الرئيسية / سياسة / الصين تفرض إجراءات تحديد النسل لاستئصال أقلية الأويغور

الصين تفرض إجراءات تحديد النسل لاستئصال أقلية الأويغور

الكاتب: أسوشيتد برس

موقع: تايم دوت كوم

التاريخ: 29 يونيو 2020

ترجمة: الطيب جابر عطا الله 

تدقيق: ريام عيسى

تصميم الصورة: امير محمد

 

 

تتبنى الحكومة الصينية إجراءات صارمة لخفض معدلات المواليد بين الأويغور والأقليات الأخرى كجزء من حملة شاملة لكبح سكانها المسلمين، في الوقت الذي تشجع فيه بعض الأغلبية الهانية في البلاد على إنجاب المزيد من الأطفال.

في الوقت الذي تحدثت فيه النساء في السابق عن التحديد الإجباري للنسل، زادت وتيرة الممارسات حتى صارت منتشرة على نطاق واسع، بل وتسير بطريقة منهجية مقارنةً بما كان سائداً في السابق بحسب التحقيقات التي أجرتها الأسوشيتد برس اعتماداً على الإحصاءات الحكومية والوثائق الرسمية وإجراء مقابلات مع 30 محتجزاً سابقاً وأفراد أسرة ومعلم سابق في إحدى معسكرات الاعتقال. ويسمي بعض الخبراء تلك الحملة التي بدأت خلال السنوات الأربع الماضية في منطقة أقصى غرب شينجيانج شكلاً من أشكال «الإبادة الجماعية الديمغرافية».

توضح المقابلات والبيانات أن الدولة تُخضع نساء الأقليات لفحوصات حمل منتظمة، وتجبرهن على وضع أجهزة اللولب الرحمي والتعقيم، بل وإرغام مئات الآلاف منهن على إجراء عمليات الإجهاض. وعلى الرغم من انخفاض استخدام اللولب الرحمي والتعقيم على الصعيد الوطني، غير أنه يشهد ارتفاعاً ملحوظُاً في شينجيانغ.

وتدعم تدابير السيطرة على السكان الاعتقال الجماعي كتهديد وعقاب لعدم الامتثال. ووجدت الوكالة أن إنجاب عدد كبير من الأطفال سبب رئيسي في إرسال الأشخاص إلى معسكرات الاعتقال، إذ يُبعد الوالدين ممن لديهم طفلين أو أكثر عن عائلاتهم ما لم يتمكنوا من دفع غرامات باهظة. كما تداهم الشرطة المنازل وترهب الآباء أثناء بحثها عن الأطفال المخفيين.

بعد أن أنجبت غولنار أوميرزاخ، كازاخستانية مولودة في الصين، طفلها الثالث، أمرتها الحكومة بإدخال اللولب. وبعد مرور عامين على ذلك، وتحديداً في يناير 2018، طرق أربعة مسؤولين يرتدون ملابس عسكرية مزيفة باب دارها، وأعطوا أوميرزاخ، وهي ربة بيت فقيرة متزوجة من تاجر خضروات محتجز، ثلاثة أيام لدفع غرامة قدرها 2685 دولارًا بسبب إنجابها أكثر من طفلين.

وأنذرها المسؤولين بأنها ستنقل إلى جانب زوجها إن لم تدفع تلك الغرامة. ويتجرع مليون شخص ينتمون إلى أقليات عرقية أخرى مرار الاحتجاز في معسكرات الاعتقال -غالبًا بسبب إنجاب عدد كبير جداً من الأطفال.

وتقول أوميرزاخ التي تذرف دموعها عندما تتذكر ذلك اليوم: «الله مَنّ عليك بنعمة الأطفال، ومنع الناس من إنجاب الأطفال أمر خاطئ، إنهم يريدون تدميرنا كشعب».

ونشأ عن حملة تحديد النسل انتشار جو يسوده الخوف بسبب إنجاب الأطفال، كما رأينا في المقابلة تلو المقابلة. وانخفضت معدلات المواليد في معظم مناطق الأويغور، ففي مناطق هوتان وكاشغار انخفضت تلك النسبة لأكثر من 60 ٪ من عام 2015 إلى 2018، وهو آخر الأعوام التي توفرت فيها إحصائيات حكومية. وتظهر الإحصاءات أن معدلات المواليد في جميع أنحاء منطقة شينجيانغ تواصل انخفاضها، إذ تراجعت بنسبة 24٪ تقريباً العام الماضي وحده مقارنة بـ 4.2٪ فقط على مستوى الدولة.

حولت مئات الملايين من الدولارات التي وضعتها الحكومة بغرض تحديد النسل إقليم شينجيانغ كونه أسرع المناطق نمواً في الصين إلى أبطأ المناطق خلال بضع سنوات فقط، وفقاً لبحث جديد حصلت عليه الوكالة للباحث الصيني أدريان زينز قبل نشره.

وقال زينز، الخبير البارز في حفظ الأمن في مناطق الأقليات في الصين: «هذا النوع من الانخفاض غير مسبوق، وتتجلى الوحشية في تطبيقه، ويمثل ذلك العمل جزء من حملة واسعة النطاق تصبو إلى إخضاع سكان الأويغور».

وأحالت وزارة الخارجية الصينية عدة طلبات إلى حكومة شينجيانغ لتقديم تعليقات على ذلك، غير أنها لم تقدم رداً على ذلك. ومع ذلك، قال المسؤولون الصينيون في الماضي إن الإجراءات الجديدة لا تهدف إلا إلى تحقيق العدالة، إذ تسمح لكل من الصينيين الهان والأقليات العرقية بإنجاب عدد الأطفال ذاته.

كانت الصين تمتلك على مدار عقود أحد الأنظمة الأكثر شمولاً لاستحقاقات الأقليات في العالم، حيث حصل الأويغور وآخرون على المزيد من النقاط في امتحانات القبول بالجامعات، والحصول على مناصب في الوظائف الحكومية وتساهل فيما يخص القيود الخاصة بتحديد النسل. وفي إطار سياسة “إنجاب طفل واحد” المتروكة التي تخلت عنها الصين، وشجعت السلطات منذ فترة طويلة أقليات الهان الصينية بل وإرغامهن في أحيانٍ كثيرةٍ على استخدام وسائل منع الحمل والتعقيم والإجهاض. ولكن يُسمح للأقليات بإنجاب طفلين، وإنجاب ثلاثة أطفال في حالة قدومهم من المناطق الريفية.

لكن في عهد الرئيس شي جين بينغ، أكثر قادة الصين استبداداً منذ عقود، تقلصت تلك الامتيازات. ففي عام 2014، وبعد وقت قصير من زيارة شي شينجيانغ، صرح كبير المسؤولين في المنطقة إن الوقت قد حان لتنفيذ «سياسات متساوية فيما يخص تنظيم الأسرة» على جميع الأعراق و «خفض معدلات المواليد وثباتها». ففي السنوات اللاحقة أعلنت الحكومة أنه بدلاً من إنجاب طفل واحد فقط ، يمكن للصينيين الهان الآن إنجاب طفلين، وثلاثة في المناطق الريفية في شينجيانغ ، مثل الأقليات.

غير أن تطبيق المساواة غير نافذ على أرض الواقع، إذ يُجنب الهان من تنفيذ عمليات الإجهاض على نطاق واسع، وإرغام عرقيات أخرى في شينجيانج على التعقيم وإدخال اللولب والاحتجاز بسبب إنجاب عدد أطفال كبير كما تظهر المقابلات والبيانات. وتفرض عقوبات على بعض المسلمين القاطنين في الأماكن الريفية، أمثال أوميرزاخ، على إنجاب ثلاثة أطفال حتى إن سمح القانون بذلك.

وحذر علماء مدعومون من الدولة لسنوات من أن العائلات المتدينة المقيمة في المناطق الريفية الكبيرة هي السبب الجذري وراء تنفيذ التفجيرات وحوادث الطعن وغيرها من الهجمات التي تنسبها حكومة شينجيانغ إلى الإرهابيين المنسوبين إلى الإسلام. وكان عدد السكان المسلمين المتنامي أرضاً خصبة لانتشار الفقر والتطرف «زيادة المخاطر السياسية»، وفقاً لبحث أجراه رئيس معهد علم الاجتماع في أكاديمية شينجيانغ للعلوم الاجتماعية. واستشهد آخر بأن الاعتقاد الديني بأن «الجنين هبة من الله» يمثل أحد العقبات الرئيسية.

ويقول خبراء من الخارج إن حملة تحديد النسل هي جزء من اعتداء الدولة على الأويغور لإبعادهم عن عقيدتهم وهويتهم وإدماجهم ثقافة الهان الصينية المهيمنة رغماً عنهم. إذ يخضعون في المعسكرات لعملية إعادة التعليم السياسي والديني في المخيمات والعمل الإجباري في المصانع، أمّا أطفالهم فيودعوا في دور الأيتام.  ويجري اقتفاء أثر الأويغور وغالبيتهم مسلمين، أيضاً باستخدام أجهزة مراقبة رقمية.

قال دارين بايلر، الخبير في شؤون الأويغور في جامعة كولورادو: «قد لا تكون النية معقودة لاستئصال سكان الأويغور استئصالاً كاملاً، لكن الهدف المرجو من ذلك هو الحد من انتشارهم الملحوظ؛ ممّا يمهد الطريق أمام عملية الاستيعاب».

يرى البعض أن الأمر له أبعاد أخرى.

 قالت جوان سميث فينلي، التي تعمل في جامعة نيوكاسل في المملكة المتحدة: «تمثل تلك الأفعال إبادة جماعية، وتوقف تام، ولكنها ليست فورية وصادمة. فهي إحدى صور القتل الجماعي التي تنفذ ببطء غير أنها مؤلمة ومؤذية»، وأضافت: «أنها طرق مباشرة لتقليل عدد سكان الأويغور وراثياً».

وعلى مدى قرون كانت تسكن الأغلبية مسلمة في المنطقة القاحلة غير الساحلية التي تطلق عليها الصين الآن اسم «شينجيانغ»، وتعني «الحدود الجديدة» بلغة الماندرين.

بعد الاجتياح الذي نفّذه جيش التحرير الشعبي في عام 1949، أمر الحكام الشيوعيون الجدد في الصين الآلاف الجنود بالاستقرار في شينجيانغ، مما دفع سكان هان من 6.7 ٪ في ذلك العام إلى أكثر من 40 ٪ بحلول عام 1980. وقد أثارت هذه الخطوة القلق بشأن الهجرة الصينية التي استمرت حتى يومنا هذا. غير أن الجهود الصارمة لتقييد معدلات المواليد في التسعينات شهدت تراجعاً كبيراً، نتيجة لدفع العديد من الآباء الرشاوى أو تسجيل الأطفال على أنهم نسل أصدقاء أو نسل أفراد أسرة آخرين.

انقلبت الأمور رأساً على عقب بدءاً من عام 2017، إذ شهدت تلك المنطقة حملة غير مسبوقة؛ حيث رُمي مئات الآلاف من الناس في السجون والمعسكرات بسبب «ظهور علامات التطرف الديني» المزعومة مثل السفر إلى الخارج، أو الصلاة، أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الأجنبية. وأطلقت السلطات نشرات  تحقيقات على غرار «أسلوب حملات التفتيش» لاستئصال شأفة الآباء ممن أنجبوا العديد من الأطفال، حتى أولئك الذين وُلدوا منذ عقود.

وتنص التوجيهات الموجودة في المقاطعتين والبلدية التي نُشرت في عامي 2018 و2019: «عدم ترك نقاط ضعف»، وهو ما كشف عنه زنيز، الذي يعمل منظماً مستقلاً أيضاً في مؤسسة ضحايا الشيوعية التذكارية ، وهي منظمة غير ربحية من الحزبين ومقرها واشنطن العاصمة. ويضيف شخص ثالث أيضاً أن توجيهاً آخر يقول: «الحد من عمليات الولادة غير قانونية، وخفض مستويات الخصوبة».

بدأ المسؤولون والشرطة المسلحة بقرع الأبواب بشدة بحثاً عن الأطفال والنساء الحوامل، وأُمروا سكان الأقليات بحضور مراسم رفع العلم الأسبوعية، ووجه المسؤولون تهديدات للسكان بالاحتجاز في حالة عدم تسجيلهم جميع أطفالهم، وفقًا لمقابلات مدعومة بقوائم الحضور وكتيبات.  وكشفت نشرات وكالة أسوشيتد برس أن الحكومات المحلية أقامت أنظمة منح مكافأة لأولئك الذين يبلغون عن عمليات الوضع غير القانونية أو عملت على توسيعها.

وقالوا إنه في بعض المناطق، أمرت النساء بإجراء فحوصات خاصة بأمراض النساء بعد الاحتفالات. وفي حالات أخرى، جهّز المسؤولون غرفاً خاصة بأجهزة مسح بالموجات فوق الصوتية لإجراء اختبارات الحمل.

وتنص الأوامر الواردة في التوجيهات البلدية في عام 2018 «اختبار كل من يحتاج إلى اختبار»، «تتبع الذين ينتهكون السياسات في وقت مبكر والتعامل معهم».

كان عبد الشكور عمر من بين الضحايا الأوائل الذين وقعوا ضحية حملة القمع ضد الأطفال. وكان أباً فخوراً، يعمل سائق جرار وتحول إلى تاجر فواكه وينتمي إلى أقلية الاويغو، يعتبر أطفاله السبعة نعمة من الله.

لكن السلطات بدأت ملاحقته في 2016. وفي العام التالي، أُلقي به في أحد المعسكرات وحُكم عليه في وقت لاحق بالسجن سبع سنوات، سنة واحدة لكل طفل، بحسب ما قالته السلطات لأقاربه.

قالت زهرة، ابنة عم عمر، من المنفى في تركيا: «قضى ابن عمي كل وقته في رعاية أسرته، ولم يشارك أبدًا في أي حركات سياسية، كيف يمكن أن تسجن سبع سنوات بسبب إنجاب الكثير من الأطفال؟ نحن نعيش في القرن الواحد والعشرين -هذا أمر لا يمكن تصوره».

قال خمسة عشر من الأويغور والكازاخ لوكالة أسوشييتد برس إنهم يعرفون الأشخاص المعتقلين أو المسجونين بسبب إنجابهم عدد كبير من الأطفال، إذ حكم على كثير منهم بالسجن لسنوات، بل لعقود في السجن.

بيّنت بيانات مسربة حصلت عليها وكالة أسوشييتد برس أنه من بين 484 محتجزاً مُدرجاً في مقاطعة كاراكس في شينجيانغ ، كان هناك 149 منهم بسبب إنجاب عدد كبير من الأطفال – السبب الأكثر شيوعاً لاحتجازهم. الوقت الذي يُمضى في السجن  – تسميه الحكومة «التعليم والتدريب» – للآباء الذين لديهم عدد كبير من الأطفال هي سياسة مكتوبة فيما لا يقل عن  ثلاثة مقاطعات، وفقاً لما أكدت عليه المنشورات التي عثر عليها زنز.

في عام 2017، فرضت حكومة شينجيانغ غرامة باهظة وصلت إلى ثلاثة أضعاف بسبب انتهاك قوانين تنظيم الأسرة حتى لأفقر السكان، وهو ما يمثل ما لا يقل عن ثلاث مرات الدخل السنوي المتاح للمقاطعة. وتطبق الغرامات على الصينيين الهان، ولا إرسال سوى الأقليات إلى معسكرات الاعتقال في حالة عدم قيامهم بالدفع، وفقاً للمقابلات والبيانات. وتظهر التقارير الحكومية أن المقاطعات تجمع ملايين الدولارات من الغرامات سنوياً.

في جهود أخرى لتغيير التوازن السكاني في شينجيانغ، تقدم الحكومة الصينية الأراضي والوظائف والإعانات الاقتصادية لإغراء المهاجرين الهان هناك. كما أنها تدعم بقوة التزاوج بين الهان الصينيين والأويغور، حيث أخبر زوجان وكالة أسوشييتد برس أنه تم منحهما المال للسكن ووسائل الراحة مثل الغسالة والثلاجة والتلفزيون.

قال جيمس ليبولد، المتخصص في السياسة العرقية الصينية في لا تروب في ملبورن: «إنه يرتبط بالعودة إلى تاريخ الصين الطويل في التدليل على تحسين النسل … أنت لا تريد أن يتكاثر أفراد ذوي تعليم ضعيف وأقليات هامشية بسرعة»، “فكل ما تريده فرد هاني متعلم لزيادة معدل المواليد».

يصف سلطان المسار الذي تتشابه في السياسة المتتبعة مع الأويغور: «تريد الحكومة الصينية السيطرة على سكان الأويغور وتجعلنا أقل وأقل حتى نختفي».

بمجرد دخول النساء إلى معسكرات الاعتقال، يتم إرغامهن تركيب لولب رحمي للنساء بالقوة وما يبدو أنه طلقات منع الحمل، وفقاً لمحتجزين سابقين. وقد أجبروا أيضاً على حضور محاضرات حول عدد الأطفال الذين يجب أن ينجبوا.

قال سبعة محتجزين سابقين لوكالة أسوشييتد برس إنهم تلقوا حبوب منع الحمل التي يتم تغذيتهم بها بالقوة أو حقنهم بالسوائل، دون تقديم تفسير في أغلب الأحيان. وشعرت الكثير منهن بالدوار، أو التعب، أو المرض، وتوقف مجيء الدورة الشهرية للنساء. وبعد إطلاق سراحهن ومغادرتهن الصين، ذهب بعضهم لإجراء فحوص طبية ووجدوا أنهم صرن عقيمات.

لم تظهر الأشياء التي تم حُقن المعتقلات السابقات بها. ولكن شرائح مستشفى شينجيانغ التي حصلت عليها أسوشيتد برس تظهر أن استخدام حقن منع الحمل، في بعض الأحيان مع الدواء الهرموني ديبو-بروفير، إجراء شائع لتنظيم الأسرة؛ وقد ينشأ عنه حدوث آثار الجانبية مثل الصداع والدوار.

دينا نورديباي، امرأة كازاخستانية ، محتجزة في مخيم يفصل بين المتزوجات وغير المتزوجات. وتذكر نورديباي أن النساء المتزوجات خضعن لفحوصات الحمل، وأجبرن على تركيب اللولب إذا كان لديهن أطفال، وأُنقذت من ذلك لأنها كانت غير متزوجة وبلا أطفال.

في أحد أيام شهر فبراير 2018، كان على إحدى زميلاتها في الزنزانة، امرأة من الأويغور، إلقاء خطاب تعترف فيه بما أطلق عليه الحراس «جرائم». وعندما نظر مسؤول زائر عبر القضبان الحديدية في زنزانتها، تلت خطوط الخطاب بلغة ماندرين لكن بطريقة متقطعة.

قالت: «أنجبت الكثير من الأطفال، ويظهر ذلك أنني غير متعلمة، ولا أعرف عن القانون سوى القليل».

ووفقُا لنورديباي طرح أحد المسؤولين سؤالاً نصه: «هل تعتقد أنه من العدل السماح لشعب الهان بإنجاب طفل واحد فقط؟». وأضاف ذلك المسؤول: «أنتم أقليات عرقية مخزية ومتوحشة وغير متمدنة».

قابلت نورديباي اثنتان على الأقل في المعسكرات علمت أن سبب حبسهن هو إنجاب عدد كبير من الأطفال. وفي وقت لاحق، نقلت إلى مؤسسة أخرى بها دار للأيتام تأوي مئات الأطفال، بما في ذلك أولئك الذين لديهم آباء محتجزين بسبب الإنجاب لمرات عديدة، ويحسب الأطفال الأيام حتى يتمكنوا من رؤية والديهم في زيارات نادرة.

قالت: «قالوا لي إنهم يريدون معانقة والديهم، لكن لم يسمح لهم بذلك، وقد بدا عليهم حزن دائم لا ينتهي».

وقالت تورسوناي زيودون وهي معتقلة سابقة أخرى، إنها حُقنت حتى توقفت عندها الدورة الشهرية، وركلت ركلاً متكرراً أسفل منطقة البطن أثناء الاستجواب، وأنها غير قادرة على الإنجاب إضافة إلى تضاعف الألم، وتعرضها لنزيف في الرحم.

اضطرت زيودون و40 امرأة أخرى في «فصلها» لحضور محاضرات تنظيم الأسرة والتي غالباً ما تكون في أيام الأربعاء، حيث تم عرض أفلام عن النساء الفقيرات اللواتي يكافحن من أجل إطعام العديد من الأطفال. وحصلت النساء المتزوجات على مكافآت نظير سلوكهن الحسن خلال الزيارات الزوجية مع أزواجهن، إضافةً إلى توفير الحمامات والمناشف وساعتين في غرفة النوم. ولكن هناك شرط -كان عليهن تناول حبوب منع الحمل مسبقاً.

وبلّغ بعض النساء عن عمليات إجهاض قسري، وقالت: زيودون أن «معلمة» في معسكرها أخبرت النساء أنهن سيواجهن عمليات إجهاض إذا وُجِدَن حوامل خلال إجراء فحوصات أمراض النساء.

وقالت إن امرأة في فصل آخر تبين أنها حامل اختفت من المعسكر. وأضافت أن اثنين من نساء عمومتها كن حوامل فتخلصن من أطفالهن بمفردهن بسبب خوفهن الشديد من ذلك الأمر.

وأكدت امرأة أخرى، هي غولباخار جليلوفا، أن المحتجزات في معسكرها أُجبرن على إجهاض أطفالهن. كما رأت أماً جديدة لا يزال الحليب يتسرب من ثديها لا تعرف ما حدث لطفلها. كما أنها قابلت طبيبات وطالبات في كلية الطب ألقي القبض عليهن لمساعدتهن الأويغور على التخلي عن النظام والولادة في المنزل.

في ديسمبر 2017، وأثناء عودتها من زيارة من كازاخستان إلى الصين، نُقلت غولسيا موجدين إلى المستشفى بعد أن عثرت الشرطة على تطبيق واتس على هاتفها. كشفت عينة من البول أنها حامل في شهرها الثاني بطفلها الثالث. وأخبر المسؤولون موجدين بحتمية القيام بالإجهاض، وهددوا باحتجاز شقيقها إن لم تفعل ذلك.

خلال العملية، أدخل الأطباء فراغاً كهربائياً في رحمها وامتصوا جنينها من جسدها. تم أخذها إلى المنزل وطُلب منها أخذ قسط من الراحة، لأنه من المزمع نقلها إلى المعسكر.

وبعد مضي أشهر، عادت موجدين إلى كازاخستان، حيث يعيش زوجها.

قالت موجدين، التي تزوجت مؤخراً: «كان الطفل الوحيد الذي كنا سننجبه معاً»، وأضافت «لا أستطيع النوم. هذا ظلم رهيب».

___________

يظهر نجاح الصين في السيطرة على المواليد بين الأقليات المسلمة في أعداد أجهزة اللولب والتعقيم.

في عام 2014، تم إدخال ما يزيد قليلاً عن 200.000 لولب في شينجيانغ. بحلول عام 2018، قفز هذا الرقم إلى أكثر من 60 في المائة إلى ما يقرب من 330.000 لولب. في الوقت نفسه، انخفض استخدام اللولب في أماكن أخرى في الصين، حيث بدأت العديد من النساء في إزالة الأجهزة.

وصفت معلمة سابقة دُربت للعمل كمعلمة في معسكر اعتقال تجربتها مع اللولب لأسوشيتد برس.

بدأ الأمر بتجمعات رفع العلم في مجمعها السكني في بداية عام 2017، إذ أجبر السكان على الهتاف: «إن كان لدينا عدد كبير من الأطفال، فنحن متطرفون دينيون … ويعني ذلك أننا ملزمون بالذهاب إلى مراكز التدريب». بعد كل مراسم رفع العلم، اعتقلت الشرطة الآباء مع عدد كبير جداً من الأطفال -أكثر من 180 -حتى «لم يبق أحد». كان الضباط المسلحون بالبنادق ومسدسات الصعق بالصدمات ينقلون جيرانها بعيدًا ليلاً، ويطرقون الأبواب بعنف من وقت لآخر، ويقتحمون شقتها بحثًاً عن المصاحف والسكاكين وسجادات الصلاة وبالطبع الأطفال.

قالت: «تشعرين وكأن قلبك يخرج من صدرك».

وفي أغسطس طُلب المسؤولين في مجمع المعلمات بتركيب اللولب لجميع النساء في سن الإنجاب. واحتجت قائلة إنها كانت في الخمسين من عمرها ولديها طفل واحد فقط ولا تعتزم إنجاب المزيد. فهددها المسؤولون بسحبها إلى مركز الشرطة وربطها على كرسي حديدي للاستجواب.

أُجبرت على ركوب حافلة مع أربعة ضباط مسلحين ونُقلت إلى المستشفى حيث اصطفت المئات من نساء الأويغور في صمت، في انتظار إدخال اللولب. بكت بعضهن في صمت، ولكن لم تتجرأ إحداهن على قول كلمة بسبب كاميرات المراقبة المعلقة في الهواء.

صُمم اللولب على أن يكون غير قابل للإزالة بدون استخدام أدوات خاصة. ففي أول 15 يوماً، أصيبت بالصداع ونزيف الحيض المستمر.

«لم أستطع تناول الطعام ولا النوم بطريقة سليمة. لقد تسببت في ضغوط نفسية هائلة. وقالت: «كان على نساء الأويغور فقط ارتدائه».

 وتظهر الاحصاءات الصحية الصينية حدوث طفرة تعقيم في شينجيانغ.

تظهر وثائق الميزانية التي حصل عليها زنز أنه اعتباراً من عام 2016، بدأت حكومة شينجيانغ في ضخ عشرات الملايين من الدولارات في برنامج جراحة تحديد النسل وحوافز نقدية للنساء ليصبحن عقيمات. وفي الوقت الذي انخفضت فيه معدلات التعقيم في بقية البلاد، فقد ارتفعت سبع مرات في شينجيانغ من 2016 إلى 2018، إلى أكثر من 60.000 إجراء. خصصت مدينة هوتان ذات الأغلبية الأوغورية ميزانية لإجراء 14.872 عملية تعقيم في عام 2019 _ حوالي 34 ٪ من جميع النساء المتزوجات في سن الإنجاب.

حتى داخل شينجيانغ، تختلف السياسات اختلافاً كبيراً، إذ تتسم بالقسوة المفرطة في جنوب الأويغور مقارنة بالشمال الذي تسكنه أغلبية هان. ففي شيهيزي، مدينة يسيطر عليها الهان ولا يشكل فيها الأويغور سوى 2 ٪ من السكان، تدعم الحكومة حليب الأطفال وخدمات الولادة في المستشفى لتشجيع المزيد من الأطفال ، وفقًا لما ذكرته وسائل الإعلام الحكومية.

ولم تحصل زومريت داوت على تلك المزايا. في عام 2018، تم حبس أم لثلاثة أطفال في معسكر لمدة شهرين للحصول على تأشيرة أمريكية.

عندما عادت إلى المنزل تحت الإقامة الجبرية، أجبرها المسؤولون على الخضوع لفحوصات نسائية كل شهر، إلى جانب كل نساء الأويغور في المجمع. نساء الهان تم إستثنائهن. وحذروا من إنها إذا لم تخضع بما أسموه “فحوصات مجانية” فقد ينتهي بها المطاف في المخيم.

يتذكر داوت، في أحد الأيام، أنهم توصلوا إلى قائمة تضم ما لا يقل عن 200 امرأة من الأويغور في مجمعها أرغمن على أن يصبحن عقيمات بسبب إنجابهن ما يزيد عن طفلين.

قالت داوت: “جيراني الصينيون الهان، تعاطفوا مع الأيغور». وذكروا لي: «أوه، إنك تعانين معاناةً رهيبة، ,وتنفذ الحكومة أفعالاً ممنوعة».

واحتجت داوت لكن الشرطة هددت مرة أخرى بإعادتها إلى المعسكر. خلال عملية التعقيم، قام الأطباء الصينيون الهان بحقنها بالتخدير وربطوا قناتي فالوب -وهي عملية دائمة. وعندما عادت شعرت بألم في رحمها.

قالت: «كنت في غاية الغضب، كانت لدى الرغبة في إنجاب طفل آخر».

عند النظر فيما حدث تجد أوميرزاخ نفسها محظوظة.

بعد ذلك اليوم القارس الذي هدد فيه المسؤولون بحبسها، اتصلت أومير زاخ بأقاربها على مدار الساعة. وقبل ساعات من الموعد النهائي، جمعت ما يكفي من المال لدفع الغرامة من بيع بقرة شقيقتها وقروضها عالية الفائدة، وتركها مكبلة في ديون باهظة.

في العام التالي، حضرت أوميرزاخ دروساً مع زوجات آخريات محتجزات بسبب إنجابهن عدد أطفال كبير. ثم عاشت بصحبة أطفالها مع اثنين من مسؤولي الحزب المحليين أرسلن خصيصاً للتجسس عليهم. وعندما أطلق سراح زوجها أخيراً، هربوا إلى كازاخستان ومعهن حزمة من البطانيات والملابس.

لقد غرس اللولب الذي لا يزال في رحم أوميزاخ الآن في لحمها، وترتب عليه إصابتها بالتهاب وألم في الظهر، «يشبه الشخص المطعون بسكين». بالنسبة لأوميرزاخ، فيمثل ذلك ذكرى مريرة بكل ما فقدته -ومحنة أولئك الذين تركتهم وراءها.

وأضافت في النهاية: «الناس هناك خائفون الآن من الولادة، وعندما أفكر في كلمة شينجيانغ ينتابني شعور داخلي بالخوف».

 

المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الجواز الأمريكي لا فائدة منه

يمكنني التنقل حيث شئت بجواز سفري الألماني. ولكن عدد الدول التي تسمح للأمريكيين بالدخول تكاد …

حصرياً: من داخل مخيمات تدريب تابعة لحزب الله لنشر الأخبار الزائفة  

  بقلم: ويل كريسب وسداد الصالحي  بتاريخ: ٢/آب / ٢٠٢٠ ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام …