الرئيسية / غذاء / من العصر البرونزي إلى تعليب الطعام: كيف غيّر القصدير الإنسانية؟

من العصر البرونزي إلى تعليب الطعام: كيف غيّر القصدير الإنسانية؟

مايكل كورتي

موجّه الالتزام الفيزيائي – جامعة التكنولوجيا – سيدني

ترجمة: أحمد الحسيني

تدقيق: عمر اكرم المهدي

تصميم الصورة: امير محمد

 

أذكر القصدير، ومعظم الناس سيفكرون في العلبة النموذجية، التي تستخدم لحفظ الأطعمة التي تُخزن في دواليبك الخاصة. يُستخدم القصدير هنا للمساعدة في حماية العلبة من التآكل (بالرغم من أن عُلب اليوم لا تحتوي على القصدير).

في حين أن استخدام القصدير للتعليب يرجع فقط إلى أوائل القرن التاسع عشر، إلا أن خلط القصدير مع العناصر الأخرى يرجع إلى عدة قرون.

القصدير – صاحب الرمز الكيميائي Sn وذو الرقم الذري 50 في الجدول الدوري – ناعم وفضي اللون، ينصهر بدرجة حرارة تبلغ 232 درجة مئوية فقط. للوهلة الأولى، لا يبدو كاحتمالٍ واعدٍ لصنع أي شيء.

بطريقةٍ ما، اكتشف البشر أن إضافة كميات مضبوطة من القصدير إلى النحاس ينتج سبيكة ذهبية صفراء رائعة نُطلق عليها اسم (البرونز).

أصبحت مهتمًا أولًا بالبرونز خلال مشروعي البحثي في ​​السنة الأخيرة في عام 1978، واستمر هذا الاهتمام اليوم – أنا أعمل مع زملائي في تايلاند على إعادة هندسة التقنيات المستخدمة في صنع الأساور البرونزية التايلاندية القديمة.

 

 

الظهور المبكر للبرونز

 

يبدو أن أوائل برونزيات القصدير المعروفة ظهرت في منطقة القوقاز في أوراسيا قبل حوالي 5800 إلى 4600 ق.م. قد تكون هذه الأمثلة المبكرة والنادرة لبرونز القصدير مصنوعة بطريق الخطأ من خامات نادرة نوعًا ما، تحتوي بشكل طبيعي على كل من النحاس والقصدير في وقت واحد.

هنالك أدلة كثيرة على أنه بحلول 3000 سنة قبل الميلاد، كان البرونز يُصنع من القصدير في حوض بحر إيجة والشرق الأوسط (تركيا وسوريا والعراق وإيران) عن طريق خلط القصدير والنحاس عن عمد، مع الحصول على الخامات من مصادر منفصلة.

من الواضح أن سلسلة من الأحداث غير المتوقعة قد حدثت وأدّت إلى أن يتكون هذا النموذج.

الانصهار غير المقصود يجب أن يكون مصنوعًا من معادن مناسبة تحتوي على أكاسيد القصدير والنحاس. ويجب التعرف على المعدن الناتج ليكون له خصائص مرغوبة، مثل الصلابة واللون والمتانة، تمكنها من إنتاج أسلحة متفوقة أو حلي.

عندها كان يتعين على الحرفيين أن يكونوا منظمين بما فيه الكفاية ليصبحوا قادرين على تحديد كيفية تكرار عملية الصهر هذه لإنشاء قطع أثرية مثل السيوف ورؤوس الفأس والأطباق والأساور.

ثم كان لا بد من إنشاء شبكات تجارية لنقل القصدير النادر نسبيًا من أماكن بعيدة، مثل أفغانستان أو كورنوال جنوب غرب بريطانيا، إلى أي مسبك. يجب أن تنتقل الحرفة المعدنية إلى ممارسين آخرين، ربما عن طريق الوسائل الشفهية.

 

انتشار البرونزية

خدعة إضافة القصدير إلى النحاس عن عمد انتشرت في جميع أنحاء العالم القديم، لتصل إلى أوروبا الغربية حوالي عام 2800 ق.م، ومصر بحلول عام 2200 ق.م.، وسهول شمال الصين المكتظة بالسكان بحلول عام 2200 ق.م.، ومقاطعة يوننان في الصين حوالي عام 1400 ق.م.، وتايلاند في عام 1100 ق.م.، وجنوب الهند بحلول عام 1000 ق.م. (إن لم يكن بقرن أو قرنين سابقين قبل ذلك).

 

وقد أدت معرفة تواريخ انتقال الخدعة إلى نقاش قوي بين علماء الآثار حول ما إذا كانت المعرفة الخاصة بالسمات المفيدة للقصدير تنتشر من موقع مؤسس واحد وهو “الشرق الأوسط”، أم إنها قد طُورت بشكل مستقل من قبل الحرفيين الأصليين.

في حالة تايلاند وكمبوديا، أُثيرت الحجج لعدة سيناريوهات، من بينها: أن التكنولوجيا قد تم تطويرها بشكل مستقل، أو أنها جُلبت جنوبًا من الصين (أو ربما العكس، تم تصديرها من شمال شرق تايلاند إلى الصين)، أو أنه تم استيرادها من البنغال.

 

مع الصين، فضّل بعض العلماء المحليين وجهة نظر الاكتشاف المحلي المستقل لبرونز القصدير، على الرغم من أن ميزان الأدلة يشير للمعرفة بانها منقولة خلال تدفق الزوار من غرب آسيا.

 

البرونزية الأفريقية

 

تم تعدين القصدير أيضًا في أوقات ما قبل الاستعمار في جنوب أفريقيا، وتم استرداد بعض القطع الأثرية البرونزية – مثل قطع من الصفائح المعدنية أو السبائك – في مواقع التعدين القديمة هناك.

 

تشير الدلائل المتوفرة عن هذه المنطقة إلى أن تكنولوجيا إنتاج وعمل الحديد والنحاس والبرونز ظهرت بشكل متزامن عند مواقع جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، بدءًا من 500 سنة قبل الميلاد في الشمال، وصولًا إلى جنوب أفريقيا في حوالي 300 م.

كيف وصلت المعرفة المعدنية إلى جنوب أفريقيا؟ هل اكتشف السكان الأصليون لغة البانتو في شرق أفريقيا ومن ثم حملوا معهم المعرفة أثناء هجراتهم، أم انتقلت المهارة الجنوب الأفريقية من الشرق الأوسط، وإذا كان الأمر كذلك فمن قام بها وكيف؟

كما هو الحال في آسيا، يمكن تفسير هذه القضايا بالحساسية السياسية الحديثة. السؤال عن مصدر مهارات الأشغال المعدنية التي أنتجت الحلي النحاسية والذهبية الجميلة لحضارة مابونجوبوي القديمة في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، لم يتم تسويتها بعد.

 

البرونز في الأمريكيتين

 

الثقافات القديمة للأمريكيتين طورت كذلك مهارات معقدة لمعالجة المعادن النفيسة والنحاس والقصدير.

تمكنوا من صنع قطع أثرية من البرونز مثل الخواتم والمعلقات وزخارف الجسم وملاقط الزينة وقوالب الصفيح المعدنية والأقراص الكبيرة والدروع المزخرفة والأجراس عن طريق الصب من حوالي 1000 م في أمريكا الجنوبية، وبعد ذلك بوقت قصير في الغرب المكسيكي.

في حالة أمريكا الوسطى، يُعتقد أن معرفة البرونز نُقلت شمالًا من بيرو والإكوادور إلى المكسيك بواسطة تجار البحر.

من الواضح أن العالم القديم، القديم والجديد على حد سواء، كان مرتبطًا جدًا بطرق تجارية طويلة تتدفق عبرها الأفكار (والقصدير أيضًا).

 

مزيج من القصدير

 

الانتقال التكنولوجي يمكن تتبعه عن طريق الانتباه لجوانب محددة من المعادن المادية المعنية.

عند إضافة أكثر من حوالي 15٪ من كتلة قصديرية إلى النحاس، تصبح السبائك الناتجة هشة إلى حد ما في شكلها المصبوب، حتى إذا كانت تمتلك مظهرًا بلون أصفر ذهبي دافئ.

ولكن ظهر اكتشاف رائع قام به أحد ما في مكان ما، حيث أنه إذا تم إخماد مثل هذا الصب المعدني من الحرارة الحمراء إلى ماء (أو محلول ملحي) بسرعة، يصبح أكثر ليونة وعمليًا نسبيًا.

تترك معالجة الإخماد الحراري بنية مجهرية دقيقة تشبه الإبرة (تُعرف باسم مارتنسايت) يمكن اكتشافها بواسطة المجهر. وهذا الأمر يخبر عالم الآثار أن الجزء تم تصنيعه من خلال عملية معقدة نسبيًا، بدلًا من مجرد صبّه.

عندما يكون محتوى القصدير أقل من حوالي 15٪، لا توجد أشكال مارتنسايت ولا يحدث شيء لافت للنظر عند التبريد.

النتيجة التي يتم الحصول عليها عند المعالجة الحرارية لبرونز عالي القصدير غير بديهية، لأنه، عند معالجة الحديد بنفس الطريقة، يصبح صلبًا وهشًا. وحيلة صنع البرونز الصلب، محددة للغاية، وعلى الأرجح أنه تم نقل هذه الحيلة من شخص لآخر.

كان نقلها عبر العالم القديم يتطلب أفرادًا مطلعين يسافرون مسافة كبيرة عبر الأجواء الأجنبية، وظهور هذه المصنوعات اليدوية في مواقع بعيدة في جميع أنحاء أوراسيا وأفريقيا هو علامة أخرى على العولمة القديمة.

 

 

عنصر إضافي

 

هنالك خدعة أخرى تظهر في البرونز القديم، على الرغم من اكتشاف هذه الخدعة بشكل مستقل في أكثر من موقع واحد.

في وقت ما في العصر البرونزي المتأخر أو في العصر الحديدي المبكر (حوالي 500 قبل الميلاد)، بدأ الحرفيون في إضافة الرصاص إلى مصبوبات برونز القصدير. وهذه الإضافة تمنح المعدن المصهور سيولة إضافية، مما يسمح له بالتدفّق إلى التفاصيل الدقيقة في القالب، بحيث يمكن تصنيع المسبوكات ذات التفاصيل الدقيقة والأشكال المنقوشة.

كعنصر، الرصاص ليس لامعًا أو جذابًا مثل القصدير. هو أكثر كثافة ويوجد في خامات مختلفة تمامًا مثل مركب غاليناgalena  (كبريتيد الرصاص). يبدو أن أقدم برونز مصبوب معروف بإضافات كبيرة محكومة من الرصاص ظهر في الصين (من 500 إلى 200 ميلادي). مرة أخرى، كان من الواضح أنه ابتكار متعمد، ومرة ​​أخرى انتشر بسرعة في جميع أنحاء أوراسيا.

مع تنقيب المزيد من المواقع، مثل تلك الموجودة في شرق تايلاند، ومع زيادة قاعدة بيانات التراكيب، السبائك والتواريخ، سيكون من الممكن إلقاء المزيد من الضوء على طرق التجارة القديمة والهجرة وتنقّل التكنولوجيا.

سيكون وجود واستخدام القصدير في هذه المواقع بمثابة نوع من الحمض النووي المعدني، وهو مؤشر للتبادل الثقافي والإنساني القديم.

 

المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

بشرى لعشاق القهوة في العالم

ترجمة: نوال حمزة تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: مكي السرحان شاربوا القهوة في العالم.. ابتهجوا!! …

السكريات تزيد من خطر الإصابة بالإكتئاب عند الرجال

ترجمة: ذو الفقار علي تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: مكي السرحان السكريات ليس لديها تاريخ …