الرئيسية / سياسة / أطلال صدام

أطلال صدام

كتبها: بيشا ماجد

لموقع: فورن بولسي

ترجمة: فاطمة القريشي ونشتيمان حسن

تصميم الصورة: امير محمد

 

بالاغتيالات والضرب وحالات الاختفاء، أصبحت الحكومة العراقية أكثر استبداداً في ردها على المظاهرات.

بغداد ـ قادماً من جسر الأحرار في بغداد تاركاً خلفه دوي عبوات الغاز المسيل للدموع وإطلاقات نارية، رأى علي سامي ما خال أنه شاب متظاهر يلفظ أنفاسه ويتوسل للمساعدة. انعطف سامي لمنطقة العلاوي حيث سقط الشاب ليجد نفسه محاطاً بستة رجال بزي مدني. فز الشاب الذي أخذه سامي لإسعافه من المظاهرات وانظم للرجال ودفعوه إلى سيارة سوداء فعصبوا عينيه وطوقوا يديه وضربوه لساعات.

 

يقول سامي: “هددوني وقالوا لي ‘سنقتلك إذا ذهبت للتحرير، التحرير هي مركز المظاهرات، فهم يعرفوني بالاسم.”

 

وبالنسبة للعراقيين العاديين، فقد أصبحت هذه تجربة أكثر من عادية. ومع دخول المظاهرات شهرها الثاني في نوفمبر/تشرين الثاني، بدأت الحكومة العراقية في التمادي برد أكثر استبدادية.

وفي يوم السّبت, قتلت قوّات الأمن تسعة أشخاص بينما أخرجت المحتجّين الذين يحتلون الجسور الثلاث المؤدية إلى المنطقة الخضراء. وأفاد شهود عيان بأن الرصاص الحي وعبوات الغاز المسيل للدموع استهدفت المتظاهرين مباشرة. في هذا الشهر أيضاً، أغلقت الحكومة الإنترنت للمرة الثانية، وفي نفس اليوم، بدأت أولى الأنباء عن تجول قوات الأمن لدفع المتظاهرين الذين كانوا يحاولون عبور الجسور المؤدية إلى المنطقة الخضراء، حيث تقع الحكومة محمية خلف اسوارها التي تتمثل بحواجز خرسانية وضعت أصلاً بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003.

 

 

مازال ميدان التحرير ملاذاً قريب للمتظاهرين، لكن حتى المتظاهرين في الميدان يقولون بأنهم استهدفوا من قبل موجة واسعة من الاعتقالات والاختفاء والتهديدات. وأفاد كثير من المحتجين الذين تحدثوا إلى الفورن بوليس (foreign policy) بأنهم تعرضوا للتخويف الشديد إزاء مشاركتهم في المظاهرات. قال علي ذو الخمسة عشر عام وهو سائق تكتك أحمر عبر اتصالاً هاتفيا مع الفورن بوليس (foreign policy) بأنه أحتُجِز أثناء المظاهرات حيث عُذب وضُرِب وصُعِق بالكهرباء أثناء اعتقاله.

 

 

وقال المسعفون والأطباء للفورن بوليس (foreign policy) إنهم استهدفوا من قبل قوات الأمن عندما حاولوا علاج الحالات الخطرة للمصابين في الخطوط الأمامية للمظاهرات. وفي يوم الجمعة، عرض المتظاهرون شريط فيديو لطبيب يدعى عباس الذي أصيب في بطنه برصاصة حية فتوفي على أثرها. “عندما ذهبنا إلى جسر السنك بدأت القوات التي ترتدي ملابس سوداء في استهدافنا، وضربنا بالغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، قال أحد الأطباء الشباب الذي كان طالبًا لطب الأسنان قبل الانضمام إلى المظاهرات، بأن القوات كانت تصوب نحو الرؤوس والأكتاف مباشرة ولم تكن تصوب نحو الأطراف.”

 

 

بالنسبة للبعض، تذكرنا هذه التكتيكات بنظام صدام حسين. وقال مؤمل عبد الشهيد الشمري، وهو منسق طلابي تلقى تهديدات لمشاركته في الاحتجاجات: “لقد حدث القمع منذ عهد صدام حسين ، وها هو اليوم نفس نوع القمع”. لكن الطريقة التي يجري بها القمع مختلفة، ففي زمن صدام حسين كانوا يقمعون منتسبين الأحزاب السياسية، ولكن الآن يُقمع الأشخاص المشاركون وهم الأشخاص البسطاء، الأشخاص الذين لم يشاركوا من قبل.”

 

 

في حين لم تستجب وزارة الداخلية العراقية فوراً على طلب الفورن بوليس (foreign policy) على التعليق عما يحدث.

 

يهتف المتظاهرين بإسقاط النظام وكلا الطرفين ثابت على موقفه. تستخدم الحكومة كلمة “مخربين” لوصف المتظاهرين وهي كلمة مهمة، يقول ريناد منصور، وهو باحث في تشاذام هاوس وهي مؤسسة فكرية مقرها لندن، “أن كلمة مخربين تعني مدمرين ومفسدين، وهم الأن يرون الأعداد المتزايدة للمتظاهرين كزيادة للتخريب ومصدر للإزعاج والفوضى.”

 

يبدو أن الحكومة تحاول إضفاء الشرعية على حملتها من خلال التذرع بقوانين مكافحة الإرهاب. “إن دعوة رئيس المحكمة العليا في العراق لحضور الاجتماعات الأمنية، مشيراً بعد خروجه مباشرة بشكل أساسي إلى مواد قانون مكافحة الإرهاب، تمنح الحكومة أساساً مبررًا قانونيًا لاستخدام العنف، بحيث يصبح جزءًا من هذا القمع.

 

يقول منصور: “يبدو أن حكومة مكتب رئيس الوزراء قد سئمت جداً من المتظاهرين. فهم الآن يضيقون الخناق على المتظاهرين ويزيحونهم من الشوارع بكل قسوة متذرعين بالمبررات القانونية والسياسية.”

 

على الرغم من المؤشرات السابقة على مفاوضة المسؤولين الحكوميين لاستقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، إلا أنه مازال يشغل المنصب. ويذُكر أن هذا بسبب تدخل قاسم سليماني، قائد قوة القدس الإيرانية، وهي وحدة النخبة في فيلق الحرس الثوري الإسلامي، الذي زار العراق ليحول دون الإطاحة بعبد المهدي.

 

اطلقت الأمم المتحدة تصريحاً في يوم الاحد توضح فيه الخطوط العريضة لخطة الاصلاحات وتدعو لإنهاء العنف في التظاهرات، تضمن التصريح تحذيراً للمفسدين الذين يخطفون المظاهرات ، بلغة مشابهة بشكل ملحوظ لما لاحظه منصور على أنه قادم من الطبقة السياسية. لم تتضمن خطة العمل التي قدمتها بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق ذكرًا لاستقالة عبد المهدي أو حكومته، وهو أحد المطالب الرئيسية للمتظاهرين.

في الحقيقة الكثير من المتظاهرين لا يطالبون فقط بتغيير الحكومة وانما يطالبون بتغيير نظام الحكم القائم على المحاصصة الطائفية، بقولهم “ما نطلبه هو سقوط نظام الحكم بالأخص النظام الذي حكم بعد عمليات احتلال العراق 2003 من قبل الدول” بحسب اقوال احد المتظاهرين من الناصرية الذي استخدم الاسم المستعار حسين: “ما ينادي به المتظاهرون هو كسر اساس النظام واعادة تعريف وتغيير النظام الحالي بالكامل “. بحسب اقوال خبير ومحلل عراقي الذي اختار أن لا يكشف هويته، عرض المحلل شرحاً للنظام البرلماني الذي وضعته الولايات المتحدة وشركائها من الاتحاد الاوروبي بعد احتلال العراق في 2003 وقال المحلل لذلك فإن دعوات المحتجين تضّعف بشكل أساسي النظام الذي يستثمر فيه المجتمع الدولي بأسره من اجل الحفاظ عليه من كلا الجانبين: الجانب الإيراني والجانب الأمريكي.

هذه ليست المرة الاولى التي تتعامل فيها الحكومة العراقية بعنف ضد المتظاهرين. بالرغم من أن حجم الضحايا وعدد الوفيات الكبير من المتظاهرين فريد من نوعه ألا أن العراق له تاريخ قديم مع الاحتجاجات التي تنادي ضد الفساد منذ 2011 وتمتد للوقت الحالي.

ففي سنة 2015- و2016 شهدت العاصمة بغداد حركة تظاهرات واسعة قوبلت بنفس القمع، وفي 2018 اندلعت تظاهرات في مدينة البصرة الجنوبية المعروفة بأنها غنية بالنفط طالب فيها المتظاهرون بالمياه النظيفة والخدمات الصحية والوظائف.

قال منصور أن في سنة 2016 كانت الحكومة قادرة على ارضاء المتظاهرين في البصرة بينما استطاعت وبنجاح أن تقمعهم  “تفضل الحكومة أن تستجيب للمتظاهرين الحاليين بنفس الطريقة التي استجابت فيها لتظاهرات 2016 التي وعدت بمجموعة من الوعود والتصريحات ومنها الوعد بتعديلات وزارية ووعود بتغيير القانون وحينها كان المتظاهرون على استعداد بأن يقولوا حسناً هذا رائع لنعد ادراجنا الان لأننا نملك كل تلك الوعود.”

لكن في هذه المرة العديد من المتظاهرين لا ينون العودة لمنازلهم وليسوا مستعدين للتفاوض مع الحكومة، كما أنهم الآن اكثر تنظيماً فقد قاموا بنصب الخيم واعادة الكهرباء للبناية المهجورة و المعروفة بالمطعم التركي التي تقع على الجسر المؤدي للمنطقة الخضراء.

“الجميع هنا قد امضى ما يقارب ل 14-15 يوم بعيداً عن منازلنا واعمالنا وعوائلنا للبقاء هنا، ونطالب ب تغيير كامل للحكومة ” كما قال المتظاهر البالغ من العمر 27 عاماً واسمه علي سليم الذي كان جالسا تحت خيمة في ساحة التحرير مع مجموعة من المتظاهرين وسط البطانيات والفرش المتبرع بها من قبل اهل المدينة، هذه هي أهم مطالبنا أن تكون الحكومة عراقية وتعمل لأجل العراقيين فقط – ولا يمكن أن تخضع لأي دولة أخرى.”

 

اكثر من 260 شخص قد قتلوا والاف قد جرحوا منذ بداية التظاهرات في مطلع شهر اكتوبر، عرض متظاهرين لفورين بوليس مقاطع فيديو تظهر المتظاهرين وهم يتعرضون لقنابل الغاز المسيل للدموع وهي تطلق باتجاه رؤوسهم وتظهر الدخان والدماء التي تتدفق منها، حيث أن القوات الأمنية تستهدف المتظاهرين بواسطة قنابل الغاز المسيلة للدموع من الدرجة العسكرية بحسب تقرير منظمة العفو الدولية.

يؤمن المتظاهرون بأن شبكة الانترنيت قد تم ايقافها لأجل منع تنظيم المتظاهرين فيما بينهم ولأجل التعتيم على العنف الذي يحدث في التظاهرات، يقول المتظاهر والناشط المدني علي جساب: “يقومون بإيقاف شبكة الانترنيت لكي يهجموا على المتظاهرين بشكل مباشر ولكي لا نتمكن من ايصال الاخبار لعامة الناس، الدليل واضح، هم يقومون بقطع الانترنيت ويقومون بقطع الكهرباء لمدة ساعة.” واضاف “كل من يترك التظاهر حينها يتعرض للاعتقال.”

جاسب وعدد من المتظاهرين كانت لديهم مخاوف من التبليغ عنهم من قبل اجهزة المخابرات الخاصة بالحكومة واجهزة المخابرات الخاصة بالميلشيات المدعومة من ايران مع قوات الحشد الشعبي، قام المتظاهرون في مواقع رئيسية من ساحة التحرير بنصب نقاط تفتيش غير رسمية للتأكد من عدم جلب أحد للأسلحة بين صفوف المتظاهرين (انها حرب نفسية) كما يقول جاسب.

“انهم يدسون المخبرين وسط المتظاهرين لأنهم لا يريدون أن تستمر هذه التظاهرات كراسيهم وسلطتهم هي الأهم بالنسبة لهم” يقول مسلم فاضل فلاح ذو 26 عاماً والحامل لشهادة ماجستير في الاقتصاد وقد سافر من الناصرية ليشارك في تظاهرات بغداد.

جالساً في مطعم بالقرب من ساحة التحرير، السومري الذي يقوم بتنظيم الطلبة قال بأنه يشعر بالتعب النفسي والجسدي وغير قادر على الاكل، اربعة من اصدقائه لقوا حتفهم خلال الايام القليلة الماضية وقد كان محبطاً ولا يملك الكثير من التوقعات للمستقبل، وختم كلامه بقوله لا نملك احد بجانبنا.

 

المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الجواز الأمريكي لا فائدة منه

يمكنني التنقل حيث شئت بجواز سفري الألماني. ولكن عدد الدول التي تسمح للأمريكيين بالدخول تكاد …

حصرياً: من داخل مخيمات تدريب تابعة لحزب الله لنشر الأخبار الزائفة  

  بقلم: ويل كريسب وسداد الصالحي  بتاريخ: ٢/آب / ٢٠٢٠ ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام …