الرئيسية / بايولوجي / اكتشاف الإنزيم المحوّل للأنجيوتنسين..سر لغز وباء كوفيد-19

اكتشاف الإنزيم المحوّل للأنجيوتنسين..سر لغز وباء كوفيد-19

بقلم: ميغان مولتيني

بتاريخ: 06/01/2020

الموقع: Wired

ترجمة: الطيب جابرعطا الله

تدقيق: ريام عيسى

تصميم الصورة: امير محمد

 

خلال الأشهر الأولى لظهور وباء كوفيد-19 التي سادتها الفوضى، بدا جليًا على أرض الواقع أن الفيروس الجديد المنتشر في شتى أنحاء العالم لم يحدث أثرًا في جميع الأشخاص على نحوِ متساوٍ. وأظهرت البيانات السريرية المبكرة التي أجريت بعيدًا عن الصين أن بعض الأشخاص حالتهم أكثر تدهوراً من الآخرين، لا سيّما الرجال والمسنين والمدخنين؛ وهو الأمر الذي دفع العلماء إلى طرح سؤال ماهيته: ما الذي يحدث إن كانت المخاطر المتنامية الناتجة عن العدوى الحادة، والموت المشترك بين جميع هؤلاء الأشخاص المختلفين محوره الاختلافات في بروتين واحد؟

شرع جيسون شيلتزر، عالم الأحياء الجزيئية في مختبر كولد سبرينج هاربور، في الحديث عن هذا الاحتمال مع شريكه، جوان سميث، مهندس برمجيات لدى شركة جوجل، خلال الأيام الأولى من تنفيذهم للحجر في مدينة نيويورك. ويقول شيلتزر: “اعتقدنا أن أيسر التفاسير يتلخص في تأثير كل تلك العوامل فيما يطلق عليه مُستقبل ACE2 «الإنزيم المحوّل للأنجيوتنسين».

 ويشير مصطلح ACE2 إلى «الإنزيم المحوّل للأنجيوتنسين»، وهو بروتين يقع على سطح العديد من أنواع خلايا جسم الإنسان، منها القلب، والأمعاء، والرئتين، وداخل الأجزاء الداخلية للأنف، إذ يمثل ترساً رئيسياً في مسار الكيمياء الحيوية التي تنظم ضغط الدم، والتئام الجروح، والالتهابات. وتُشكل الأحماض الأمينية الموجودة في ذلك الإنزيم جيباً مخدداً، مما يسمح لها بالتعثر، وتقطيع بروتين مدمر يسمى لانجيوتنسين 2؛ الذي يزيد بدوره من ضغط الدم وتدمير الأنسجة. بيد أن الأنجيوتنسين 2 ليس المكون الوحيد الذي يناسب جيب الإنزيم المحوّل للأنجيوتنسين، فهناك فعل البروتينات الحادة المماثلة للبطين التي تنتج فيروس كورونا الٌمُسبب لمرض سارس، وفيروس كورونا الذي يسبب كوفيد-19. ويشبه دخول الفيروس للخلية عبر الإنزيم الأنجيوتنسين حركة دوران المفتاح في المزلاج، إذ يسيطر بعدها على آلية صنع البروتينات في الخلية ليعمل على توليد نسخ منه، وتبدأ بعدها العدوى.

في الأيام الأولى لظهور الوباء، اتجه التفكير نحو شيء من هذا القبيل: كلما زادت الإنزيمات المحولة لدى الشخص، سهلت عملية اقتحام فيروس كورونا داخله، والتقدم عبر أنسجته؛ مما ينشأ عنه تولد أشكال أكثر شدة من المرض. وكلما زادت المنافذ داخل خلايا شخص ما، زاد تعرض الشخص للمخاطر. هذه هي الفرضية التي كان شيلتزر وسميث مهتمين بالتحقيق فيها، ولم يكونا وحدهما من شرعا في ذلك الأمر. فمع انتشار الفيروس خارج حدود الصين، ظهرت مجموعات أخرى بالغة الخطورة؛ لدى الأشخاص الذين يعانون أمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، والسمنة، ويتناول كثير من الأشخاص في تلك المجموعات الأدوية المعروفة بتعزيزها للإنزيم المحول، فنتج على إثر ذلك سؤال طرحه العلماء من جديد ألا وهو: هل يمكن أن يكون ذلك البروتين سببًا في ذلك؟

ولكن عندما بدأ الباحثون في كشف النقاب عن الصلة التي تجمع الإنزيم المحوّل والمرض الجديد الخطير، استعصت البيانات على التوافق مع أي أنماط منظمة يمكن التنبؤ بها. ويقول شيلتزر: «ما نعرفه الآن هو عدم توفر أي تفسيرات يسيرة، ومختصرة يمكنها توحيد جميع البيانات السريرية المُسترجعة حتى الآن». وعوضاً عن ذلك، ظهرت صورة أكثر تعقيداً، ولكنها ما تزال تحتوي على الإنزيم المحول في قلب الحدث.

التدخين يزيد من الإنزيمات المحولة للأنجيوتنسين

لم يكن بمقدور شيلتزر وسميث، المحجوران في بيوتهم، إجراء أي تجارب لطرح الفرضية الأولية. وبدلاً من ذلك عملا على تمشيط مجموعات البيانات الموجودة في الدراسات الحيوانية والبشرية التي قاست مستوى التعبير الجيني في مختلف الأنسجة. ووجدا مراراً وتكراراً أن النساء والرجال أنتجوا كميات مماثلة من الإنزيمات المحولة داخل خلايا الرئة، ولم يعثرا على أية اختلافات بين الشباب، وكبار السن، ولم تحدث الشيخوخة تغييراً في الإنزيمات المحولة بطريقة أو بأخرى، غير أن الأمر بالنسبة للمدخنين فقصته مختلفة.

عندما فحصا التعبير الجيني داخل رئات المدخنين مقارنة بغير المدخنين، رأوا ارتفاعاً كبيراً في الإنزيمات المحولة منبعه نوع معين من الخلايا وهي: خلايا الكأس الإفرازية. ويتجسد عمل المخاطين في تغطية الجزء الداخلي الجهاز التنفسي وحمايته من أي مهيجات قد تتنفسها (مثل القطران أو النيكوتين أو أي من الكيماويات الضارة الأخرى البالغ عددها 250 مادة كيميائية ضارة في دخان السجائر). فكلما زاد عدد المدخنين، تضاعفت خلاياهم الكأسية في محاولة لاحتجاز هذه المواد الكيميائية قبل أن تتلف الأنسجة المحيطة. وغذت الطبقات الكثيفة للخلايا الكأسية المنتشرة الزيادات في أعداد الإنزيمات المحولة، وفقاً لما ذكره شيلتزر وزملاؤه في دراسة نُشرت في مجلة Development Cell منتصف مايو.

ويقول شيلتزر: «يقترح تحليلنا تفسيراً جزئياً للعلاقة بين التدخين، وفيروس كورونا». وكشفت دراسة أخرى، أجريت في جامعة كولومبيا البريطانية، ونُشرت قبل يومين أيضاً أن خلايا المدخنين، والأشخاص الذين يعانون مرض الانسداد الرئوي المزمن، أو COPD، أنتجت المزيد من الإنزيمات المحولّة.

من أجل الوصول إلى فهم ما إذا كان هذا الرابط سببياً، سيستغرق المزيد من الوقت، والتجارب المعملية. بدأ فريق شيلتزر للتو في تنفيذ ذلك-زراعة خلايا الرئة في أطباق، وغسل بعضها في دخان السجائر داخل حجرة مغلقة، ثم إضافة فيروس كورونا المسبب لمرض سارس حي لمعرفة ما إذا كانت الخلايا المعرضة للدخان تنتج المزيد من الإنزيمات المحولة، وكذلك أكثر احتمالية لتعرضها للإصابة بالعدوى مقارنة بالخلايا الخالية من التدخين.

قدرة العقارات على تغيير الإنزيمات المحولة

نظرًا لأن فيروس كورونا المسبب لمرض سارس يهاجم في المقام الأول الرئتين، توقع الأطباء والعلماء أن يكون الأشخاص المصابون بالربو من بين الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بكوفيد-19. ولكن البيانات الواردة من خارج الصين ونيويورك تشير إلى أن مرضى الربو لا يشكلون سوى جزء صغير جدًا من الأشخاص الحاملين لكوفيد-19 ودخلوا المستشفى. ويقول مايكل بيترز، اختصاصي أمراض الرئة في جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو: «لا أحد يعرف حقًا سبب ذلك». فعلى مدى السنوات السبع الماضية، كان يدرس مع زملائه في ستة مراكز أبحاث سريرية أخرى مجموعة متألفة من 400 مريض مصاب بالربو، للسعي نحو فهم الآليات البيولوجية الكامنة وراء تطور المرض، وتقدمه لدى مختلف الأشخاص.

وفي دراسة نشرت في أبريل في مجلة American Journal of Respiratory and Critical Care Medicine، فحص الباحثون كمية الإنزيمات المحولة التي أنتجها مرضاهم في الخلايا المناعية للرئتين، ولم يروا اختلافًا كبيرًا بين مرضى الربو والأشخاص الأصحاء، إلا أنهم وجدوا أن مرضى الربو الذين استخدموا أجهزة الاستنشاق الستيرويد لديهم إنزيمات محولة قليلة بصورة ملحوظة.  وفي العموم، تقلل المنشطات الالتهاب، وفي وقت مبكر استخدمها الأطباء في الصين لعلاج الحالات الخطيرة التي تعاني كوفيد-19. ويقول بيترز: «تشير بياناتنا إلى أن الكورتيكوستيرويدات المستنشقة قد تكون أحد أسباب عدم ظهور الربو كعامل خطر كبير لكوفيد- 19»، وأضاف أيضاً: «ولكن لم يظهر بالفعل ما إذا كان هذا هو الشيء الوحيد الذي يحدث أم لا».

بعبارة أخرى، قد يكون مرضى الربو أكثر عرضة من المنظور البيولوجي، ولكن في الواقع يمكن حمايتهم بإعطائهم أدوية الستيرويد التي تحول دون إنتاج الإنزيمات المحولة. ولا يمكن لأجهزة الاستنشاق وحدها ليست تعديل الإنزيمات المحولة. في خلال الأيام الأولى من تفشي المرض، لاحظ بعض الباحثين أن العديد من مرضى كوفيد-19 يعانون ارتفاع ضغط الدم، وللعمل على خفضه كانوا يتناولون نوعين من الأدوية المعروفة لزيادة مستويات الإنزيمات المحولة. وقد دفعت تلك الفكرة الأطباء في شتى أنحاء العالم في مارس إلى تحذير ملايين الأشخاص الذين يتناولون هذه الأدوية وهما -حاصرات مستقبلات الأنجيوتنسين 2، ومثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين-من مخاطر تعرضهم المحتمل للإصابة بكوفيد-19.

وقد أهيل التراب على تلك الفرضية منذ ذلك الحين، إذ كشفت سلسلة دراسات وبائية ضخمة فحصت مرضى كوفيد-19، ممن يتناولون تلك العقارات أنها غير ضارة. ونشرت ما لا يقل عن اثنتي عشرة جمعية وجمعية طبية، منهم الكلية الأمريكية للأطباء وجمعية القلب الأمريكية، بيانات صادرة تقول فيها أن الأشخاص الذين يتناولون أدوية ارتفاع ضغط الدم ينبغي عليهم الاستمرار في ذلك. ويذكر بول إنسيل، عالم الصيدلة الجزيئية في جامعة كاليفورنيا، سان دييغو، وممن شاركوا في إجراء مراجعة لاحقة بشأن مخاطر حاصرات مستقبلات الأنجيوتنسين 2، ومثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين على المرضى المصابين بكوفيد-19: «كان الخوف ينحصر في الطريقة الذاتية التي يعالج بها المرضى أنفسهم بها باستخدام أدوية، مثل هيدروكسي كلوروكوين، سيبدأون بها التوقف عن تناول الأدوية ذاتياً، وقد يترتب على ذلك حدوث أمر كارثي بذات المقدار».

وأضاف أن محاولة الأشخاص التقليل من مستويات الإنزيمات المحولة أمراً خاطئاً، فبدونه يحدث تراكم لهرمون الأنجيوتنسين 2، الذي لا يرفع ضغط الدم فحسب، بل يمكن أن يؤدي أيضاً إلى ظهور موجات خطيرة من الجزيئات الالتهابية وحدوث تلف للأنسجة، وربما يكون عديم الجدوى، لأن فيروس كورونا لا يحتاج إلى العديد من الفتحات الجزيئية. وبحسب تقدير العلماء فإنه لا يستغرق سوى بضعة آلاف من جزيئات فيروس كورونا المسبب لسارس لتحديد العدوى.

تحقيق التوازن في إنتاج الإنزيمات المحولة

في الواقع بدأ علماء، مثل إنسيل الاشتباه في أن بعض أعراض كوفيد-19 بالغة الخطورة قد يكون سببه الافتقار إلى الإنزيمات المحولة على نحو كافٍ. فعندما يرتبط الفيروس بالمستقبل ينتج عنه حدوث سد يمنعه من أداء وظيفته العادية. إضافة إلى ذلك، تصد الخلية هذا الهجوم عن طريق إرسال إنزيم مختلف لاستئصال جميع مستقبلات الإنزيمات المحولة المتبقية على سطحها، ويترتب على ذلك ترك هذه الأنسجة دون وسيلة لإيقاف النشاط المستمر للالتهاب؛ مما ينتج عنه موت المزيد من الخلايا.

ويقول جافين أوديت، طبيب القلب ومدير عيادة وظائف القلب في جامعة ألبرتا، ويدرس مسار إشارات الإنزيمات المحولة: “هذا هو السيف ذو الحدين”. وأضاف قائلاً: “الإنزيم المحول هو جزيء وقائي للغاية، هذا ما يجعل فيروس كورونا الجديد مميتًا للغاية – نظرًا لأنه نشأ ليصبح مرتبطًاً بهذا الجزيء الذي تحتاجه ليكون لديك قلب ورئتين وأعضاء أخرى عاملة، وما يفعله هذا الفيروس هو التخلص من الإنزيمات المحولة التي تحتاج إليها”.

ويذكر إنسيل أن المهم هو تحقيق التوازن الصحيح، ويقول: “إنها نوعاً ما كعلاقة اليين واليانغ”. “هل هناك بصيص أمل؟ هذا ما نأمله “.

هذا هو السبب في بدء الباحثين إجراء تجارب سريرية الآن لاختبار ما إذا كانت أدوية ضغط الدم الموصوفة على نطاق واسع، والتي إما تحيد أنجيوتنسين 2 أو توقف إنتاجها تماماً، قد تتحكم بالفعل في المرض الذي يسببه مرض كورونا المسبب لسارس وعلاجه أم لا. ويسجل أحد زملاء إنسيل، وهو روهيت لومبا، حالياً المرضى في إحدى هذه التجارب في UCSD. وتخضع أدوية عديدة أخرى لتجارب  للحد من تناسخ الفيروس، مثل أدوية ريمديسيفير، فافيبيرافير. وتتضمن الاستراتيجيات الأخرى منع الفيروس من الالتصاق بالإنزيمات المحولّة في المقام الأول، سواء مع الأجسام المضادة من الناجين، أو الأجسام المضادة الاصطناعية، أو اللقاح. ولن تستهدف أدوية ضغط الدم الفيروس على إطلاقًا.  وسعوا عوضًا عن ذلك إلى تصحيح اختلال التوازن الجزيئي الذي تفاقم بسبب العدوى الفيروسية.

ويجيب إنسيل بالقول: «نتحدث عن فهم الطريقة التي يعمل بها المرض، والطريقة التي يتقدم بها على مستوى الأنسجة والخلايا»، ويضيف قائلاً: «إذا تمكنا من وقف ذلك، فيمكننا وقف الإصابات بالغة الخطورة».

لن تؤتي نتائج التجارب السريرية ثمارها إلّا بعد مرور شهور، نظرًا لوضوح دور الإنزيمات المحولة في بداية العدوى، ما يزال لدينا الكثير من الأمور لمعرفة طريقة تأثير الجزيء على مسار المرض الذي يليه. ومع ذلك، فإن العلماء يعرفون أن هذا أمر رائع بالفعل، كما يقول بيترز، اختصاصي أمراض الرئة في UCSF. ويقول: «لا نفهم حقًا كيف تؤثر المستقبلات الفيروسية في قابلية الإصابة بمعظم الأمراض». فتوفر التكنولوجيا اللازمة، مثل القدرة على الأقران داخل خلية واحدة لمعرفة البروتينات ومقارنتها بما حولها، لم تظهر إلّا في السنوات القليلة الماضية. ويختم حديثه بالقول: «إننا على وشك القيام بذلك، أراهن ببلوغنا تلك الغاية لمعالجة هذا المرض، ربما في غضون العقد القادم».

 

المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

“حمضٌ من بين ملايين الأحماض”: حمض الـ DNA ليس الجزيء الجيني الوحيد

تقديم: مات دافيس بتاريخ: 21. نوفمبر. 2019 لموقع: BIGTHINK.COM ترجمة: هندية عبد الله تصميم الصورة: …

“محرك الوعي” في الدماغ هي منطقة بالغة الصغر

بقلم: ستيفن جونسن بتاريخ: 12/شباط/2020 ترجمة: رهام عيروض بصمه جي تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: …