة يبقى لغزًا، كما هو التساؤل عما إذا كانت هذه الطريقة في التغذية تعد فائقة، أو مجرد حيلة مألوفة إنتشرت على نحوٍ مُتزايد.

لا تعتمد الثقافات فقط على التكنولوجيا والتقنيات والتعليم ولكن ايضًا على قواعد السلوك المقبول. هذه الاشياء ينبغي أن تكون عادلة بالنظر الى المتطلبات المنتشرة بين الحيوانات الإجتماعية. في مركز بحوث الكلاب في جامعة إيوتفوس لوراند في بودابست، على سبيل المثال، يتم إختيار الكلاب عادةً في كثير من الأحيان لتشارك في التجارب التي تجنبتها الكلاب الأخرى. وتبين أن جميع الكلاب يريدون المشاركة في هذه الاختبارات لأنها تحظى بإهتمام البشر؛ وينظرون إلى تلك التي تم إختيارها في كثيرٍ من الأحيان على أنها حصلت على ميزة غير عادلة. قرود الكبوشاوات “Capuchin monkeys” المشاركة في التجارب تستمر في تعقب المكافآت التي تحصل عليها. إذا عرض على أحدهم مكافأة غير ذات قيمة (مثل شريحة من الخيار)، في حين أن الآخر يحصل على العنب لذيذ، فـ إن الأول سيرفض الإستمرار في الإختبار. تفعل الشمبانزي ذلك ايضًا.

معظم الثقافات تميز بين الغرباء والدخلاء والحيوانات كذلك ليست إستثناء. حيتان الأوركا “Orcas”، المعروفة أيضًا باسم الحيتان القاتلة، تُذكر بشكلٍ خاص في هذا الصدد، وجود ذخيرة من النداءات والتي تعتبر متميزة للمجموعة التي يعيشون فيها، وهي نوع من اللهجة. الدكتور وايتهيد والدكتور رينديل قارنوهم مع العلامات القبلية. حيتان الـ “أوركا” متميزة في أن المجاميع المختلفة تميل الى تناول فرائس مختلفة ونادرًا ما تتزاوج لتكون هجائن بين المجموعتين. في معظم الوقت، تتجاهل المجاميع بعضها الآخر بتعمد. ولكن عادةً يُهاجم إحداها الآخر بشراسة. وليس لهذا أي علاقة مع التنافس على الغذاء أو الإناث. بررت لانس باريت لينارد “Lance Barrett-Lennard” من حوض سمك فانكوفر بإنه كره الأجانب “xenophobia” – وهي وسيلة متطرفة وعدوانية للتمييز بين الداخليين والخارجيين.

ولكن إذا عرض على الحيوانات أربع من خمس سمات التي تشكل ثقافة، فإنهم لا يتشاركون واحدًا. ربما الشيء الأكثر تميزًا حول الثقافات الإنسانية هو أنها تتغير مع مرور الوقت، وبناء على الإنجازات السابقة لإنتاج كل شيء من أجهزة آيفون و الطب الحديث الى الديمقراطية. لم تتم ملاحظة اي شيء من هذا القبيل عند الحيوانات. التغير بجوانب معينة في السلوك الحيواني بالطرق التي تبدو ثقافية، والتغير المضطرب ممكن بالتأكيد. في التسعينات، على سبيل المثال، سياسات الإعدام الإفريقية الجنوبية التي تم فيها قتل الفيلة الكبار واعادة توزيع اطفالهم أدت الى تغيرات كبيرة في مجتمعاتهم الأمومية المنظمة الطبيعية. أصبحت الفيلة الشباب عدوانية بشكلٍ غير طبيعي، إذ لم يعد هناك أي كبار ليكبحوا جماحهم. ولكن إذا ما كانت الصدمات جيدة أو سيئة، لم تظهر المجتمعات الحيوانية بعد اي تغيير تكيفي ثابت – اي تقدم ثقافي. تتراكم المعرفة عند الأفراد الأكبر – عندما ضرب جفاف الحديقة الوطنية “تارانجيري” في تنزانيا في عام 1993، نجت بأفضل حالة العوائل التي تقودها زعيمة الأسرة التي لازالت تتذكر الجفاف القاسي الذي ضرب المنطقة في عام 1958 – ولكن هذه الذكريات ترحل الى المقبرة معها.

 

0505Thepeacefulbaboons

البابونات المُسالمة

عندما بدأ روبرت سابولسكي “Robert Sapolsky” وليزا شير “Lisa Share” دراستهم لمجموعة من قردة البابون في محمية ماساي مارا في كينيا في السبعينات، كانت المجموعة خليطًا معتادًا من الذكور رفيعي المستوى العدوانيين المشاجرين، وذوي الرتب الدنيا الإناث والأطفال الرضع المُسالمين. في الثمانينيات بدأت الذكور عالية المكانة بالبحث عن الطعام في مقلب قريب للنفايات؛ بسبب السل الذي أصاب المنطقة في عام 1983، أو ربما من اللحوم المصابة في مكب النفايات، قُتِلَ كل واحد منهم.

 

بعد عقد من الزمان، تغير سلوك المجموعة من كل هذه الميزات. ذهب التنمر الذي كان يمارس من قبل الذكور رفيعي المستوى؛ وكان هناك مزيد من العناية وانخفاض مستويات هرمونات التوتر. لم يكن ذلك فقط لأن الرتب الدنيا من الذكور المسالمين قد نجوا: العديد من الذكور الجديدة قد إنضمت الى المجموعة. ولكن يبدو أنها تعلمت من الناجين سلوكًا أكثر هدوءًا. وكما دوّن الدكتور سابلوسكي والدكتورة شير، قد ظهرت “ثقافة سلمية”.

هناك اهتمام كبير أكثر لمعرفة المزيد عن عقول الحيوانات. يمكن إستبعاد اللغة النحوية الى حدٍ ما بشكلٍ كامل؛ تعلُّم صنع الأدوات عند بعض الأنواع بات الآن غير قابلٍ للشك: ولكن العديد من الاستنتاجات هي في الوسط، ليست قطعيًا داخل او خارج دائرة الشك. قبولك لهم يعتمد جزئيًا على مستوى الأدلة المطلوبة. إذا أختبرت مسألة تعاطف الحيوان في محكمة جنائية، مطالبين بدليل لا يقبل مجالًا للشك، قد تتردد لتؤكد إن كان موجودًا حقًا. وإذا كانت المحاكمة مدنية، الأمر الذي يتطلب كثرة الأدلة، من المحتمل ان تستنتج إن الحيوانات تمتلك شفقة.

باستخدام هذا المعيار، يمكن للمرء أن يصادف ثلاثة استنتاجات. أولًا، الحيوانات المختلفة تمتلك عقولًا، والدليل الوظيفي لوظائف الدماغ، هو إتصالاتهم، وبراعة ردودهم على بيئاتهم كلها تدعم هذه الفكرة بقوة. الرئيسيات، الغرابيات، والحيتان تملك أيضًا سمات ثقافية، إن لم تكن اللغة أو الدين المنظم (على الرغم من إشارة جين غودال “Jane Goodall”، عالمة الحيوان، في ملاحظتها إلى تعبير الشمبانزي عن متعة وحدة الوجود في الطبيعة – سلوك ديني).

ايضًا، قدرات الحيوانات غير منتظمة إذا تم مقارنتها مع التي عند البشر. يمكن للكلاب أن تتعلم الكلمات ولكن لا تميز انعكاساتها. كسارة البندق كلارك “Clark’s nutcracker”، وهو عضو في عائلة الغرابيات، تدفن ما يصل إلى 100,000 بذرة في الموسم ويتذكر مكان وضعها بعد مرور أشهر في وقت لاحق – ولكن لا يصنع الأدوات – كما تفعل باقي الغرابيات. هذه القدرات المحددة والمركزة تتناسب مع بعض التفكير الحديث عن العقول البشرية، التي ينظر اليها كمحركات للعقل الخالص التي يمكن تطبيقها بنفس الطريقة في كل جوانب الحياة، كما الحزم من الوظائف الفرعية لأداء مهام محددة. على أساس هذا التحليل قد يكون العقل البشري بمثابة “سكين الجيش السويسري”، أما عقل حيوان فسيكون كمفتاح علب او زوج من الملاقط.

هذا يشير إلى البديهية – حيث ستكون هناك بعض الأبعاد التي سيتجاوز فيها عقول الحيوانات عقول البشر. فلنأخذ على سبيل المثال ايومو “Ayumu”، الشمبانزي الشاب الذي يعيش في معهد أبحاث الرئيسيات في جامعة كيوتو. يقوم الباحثون بتعليم ايومو مهمات الذاكرة التي فيها يظهر نمط عشوائي من الأرقام عابرًا على الشاشة التي تعمل باللمس قبل أن تغطيها مربعات الكترونية معتمة. يقوم ايومو بلمس المربعات التي تظهر على الشاشة بنفس ترتيب الأرقام التي تختبئ تحتها. يجتاز البشر هذا الاختبار بشكلٍ صحيح أكثر من مرة إذا كان هناك خمسة أرقام و 500 ميلي ثانية أو نحو ذلك لدراستها. أما مع تسعة أرقام، أو وقتًا أقل، ينخفض معدل نجاح البشر بشكلٍ حاد. اما ايومو فقد عرضت عليه تسعة أرقام خلال 60 ميلي ثانية، فقام بلا مبالاة بالضغط على المربعات بالترتيب الصحيح بإستخدام مفاصله.

يمتلك البشر ما يسمى التخيل (استحضار المشاهد)، الذكريات الذين يمكن أن تسترجع مواقف مُشابهة – مع ذلك،  يبدو هذا طبيعيٌ للشمبانزي. هل إن قيام الشمبانزي بالتطور منذ آخر سلف مشترك مع البشر لسبب ما سمة معينة – أو شيءٌ فقدوه البشر خلال نفس الفترة من الزمن؟، بتعمُّق أكثر، كيف للشمبانزي أن يغيّر ما هو عليه ليمتلك عقلًا؟ كيف يختلف وجود العقول في مجتمع حيث يتذكر الجميع مثل هذه الأمور؟ قد تفكر الحيوانات جيدًا في طرق لا يمكن للبشر أن يفكر فيها بعد لأنها تختلف كثيرا عن طريقة البشر في التفكير – تكيفت للعوالم الحسية والعقلية تمامًا على خلاف الإنسان، ربما في العوالم التي لم تحفز بعد الحاجة للغة. هناك على سبيل المثال، لا شك في أن الأخطبوطات أذكياء. هم بشراسة حلالون مشاكل جيدون. ولكن هل يمكن للعلماء أن يبدأوا في تخيُّل كيف يمكن للأخطبوط ان يفكر ويشعر؟

كل ذلك قيل، الحقيقة العامة الثالثة توضح أن هنالك صلة بين العقل والمجتمع الذي تمثله الحيوانات. الحيوانات البرية وفقًا لأعلى مستويات الإدراك (الرئيسيات، الحيتان، الفيلة والببغاوات) هم مثل الناس، أنواع تعيش لوقتٍ طويل وتتعايش في مجتمعات معقدة، التي فيها المعرفة والتفاعل الاجتماعي والتواصل بأعلى درجة. فإنه يبدو من المعقول أن نفترض أن عقولهم – كما عقول الإنسان – قد تكون تطورت إستجابةً لبيئتهم الاجتماعية. وهذا ما قد يكون الذي يسمح للعقول على جانبي فجوة الأنواع الداخلية لتجاوزها.

 

0606ThefreedWilly

الحوت الوحيد

لمعرفة أهمية المجتمع لحيوان اجتماعي، أنظر للقصص المؤسفة الكثيرة تلك التي تم فيها أخذ حيوانات من مجتمعاتهم الطبيعية. في عام 1979 تم أسر حوت من نوع “اركا” (حوت قاتل) يدعى كيكو ( أي “محظوظ” في اليابانية) عن عمر يناهز السنتين عند أيسلندا. وقد نقل من حوض مائي إلى آخر قبل أن ينتهي به المطاف في خزان في مكسيكو سيتي من دون أي من أفراد آخرين من جنسه لصحبته. هناك قام ببطولة الفيلم المعروف، “حرّروا ويلي” “Free Willy”، عن اعتقال وإطلاق سراح سعيد في نهاية المطاف لحوت آركا.

 

أدى الفيلم لتأسيس مؤسسة “تحرير ويلي-كيكو”. نقل كيكو إلى أيسلندا وتم وضعه ضمن محمية بحرية ليحصل على شعور كونه جامحًا مرة أخرى. لكنه لم يتعلم المطاردة أو التفاعل مع الحيتان، سيسبح الى أقرب قارب إذا ما أقتَرَب منه. وعندما أُطلق سراحه أخيرًا لحق زورقًا حتى المضيق البحري النرويجي وبقيَّ هناك. في نهاية المطاف بنت المؤسسة له محمية بحرية أخرى في المضيق البحري، وعاش فيها حياته كما عاشها قبل الفيلم، يعتمد على الناس في إطعامه ورعايته.

 

قبالة لاغونا، في جنوب البرازيل، إصطاد الناس ودلافين “bottlenose” سويةً لأجيال. تسبح الدلافين نحو الشاطئ، تقود أسماك البوري بإتجاه الصيادين. ينتظر الرجال إشارة مميزة من الدلافين للغوص قبل إلقاء شباكهم. الدلافين هي من تتولى المسؤولية، حول البدء في التجمُّع وإعطاء الإشارة الضرورية، على الرغم من أن بعضُها فقط يقوم بذلك. يجب على الناس أن يعلموا أي دولفين سيقود الأسماك ويولون اهتمامًا وثيقًا لإشارته، وإلا سيفشل الصيد. يجب على المجموعات من الثدييات أن تتعلم المهارات اللازمة. يتم تمرير هذه المهارات من الأب إلى الابن عبر اجيال متعاقبة بين البشر. ومن الأم إلى صغيرها بين الدلافين. عند هذا المثال، كم برأيك تختلـف الأنواع؟.

المصدر: هنا

عن Ahmed Alsarrai

طالب في كُلية الهندسة قسم النفط جامعة البصرة، مُهتم باللُغـات والترجمة.

شاهد أيضاً

كيف أصبحت الحياة كلها تنافسًا شديدًا ودائمًا؟

من مجلة (ذي أتلانتك) تنشر في عدد أيلول/سبتمبر 2019 ترجمة: ابراهيم العيسى تدقيق: عمر اكرم …

 فايروس كورونا يقتل العولمة كما نعرفها

بقلم: فيليب ليجراين بتاريخ: 12 مارس 2020 لموقع: foreign policy ترجمة: محمد الدباغ تدقيق: ريام …