الرئيسية / سياسة / توقعات محمد بن زايد المظلمة لمستقبل الشرق الأوسط

توقعات محمد بن زايد المظلمة لمستقبل الشرق الأوسط

كتبه لمجلة نيويورك تايمز: Robert F. Worth
منشور بتاريخ: 9/1/2020
ترجمة وتدقيق: محمد علي العوادي
تصميم الصورة: أسماء عبد محمد
توقعات محمد بن زايد المظلمة لمستقبل الشرق الأوسط
القائد الفعلي للإمارات قد يبرز ضمن أكثر الشخصيات خطورةً وغموضاً في المنطقة. ما الذي يريده بالضبط؟
كان ريتشارد كلارك ذات صباح في أبو ضبي عام 2013 عندما رنّ هاتفه وسمع صوتاً مألوفاً “هل أنت مشغول؟”. كان ذلك استفهاماً بلاغياً، وكان المتصل محمد بن زايد آل نهيان، الرئيس الفعلي للإمارات العربية المتحدة وواحد من أهم الشخصيات على الأرض. ثم قال “ستصلك سيارة” وأنهى الاتصال. كان ريتشارد، القيادي السابق في البيت الأبيض والمنسق القومي لمواجهة الإرهاب، يعمل كمستشار لمحمد بن زايد (لأنه كان ذائع الصيت خارج بلده) ومعتاداً على مثل هذه المهام الارتجالية. نادراً ما كان محمد بن زايد يُعبّر عما يجول في ذهنه. إذ فاجأ ذات مرة كلارك في رحلة غير متوقعة في قلب صحراء الربع الخالي على متن طائرة الهليكوبتر وحط بالقرب من بركة اصطناعية، مشتتاً بذلك قطيعاً من الغزال البري. وكان بالقرب منهم جمع من المهندسين الألمان يصنعون محطة تجريبية لتحلية الماء تعمل على الطاقة الشمسية.
في هذه المرة، صعد كلارك في المعقد الخلفي للسيارة دون أدنى فكرة عن المكان الذي يتوجه إليه. في الحين الذي كانوا يتوجهون داخل منطقة صناعية بعيدة، ظنّ أنه تعرض للاختطاف. توقف السائق خارج بناية حيث سمع منها كلارك أصوات قعقعة. فتمشى داخل المبنى ووجد نساءً شاباتٍ يرتدين زياً عسكرياً ويطلقن النار بالمسدسات على الأهداف. كان يجلس على مقربة منهن محمد بن زايد ببدلته البيضاء ويضع سدادات أذن مع زوجته وكرسي فارغ لأجل كلارك. في الفترة التي توقفن فيها عن إطلاق النار، عرّفه على النساء اللواتي كن بناته وبنات إخوانه. وقال “أنا عازم على بدء التجنيد. أريد أن يشعر جميع من في البلاد بالمسؤولية مثلهن. فأكثر النساء بديناتٍ وكسولات”. ولكي يشجع على التجنيد، قال إنه ابتدأ بالشباب من أفراد أسرته.
كان أمر التجنيد جزءاً من المسعى الكبير لتطوير البلدة بأكملها داخلياً وخارجياً، الأمر الذي يزيد من عدد الجنود ويؤثر بذلك على الشرق الأوسط بأكمله. منذ أن تأسست عام 1971، كانت الإمارات العربية المتحدة – مملكة المشايخ الغنية بالنفط على الساحل العربي الشمالي – بعيدة كل البعد تقريباً عن أي نزاع في العالم العربي. فتصدرت الريادة الاقتصادية في المنطقة، وأصبحت الأرض الصحراوية البديعة ذات ناطحات السحاب البراقة، والمراكز التجارية التي لا تنتهي، والمطارات المُعبّدة بالرخام. إلا أنه بحلول 2013، كان محمد بن زايد قلقاً بشأن المستقبل. فإن مظاهرات الربيع العربي قد أسقطت العديد من الطغاة، في الحين الذي ينشط فيه السياسيون الإسلاميون لملئ الفراغ. فقد فاز الإخوان المسلمون – أبرز الأحزاب الإسلامية في المنطقة الذي تأسس عام 1928 – ومؤيدوه في الانتخابات في مصر وتونس. وثار المليشيات الجهادية في ليبيا. بينما ترأس الثورة ضد بشار الأسد في سوريا المليشيات الإسلامية أيضاً. فنمت حركة داعش، وما هي إلا أقل من سنة حتى اكتسحوا الحدود العراقية وسيطروا على منطقة بحجم بريطانيا.
في الوقت ذاته، كان محمد بن زايد يشاهد بقلق القوات التي حشدها القسم الطائفي الآخر الواسع في المنطقة. فالقوات الشيعية الموالية للقائد الإيراني قاسم سليماني، الذي قُتِل في بداية هذا الشهر إثر قصف طائرة بدون طيار أمريكية، سخرت الفراغ الحاصل بعد 2011 لبسط نفوذها الديني على سوريا والعراق واليمن. وكان ذلك نذير عنف مروّع لا تكاد قوات المنطقة تفعل أي شيء لإيقافه. أما تركيا فكانت تربّت بحماس على أكتاف القوى الإسلامية الحليفة لها وتمد بعضها بالسلاح. وكذا بالنسبة لقطر، جار الإمارات الغني بالنفط والمطل على الخليج الفارسي. موقف السعودية كان متناقضاً ومتلكئاً بسبب ملكها المسنّ والمريض. حتى أن الولايات المتحدة، التي هي بمنزلة الحليف الرئيس لدى محمد بن زايد، عدت الإخوان المسلمين سيئين لكنهم يمثلون مرحلة انتقالية ضرورية في مسار الديمقراطية. حذر محمد بن زايد باراك أوباما مراراً عبر محادثات تلفونية بشأن الأخطار التي شهدها. أخبرني مسؤولون سابقون في البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي كان متعاطفاً إلا أنه ينوي الخروج من الشرق الأوسط بدلاً من التدخل في شؤونه مرة أخرى.
في الوقت الذي دعا فيه محمد بن زايد كلارك لميدان إطلاق النار مع عائلته، كان قد ابتدأ مسبقاً خطة طموحة لتغيير مصير المنطقة بالكامل. وكان على وشك ضمّ محمد بن سلمان، الأمير الشاب السعودي، ضمن قائمة الحلفاء لأنه يتبع منهج بن زايد في الكثير من الأمور. إذ أعانَ كلاهما الجيش المصري في خلع الزعيم المتطرف الذي انتخبه الشعب سنة 2013. أما في ليبيا، فقد تدخل محمد بن زايد في الحرب الأهلية متحدياً الحظر التجاريّ الذي فرضته الأمم المتحدة وآراء الدبلوماسيين الأمريكان. كما حارَب حركة الشباب المجاهدين في الصومال، مستفيداً من موانئ الإمارات التجارية لتصبح سمسار قوة في شبه الجزيرة الصومالية. وخاض حرباً في اليمن مع الحجاز ضد الحوثيين الذين تدعمهم إيران. وفي عام 2017، خالف أحد الأعراف القديمة عندما أقدم على تنسيق حظر تجاري قاسٍ على جاره القطري في الخليج الفارسي. كل هذا لردع ما كان يعتقده خطراً وشيكاً صنعته أيدٍ إسلامية متطرفة.
لا يكاد محمد بن زايد يفرّق بين فكر الجماعات الإسلامية المتطرفة، ويعتقد أنهم يجتمعون على هدف واحد: تحقيق الخلافة وفق صورة رسمها بعض آيات القرآن الكريم كمصدر للتشريع. كما يبدو أنه يؤمن أن الشرق الأوسط لا يلتزم إلا بالنظام القمعي الصارم أو الفوضى العارمة. إنها نظرة سوداوية بالتأكيد ولا تخدم إلا المصالح الذاتية. غير أن ما شهدته الأعوام الأخيرة المنصرمة جعلت بعض المحللين الخبراء يحترمون رأي محمد بن زايد حول مخاطر الإسلام السياسي الواضحة للعيان. “لم أكن مقتنعاً في البداية” يقول بريت ماكغورك، المسؤول السابق في الولايات المتحدة الذي عمل لسنين في مناصب إدارية في الشرق الأوسط والذي يَعرِفُ محمد بن زايد جيداً، “بدا لي أنه مبالغ فيه. إلا أنني توصلت إلى القناعة بأنه كان محقاً أكثر من كونه مخطئاً.”
سخّر محمد بن زايد الكثير من موارده لما يسمى بمقاومة التيار الجهادي، وهي استعدادات هائلة. إذ على الرغم من صِغر حجم دولته (هناك أقل من مليون مواطن إماراتي)، فهو يضع يده على أكثر من 1.3 تريليون دولار في صندوق الثروة السيادية، ويدير جيشاً ذا تدريب وتجهيز أفضل من أي جيش آخر في المنطقة ما عدا إسرائيل. وعلى الجانب المحلي، فلقد ناهض بشدة الإخوان المسلمين، وأنشأ نظام مراقبة حديث جداً يطّلع على أدق التعاليم الإسلامية المتداولة.
إن دور محمد بن زايد القياديّ في قمع الحركات الثورية، مضاهياً بذلك عقلية مترنيش، قد أسهم في تغيير سمعة بلاده. إذ لا يزال يعتقد البنتاغون أنه حليف مخلص وقدير؛ ففي زيارة لأبو ضبي شهر مايو الفائت، بينا كنت جالساً، إذ ألقى جون ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، كلمة أمام جمهور من الإماراتيين وبعض النخب الأجانب، وشبّهَ الإمارات بأثينا وأسبرطة. إلا أن بعض المسؤولين في إدارة أوباما يرونه شخصاً خطيراً وشريراً. في الوقت الذي تقلد فيه دونالد ترامب المنصب – ومحاولة محمد بن زايد توثيق العلاقة معه – وجّه إليه جماعات حقوق الإنسان وبعض الدبلوماسيين انتقادات بشأن دوره العسكري في اليمن وليبيا. حتى إن بعض المعجبين في سياسة محمد بن زايد من الذين يشغلون مناصب دبلوماسية قالوا إن طبعه الاستبداديّ يجعله ينخرط في صراعات لا يتمكن هو نفسه من درء مخاطرها.
لحد الآن يظل محمد بن زايد شخصية قل نظيرها في الشرق الأوسط: قائد متقد الذكاء يمتلك عقلية علمانية لتغيير مستقبل المنطقة ولديه الموارد لتحقيق غاياته. إن الأخطاء التي ارتكبها لا تبدو جليلة إذا ما قورنت بفداحة الخيارات البديلة. إن الطائرة التي استهدفت سليماني وحليفه العراقي البارز، وما تبعه من موقف متحفظ جداً للسفارة الأمريكية في بغداد، قد دفع المنطقة إلى حرب وشيكة، خصوصاً عندما أعلن قائد إيران الأعلى تهديداً خطيراً للانتقام. من المستبعد أن نرى ردة فعل طهران في الفترة الراهنة، لكنه من المحتمل أن يكون محمد بن زايد عنصراً فعالاً في الأحداث المقبلة. على الرغم مما اشتهر به محمد بن زايد من عداوة لإيران، فلقد قام في الأشهر الأخيرة بعدة خطوات دبلوماسية مهمة وحظي بقناة تواصل مع القيادة الإيرانية حسبما ورد في التقارير.
إن هذا الانحراف عن حملة “التضييق القصوى” التي وضعها ترامب قد كشفت النقاب عن رغبته الجديدة في الانصراف إلى مسار مختلف. فالرجل نفسه الذي انتقد أوباما بسبب محاولته لإرضاء إيران يبدو الآن قلقاً بشأن دخول أوباما الحرب ضد إيران. ولربما يكون محمد بن زايد في المكان الصحيح لتجنب الصراع الذي في خِضَمّه قد تكون دولته، التي تقع جنب الخليج الفارسي من جهة إيران، من أوائل المناطق تضرراً.
إن محمد بن زايد هو الشخصية القيادية في الإمارات لعقد من الزمن تقريباً (فأخوه الأكبر الذي أصيب بجلطة عام 2014 يبقى حامل لقب الرئاسة) وهو الذي يعدّل في سياساتها – في التعليم والتمويل والثقافة بالإضافة للسياسة الخارجية. لقد قام بعدة زيارات رسمية لكنه لم يحضر اجتماع الأمم المتحدة لحد الآن. ولم يحضر في دافوس (المنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا). إنه لا يلقي الكثير من الخطابات ولا يتحدث للصحفيين. فسجل نشاطاته أقل من حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم، مرؤوسه في الإمارات العربية المتحدة. إذ قال لي أحد أصحابه القدامى أنه “لا يريد أن يكون في الصورة”.
استغرق الأمر سنة تقريباً لتنسيق مقابلة معه. فخلال ذلك الوقت، مررت بعدة لقاءات مع نوابه في نيويورك وواشنطن ولندن وأبو ضبي – كنوع من الإجراءات الاحترازية التي تمكنت من اجتياز معظمها لأني قضيت عدة سنين فيما مضى أكتب تقارير عن منطقة الخليج. لولا أن التوقيت كان مناسباً: إذ تزامنت جهودي مع تشجيع من مقربيه على أن يكون أكثر انفتاحاً وشفافية، لما كان ليسمح لأي صحفي غربي أن يُجري مقابلة مسجّلة. فحتى بعد لقاءنا، لا يزال مستشاروه حذرين بشأن الكلمات التي أقتبسها، خوفاً من أن يُحوَّر خطابه وينقله الأعداء بصورة محرفة.
أول مرة رأيت فيها محمد بن زايد، شهر مايو المنصرم، كان في مجلس المساء، حيث يتحدثون عن حياة الإمارات السياسية والاقتصادية. كانت قاعة استقبال واسعة في أبو ضبي، وكنت محاطاً بمئات المسلمين الصائمين. الجو في الخارج كان حاراً جداً، إلا أن هذه الغرفة الملكية، ذات السقوف المرفوعة خمسين قدماً والمنمقة بصفوف من الثريا الفخمة، كانت مكيَّفة ذات جو لطيف، مثل سائر المباني في الإمارات. وكان من الملفت أن نراها محاطة بالكثير من الإماراتيين بالرغم من قلة تعدادهم بالنسبة لعدد السكان الإجمالي هناك. لقد كنت أزور الإمارات منذ سنين عديدة، وعلمت أن تعدد الأعراق فيها هو أحد المظاهر البارزة في هذه البلدة. حتى عند ازدحام الشوارع، ستجد في كل نواحي دبي أو أبو ضبي وجوهاً من مختلف أنحاء العالم. عندما تسألهم عن العيشة في الإمارات، ستجد أغلبهم ممتنين وراضين لكونهم يعيشون في الإمارات، ويرسلون الأموال إلى أهليهم في كيرلا أو نيروبي أو كوالالمبور.
كان المجلس الذي حضرته مُقدِّمة للإفطار. كان محمد بن زايد منشغلاً في حديث مع نخبة من الزائرين الإفريقيين الجالسين عند يساره. وكان يجلس عند يمينه محمد بن راشد. شاهدت محمد بن زايد فيما بعد ينهض ويحيّي القادمين الجٍدد، ويعرّف بعضهم على بعض، ويتلاطف، ويعانق أصدقاءه القدامى، فذكّرني ذلك بالسياسيين في شيكاغو. كما إنه يُضيّف في مجلس أسبوعي منفصل كل من يرغب بالحضور من الإماراتيين ليقدموا شكواهم في أغلب الأحيان أو يطلبوا المساعدة. إن لهذه الاجتماعات غاية مهمة، إذ يتلقى فيها محمد بن زايد ورفاقه النصائح والتعليقات من رجال الأعمال ورؤساء العشائر والنخب الأخرى. يصرح لك الإماراتيون، بصدق تام، أن هذا هو ما يعبّر عن أصالة الديمقراطية عندهم.
في الوقت الذي اجتمعنا في قاعة كبيرة ذات سقوف عالية وممتلئة بأصناف الطعام، جلست في المؤخرة قرب الزاوية. بعدها أحسست بضربة خفيفة على كتفي وسمعت صوتاً “هيا يا جماعة، لنأكل الطعام”.
لقد أخبرني مستشارو محمد بن زايد عن تطلعه للذهاب في جولات غير رسمية. يتجول في أنحاء أبو ضبي بسيارته نيسان باترول البيضاء ويظهر بدون موعد في أحد المطاعم المحلية. ولكونه من محبي الرشاقة، فهو غالباً ما يجري لقاءاته خلال ساعات المشي الطويلة، ويكتب بإيجاز بعض الملاحظات على يده إذا تطلب الأمر. إنه دقيق للغاية، ويختصر دائماً، لكنه كثيراً ما يحب أن يفاجئ الدبلوماسيين الغرب بالتنازل عن الطباع الملكية. أخبرني دبلوماسيّ سابق أنه في مساء يوم كثيف الضباب، كان ينتظر سيارته، وإذا بطائرة هليكوبتر ظهرت من السديم وحطت بالقرب منه. وطلع من معقد الطيار محمد بن زايد، الذي تدرب على قيادة الطائرات منذ السبعينات. فاشتكى المسؤول وقال إنه خطر جداً أن نطير مع هذا الضباب الكثيف. قال له محمد بن زايد “اصمت واركب” بابتسامة عريضة. عندئذ حلّقا إلى دبي ولم يكن ارتفاع الطائرة أعلى من أعمدة الطاقة بكثير. وفي يوم آخر، كان محمد بن زايد يقود السفير السابق للولايات المتحدة داخل مدينة، ولاحظ السفير غياب رجال الأمن. فقال له محمد بن زايد “لا تقلق، وانظر للأرضية تحت مقعدك” فتعجّب السفير عندما اكتشف سلاحاً آلياً موضوعاً تحت السجادة.
قادني محمد بن زايد إلى طاولته، وأجلسني على يساره مباشرةً، وكان على الطرف الآخر إخوانه ورئيس دولة آسيوي. وبطلب من محمد بن زايد، تناولت الحمص مع اللحم، وبعدئذ بدأ يسألني عن حياتي القديمة كصحفي في لبنان. يتحدّث محمد بن زايد بهدوء وتأنٍّ، يبتسم بين الفينة والأخرى ابتسامة غير مكتملة تظهر لمحة من الخجل على نحو مفاجئ. لديه أنف بارز، وعيون مبطنة مخفيّة جزئياً عندما التقيته بنظارات سوداء بلاستيكية. يتحدث الإنجليزية بطلاقة بلهجة بريطانية خفيفة ومفردات أمريكية.
إنه لا ينزعج من المحادثات الاجتماعية العامة؛ فعندما التقيته في يونيو لإجراء المقابلة الرسمية، لم يكد يرد التحية كي يبدأ بالحديث عن الخطوات التي اتبعتها دولته تجاه اليمن. كنا نجلس في القاعة الزجاجية في فندق قصر الإمارات، وهو معلم ذي أرضية رخامية يطل على خليج فارس. ولكي أكون دقيقاً، فقد جاء مع رجلين من الأمن ومستشار. استمر في الحديث لساعة عن رأيه في الجماعات الإسلامية المتطرفة، وعن نشأته، وأولوياته السياسية، وتراث والده. كان يستمتع بالحديث عن القصص التي لها مغزى لإثبات وجهة نظره. وليس من الغريب أن نسمع الناس يتحدثون عنه كما يتحدثون عن والده، زايد بن سلطان آل نهيان، الذي أسس الإمارات العربية المتحدة قبل 49 سنة.
هذه قصة رواها لي محمد بن زايد:
ذات مرة في الثمانينات، عندما كان ضابطاً شاباً في العسكرية، ذهب في رحلة خلال العطلة إلى أراضي تنزانيا العشبية. وعند عودته إلى أبو ضبي، مرّ على والده. جلس الاثنان جلستهما التقليدية متربعين على الأرض، وقدم محمد بن زايد القهوة إلى والده. فسأله أباه عن الأشياء التي مر بها خلال رحلته؛ الحياة البرية، وطبيعة شعب الماساي، والزي الذي يلبسونه، ومدى الفقر في تلك الدولة. بعدما سمع القصة بأكملها، سأله عن الأشياء التي فعلها لمساعدة الناس الذين قابلهم هناك. فهزّ محمد بن زايد كتفيه وقال إنهم ليسوا مسلمين. كانت ردة فعل والده قوية ويصعب نسيانها.
يقول محمد بن زايد “مسك ذراعي بقوة، ونظر إلى عيني شزراً، وقال نحن كلنا عيال الله”.
إن سجيّة والده التعددية هي من أكثر الأشياء التي دعت محمد بن زايد لمقاومة المتطرفين المسلمين. زايد، الذي مات سنة 2004 بعمر 86، مزج الصفات البدوية مع العقلية المتحررة التي قل نظيرها. الإماراتيون متديّنون جداً، إلا أن موقف دولتهم المحايد أحيا النظام الإسلامي المتسامح والعقلية التي تتعايش مع الناس بمختلف ألوانهم وانتماءاتهم. في الحقيقة إن انفتاح زايد غير المسبوق هو ما جعله يتقلد مناصب عليا، ويشقّ مساراً مختلفاً عن دول الجوار. نصّبه البريطانيون حاكماً في 1966 بطلب من العشائر الإماراتية الحاكمة آنذاك – لأنهم ضجروا من سياسة أخيه شخبوط الطاردة للأجانب والكارهة للتنمية.
كان الإماراتيون فقراء جداً، فحتى الأغنياء منهم كانوا يسكنون في بيوت طينية بسيطة. ولم يكن الطب الغربي متوفراً في الستينات، وكان أغلبهم أميين؛ فقد توفي ما يقارب نصف الأطفال وثلث الأمهات خلال عملية الولادة. يخبرنا بعض الناس الآن كيف كان والديهم يجرحون أعناق الجمال ويجبرون أولادهم على شرب دمائها خشية أن يموتوا من العطش.
حثّ زايد على حق التعلم للنساء في وقت كان فيه الأمية منتشرة بين النساء بنسبة 100% تقريباً. وسمح للمسيحيين أن يبنوا كنائسهم في أبو ضبي، مخالفاً بذلك العقيدة الإسلامية الشائعة التي تمنع من وجود أي صرح غير إسلامي في شبه الجزيرة العربية. في أواخر الخمسينات، بَنَت إحدى الأسر الأمريكية المبشرة مستشفى في مدينة العين، التي بها تولّت دكتورة أمريكية ولادة محمد، الابن الثالث لزايد.
عندما نشأ محمد بن زايد، طفرَت بلادُه من حالة الفقر إلى ثراء لا يوصف بفضل اكتشاف النفط. في الوقت ذاته، كان الإسلام السياسي ينمو ليكون العائق الأكبر في جيله. عندما كان محمد بن زايد في سن الرابعة عشر، أرسله والده للدراسة في المغرب. كان زايد ينوي ذلك لكي يشتد عود ابنه؛ فأعطى ابنه جوازاً باسم عائلة مختلف كي لا يعاملونه معاملة ملكيّة. عاش محمد بن زايد حياة البسطاء، وقضى عدة أشهر يعمل كنادل في مطعم محلي. كان يصنع وجباته بنفسه ويغسل ملابسه وكان وحيداً في أغلب الأحيان. إذ يقول “كان في الثلاجة صحن تبّولة، وكنت آكل منه يوماً بعد يوم إلى أن ظهر على سطحه نوع من الفطريات”. بعدها قضى الصيف في جوردونستون، مدرسة في اسكتلندا حيث ترسل العوائل البريطانية المالكة وبعض النخب أولادهم ليتحمّلوا برودة الجو هناك وصعوبة التأقلم. على الرغم من أن الأمير تشارلز كره الذهاب لتلك المدرسة، إلا أن محمد بن زايد أخبرني أنه كان يستمتع هناك. ثم خطط لقضاء سنة في أكاديمية ساندهيرست العسكرية.
بدون علم والده، كان محمد بن زايد قد وقع آفة الفكر الإسلامي المتطرف خلال هذه السنين. يبدو أن زايد أسهم عن غير عمد في تطرف ابنه عندما سلّمه إلى عز الدين إبراهيم المصري المتعصّب ليتولى مسؤولية تعليمه. علِمَ زايد بارتباط عز الدين مع جماعة الإخوة المسلمين، لكنه كان يجهل خطورة تلك المنظمة.
أصبح محمد بن زايد في عمر الثامنة عشر في 1979، وهي نفس السنة التي احتل فيها الاتحاد السوفيتي أفغانستان. عندما شنّ المجاهدون الأفغان مقاومة بطولية، انطلق الكثير من المسلمين الشباب من كل بقاع العالم إلى بيشاور لينضموا إليهم. في الوقت ذاته، أسقطت المظاهرات الشعبية نظام شاه إيران، وعاد آية الله الخميني إلى وطنه ليقود الحركة. يعتقد الكثير من الناس أن فكرة واحدة أطلقت كل هذا الحراك: فشل الرؤساء الذين كانوا بمثابة الدمى التي يتلاعب بها الغرب، والآن حان دور الإسلام ليقوّم المجتمع على الفضيلة والأصالة.
لكن محمد بن زايد تربّى على عرفٍ مختلف تماماً: الولاء للقبيلة. إن أباه المشهور كان تجسيداً للقبائل “الإقطاعية” الحاكمة، وهذا هو طرف الخيط الذي تمسّك به الإخوان للتحريض ضده. أمه فاطمة كانت زوج زايد الثالثة والمفضلة عنده، وبفضل فطنتها وإرادتها كان لأبنائها الستة وجاهةٌ على سائر أبناء زايد من الذكور. كان الأبناء متعاونين فيما بينهم ومخلصين لأمهم. أخبرني ضابط استخباراتٍ بريطاني سابق أنه في أواخر الستينات، عندما كانوا لا يزالون أطفالاً، أخبرتهم أمهم عن تاريخ آل نهيان الذي ساده ضراوة العنف القاسي، والذي ولّد سلسلة من جرائم قتل بين الإخوان في العشرينات التي شهدت انتقال السلطة ثلاث مرات خلال سبع سنين. ثم جعلتهم أمهم يُقسِمون على ألا يقوم أحدهم على الآخر أو ينتزع السلطة منه. ولا يزال محمد بن زايد يتحدث مع أمه كل يوم تقريباً.
لم يدرك محمد بن زايد أن الأفكار التي يروجها الإخوان لا تتوافق مع دوره كوريث للسلطة إلا بعدما عاد إلى أبو ضبي في مطلع الثمانينات. لم يخبرنا محمد بن زايد عما إذا كان قد فكر بنتيجة اختياره للإخوان الذين كانت شعبيتهم أقوى لدى عامة الإماراتيين.
في عام 1991 عندما نضّم جورج بوش الأب تحالفاً لطرد صدام من الكويت، لم يتوقع البنتاغون هذا القدر من الحماس الذي انتاب محمد بن زايد للانضمام مع الحلف. بعدئذ حاول فريق من قادة الحرب الأمريكان احتواء محمد بن زايد، الذي أصبح ضابطاً عسكرياً، والولد الأكثر طموحاً وإرادة من بين أولاد زايد. “كان ذا سليقة تمكنه من القيادة” أخبرني بروس ريديل، ضابط سابق في الاستخبارات الأمريكية ويشغل الآن منصب محلل في معهد بروكينجز “سوف يكون القائد لهذه الدولة، مهّدت الولايات المتحدة الطريق له بتدريبه والتقرب منه”.
أخبرني ريديل أنه في عام 1995، دعا وزير الدفاع الأمريكي وليام بيري محمد بن زايد للبنتاغون. ولجعل التجربة أكثر متعة، فقد أحضره بالطائرة إلى قاعدة لوجن العسكرية وأعدّ لأجله تدريباً عسكرياً تنزل فيه القوات البحرية على شاطئ نورث كارولينا – ليحاكي الهجوم البرمائي في إيران والعراق. قال ريديل “لقد تداولنا الأمر في البنتاغون، وقلنا أنّ الغاية من ذلك هو لجعل محمد بن زايد مغرماً بتكنولوجيا الطيران ليشتري منا كل ما قد صنعناه”.
يبدو أنهم نجحوا في إغراءه. فقد أنفقت الإمارات البلايين على الطائرات الأمريكية وأنواع الأسلحة. ولا يزال زائرو محمد بن زايد يشاهدون الكثير من مخازن السلاح في مكتبه. في مطلع التسعينات، أخبر محمد بن زايد ريتشارد كلارك، مساعد وزير الخارجية في حينها، أنه يريد شراء طائرة F-16 المقاتلة. فردّ عليه كلارك إذا ما كان يعني الطائرة F-16A، وهي النوع الذي باعه البنتاغون لحلفائها الأمريكان. فأجابه محمد بن زايد بـ كَلّا، إنه يريد نوعاً أحدث قد قرأ عنه في مجلة Aviation Week، بنظام رادار وأسلحة مُتقدِّمَين. أخبره كلارك أن هذا النوع مجرد فكرة ولم يُصنع بعد؛ لم تجر الكفاءات العسكرية البحوث اللازمة لتطويره. فأخبره محمد بن زايد أنه مستعد لأن يدفع بنفسه لإتمام البحث والتطوير. استمرت المفاوضات لسنين، وعلى الرغم من أن مساعي محمد بن زايد الجادة قد أغضبت بعض كبار أعضاء البنتاغون، “فقد انتهى به المطاف مقتنياً طيارة F-16 أفضل من طائرات القوة الجوية الأمريكية” قال كلارك. في العقود اللاحقة، أثبت محمد بن زايد أنه ما لم تتعامل معه القوات العسكرية الأمريكية بسلاسة، فإنه مستعدّ تماماً للشراء من دولٍ أخرى – بما في ذلك الصين، التي باعته طائرات بدون طيار رخيصة في الأعوام الأخيرة. لا تزال الولايات المتحدة تتمسك بروح الصداقة معه.
في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، كان محمد بن زايد في اسكتلندا الشمالية. يقضي آخر صباح له في نزهة لصيد الأرانب دامت لأسبوع مع صديقه ملك الأردن عبد الله الثاني. ودّع صاحبه وركب طائرة خاصة إلى لندن، ووصل بعد الغداء. بينما هو يريد النزول، إذ خرج مسرعاً من مبنى المطار مصريٌّ من أحد حاشيته وصعد في الطائرة حسبما يقول أحد المسؤولين الحاضرين. وصاح بصوت عالٍ “إن نيويورك تحترق”.
لم يكن محمد بن زايد يدري بما حدث، وعندما علم كان غاضباً. فقال للرجل “ماذا تقول؟”. “نيويورك هي مركز العالم، أنظر كم نحن ضعفاء” حاول أن يتصل بوالده لكن لم يتسنى له ذلك. إلا أنه استطاع الاتصال بكلارك، الذي كان يعمل في جهاز مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض آنذاك. وكانت المكالمة الوحيدة التي تلقاها من خارج المبنى الحكومي. عاود كلارك الاتصال به قائلاً “قل لي ما العمل”.
في الوقت الذي عاد محمد بن زايد إلى أبو ضبي، علم أن اثنين من مختطفي الطائرات التسعة عشر كانا إماراتيّين.
إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت لحظة غيّرت في حياة محمد بن زايد السياسية، إذ كشفت عن خطر التطرف الإسلامي وجهل الأمة العربية بذلك. في شهر أكتوبر من نفس السنة، أخبرني محمد بن زايد أنه استمع بغرابة لكلام رئيس أحد الدول العربية في لقاء مع والده في أبو ضبي، والذي عزا الهجمات إلى عمليات داخلية تورطت بها وكالة الاستخبارات الأمريكية أو الموساد. وعندما غادر ذلك الرئيس، أدار زايد رأسه لمحمد ابنه، الذي كان حاضراً في الاجتماع، وسأله عن رأيه. “أبي” أجابه محمد “إن لدينا دليلاً”. ففي خريف ذلك العام، اعتقل رجال الأمن الإماراتيون ما يقارب 200 إماراتياً و1600 أجنبياً كانوا يخططون للذهاب إلى أفغانستان والانضمام للقاعدة، بما في ذلك ثلاثة أو أربعة انتحاريين.
وفي الخريف ذاته، كان لمحمد مع أبيه حديث قد يغيّر الوجهة التي يرى بها الإسلام السياسي. قال لي محمد بن زايد أن النقاش بدأ عندما دخل أبي مكتبه مع خبر خطير: إن أمريكا ترسل جنودها لأفغانستان. وأراد زايد أن يشترك بالحرب مع أمريكا. محمد بن زايد، الذي كان قائد القوات المسلحة في حينها، لم يكن مستعداً لذلك. فإن تبني دوراً فعالاً في الحملة الأمريكية قد يؤجج قضايا حساسة، والتي قد يسميها البعض حرباً ضد الإسلام.
نظراً لقلق ابنه حيال إرسال القوات، سأل زايد “أخبرني، هل تعتقد أني أفعل ذلك لأجل بوش؟” فقال له محمد نعم. فقال له “هذا فقط 5 بالمئة”. فسأله مجدداً “هل تظنّ أنني أفعل ذلك لنتقي شر بن لادن؟” فهزّ محمد رأسه. فقال “هذه 5 أخرى بالمئة”.
طلب محمد، الذي تعلوه بعض الحيرة، من أبيه الإيضاح. قال له أبوه “لقد قرأت القرآن والحديث، وقد أحببتها؟”. فقال له محمد أجل بالطبع. فقال له زايد “هل تظن أنّ ما يفعله بن لادن هو نفس الذي أوصانا به النبي؟” بالطبع لا، ردّ عليه محمد. فردّ عليه أبوه مصدّقاً “أنت محقّ. إنهم يتلاعبون في ديننا”. ناهيك عن السبب الذي لم يكن محمد بن زايد مضطراً لإضافته من أجل دخول الحرب ضد القاعدة – وهو أنها تشكّل خطراً على سلطة آل نهيان نفسها.
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر بقليل، تولى محمد بن زايد مراجعة نقاط ضعف دولته تحسباً للهجمات الإرهابية. تقول مارسيل وهبة، التي وصلت كسفيرة جديدة للولايات المتحدة في شهر أكتوبر من تلك السنة، “أعتقد أن أحداث 11/9 جعلته يلتفت لتقييم القطاعات الوطنية المهمة بدءاً من التعليم وانتهاءً بالشؤون المالية. فتدارسوا جميع القطاعات على نحو منتظم”. فشكّل فريقاً، يتضمن إخوانه وكبار مستشاريه، وعملوا بلا هوادة على سدّ الثغور، حسبما نقلته وهبة. فشرعوا في تسجيل كل محلات الحوالة، وهو نظام غير رسمي لنقل الأموال والذي كثيراً ما كان يستعمله الإرهابيون. ووضعوا أجهزة إرسال واستقبال على كل السفن الشراعية في الخليج. وبدأوا يبحثون عن طرق أفضل لمراقبة تجارة الإمارات المتشعبة وشبكات التمويل. جُلُّ ذلك كان يهدف لإعاقة تدفق الإرهاب إلى الإمارات، لكن خطر الهجمات داخل البلاد كان حقيقياً أيضاً. ففي الأعوام القادمة، أحبطت الجهات المسؤولة عدة مؤامرات إرهابية تقودها مجاميع جهادية، بما في ذلك خطة تفجير فندق خمس نجوم بثلاث سيارات ملغومة سنة 2005.
في الوقت ذاته، نظم ابن زايد حملة واسعة ضد الفكر المتطرف. أكثر المتطرفين في الإمارات ينتمون إلى الإصلاح، وهي جماعة تأسست في السبعينات وتعد بمثابة الشبيه المحلي للإخوة المسلمين. وتضمنت العديد من الأجانب، معظمهم من مصر، التي كانت محطّ ترحيب من الإماراتيين لما يفد منها من محترفين مثقفين وموظفين. إن القبائل الحاكمة في الإمارات قد قرّبت جماعة الإصلاح منذ نشأتها، ذلك لأنهم ظنوها جماعة متديّنة ومعتدلة. خلال التسعينات، وضع الإخوان المسلمون لوزارات التعليم والقضاء قوانين منفصلة عن الدولة الأم، كما يذكر الصحفي الإماراتي سلطان القاسمي، فكانوا يسلّمون المنح لمن يرغبون، ويصدرون أحكاماً دينيّة في محاكم الدولة.
أمر محمد بن زايد بطرد المعلمين من الإخوان، كما أمر بتغيير المناهج تغييراً شاملاً. معظم الإماراتيين الذين أعرفهم يحكون قصصاً فظيعة عن معلمي المدارس الابتدائية الذين كانوا يخبرونهم بين الحين والآخر عن أمجاد العنف في الجهاد وعن ضلال الكفار. أما المناهج، التي كان يؤلفها الإخوان، فقد كانت تثير التعصُّب حتى في مواضيع مثل التاريخ والرياضيات “إذا قتلت ثلاثة من اليهود المحتلين وسرّحت اثنين، فما هو المجموع؟”
تقدم المدارس الثانوية الآن دروساً أخلاقية لا علاقة لها بالدين – وهو أمر لم نشهده إلا مؤخراً. بذل محمد بن زايد جهده لوضع الدين في عالمه الخاص. فلقد وضع آليةً لبعض الوعاظ المؤمنين الذين انتهجوا منهجاً معتدلاً، بما فيهم نفرٌ من الصوفية المعروفين مثل علي الجفري وعارف علي النايض وحمزة يوسف وعبد الله بن بيه، الموريتاني الصوفي المشهور الذي يشغل الآن منصباً في مجلس الإمارات للإشراف على الأحكام الدينية. كما بدأت الإمارات تروج لمنهجها الإسلامي عن طريق برامج تدريبية للأئمة خارج القُطر، بما في ذلك الآلاف من الأفغان.
معظم أفراد جماعة الإصلاح كانوا يقطنون في الإمارات الشمالية، خصوصاً في رأس الخيمة، التي تبعد مسافة ساعة من دبي صوب الشمال. إنها أقل كثافة من بقية المدن الغنية في الجنوب، وفيها ناطحات سحابٍ ومراكز تسوق أقل، وتبدو مهترئة أكثر. إلى حد ما، تعبر جماعة الإصلاح عن سخطها تجاه الثقافة الرأسمالية التي تتشكل في أكبر مدن الإمارات. وكانت ترفض في أغلب خطاباتها وجود البارات والدعارة التي تُقدَّم للأعداد المتزايدة من الوافدين الأجانب. بدأ رجال هذه الجماعة مؤخراً يدعون للديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد تكون هذه طريقة مجدية نوعاً ما لكسب التعاطف الغربي.
يرى الدبلوماسيون والمستشرقون في الغرب أنه لا ينبغي التعرض لهذا النوع من الجماعات، فالمواقف التي تتخذها سوف تقل حدتها بمرور الوقت عندما تتكامل مع السياسات الانتخابية. كثيراُ ما يُضرب بحركة النهضة التونسية كمثال فيما قد يحدث عندما تتسلم الأحزاب الإسلامية الفرصة في ميدان أكثر اتساعاً. فالنهضة، التي انطلقت من الإخوان المسلمين، قد تشاركت السلطة مع حزب علماني، واقترح رئيسها أنها تعبر عن الهوية العربية أكثر من كونها حركة إسلامية حالها في ذلك حال المسيحيين الديمقراطيين في الأحزاب الأوروبية.
اشترك محمد بن زايد في حوار مع الجماعات الإسلامية في الإمارات، وادعى أنه لا يمكن الوثوق بهم بحكم التجربة. بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أخذ يلتقي مع أفراد تلك الجماعة ويحثهم على الرجوع عما هم فيه. عرض عليهم مبدئياً اتفاقية: لا تتدخلوا في الأمور السياسية وقد يحسنون من مبادراتهم الخيرية. فاستجابوا مع قائمة من المطالب. وصلت تلك المحاولات إلى نهايتها بعد لقاء حاد في 2003، إذ اتخذ محمد بن زايد موقفاً قاسياً. وفقاً لما نشره ويكيليكس، فإن محمد بن زايد أخبر وفداً من الولايات المتحدة في عام 2014 “أننا نخوض حرباً فكرية ضد الإخوان المسلمين في هذا البلد”. أخبر محمد بن زايد بعض الدبلوماسيين الزوار عام 2009 أن واحداً من أبناءه بدأ يقع في شراك الفكر المتطرف. وأدى بدوره نفس الخطة التي قد نفذها والده: إرسال ابنه إلى أثيوبيا مع الصليب الأحمر ليحترم القيم الأخلاقية لغير المسلمين.
حتى عندما أقام حملة ضد الإخوان، كان محمد بن زايد يعمل على مشروع واعد إلى حد أبعد: بناء دولة تُثبِتُ للحركة الإسلامية بكاملها أنها نجحت فيما فشلت به الحركة من قبل. فبدلاً من هيكلةِ نظام ديمقراطي غير ليبرالي – كما الحال في تركيا – أنشأ ابن زايد خلاف ذلك: نظاماً أوتوقراطياً ليبرالياً منفتحاً، يضاهي ما فعله (لي كوان يو) في سنغافورة في الستينات والسبعينات. ابتدأ بالوظائف الحكومية في أبو ضبي، التي ابتليت بنفس المساوئ التي عانت منها الدول العربية الأخرى: الترهّل وعدم الكفاءة في ظل توظيف ذوي القربى أو من يحظون بالشهرة من غير مراعاة الكفاءة. إن هذا النمط قد توارثته الأنظمة جزئياً من الزعيم المصري جمال عبد الناصر، الذي أسس نموذجاً مختلاً في الخمسينات وانتشر في كل مكان.
وزع محمد بن زايد مجموعة من الشباب الموهوبين على القطاعات الحكومية وخوّلهم في إعادة بناء طبقة الموظفين. في الأعوام القليلة اللاحقة، طردوا عشرات الآلاف من الموظفين وعيّنوا آخرين من أجل تيسير شؤون الدولة. في المدة بين 2005 و2008، تقلص عدد الموظفين في أبو ضبي من 64000 إلى 7000 موظفاً فقط. في الوقت ذاته، أخذ محمد بن زايد يستثمر في احتياطي رأس المال لإمارة أبو ضبي لبناء اقتصاد لا يعتمد على النفط. وباستعماله صندوق ثروة جديد يدعى المبادلة، استطاع جذب صناعات جديدة، وإيجاد فرص عمل تسهم في تدريب المحليين. شحذ طريقه التنموي بتشغيل العنصر النسوي. وفّرت المبادلة ما يكفي لبناء مركز للملاحة الجوية وهندسة الطائرات في العين حيث تشكل النساء نسبة 86 بالمئة من العدد الإجمالي للعمال.
في بعض الأحيان، ترى محمد بن زايد يريد تغيير وضع الإماراتيين، لجعلهم أكثر انضباطاً وعقلانية واعتماداً على أنفسهم. أحد الدبلوماسيين السابقين سمعه يقول “هل صافحت إماراتياً من قبل؟ إن أياديهم خاوية – ويشيحون أبصارهم. أنا أحاول تعليم الناس أن ينظروا إلى عين المقابل ويصافحوا بيد ثابتة”. وجعل رياضة الجوجيتسو إلزامية في المدارس. وصاغ التجنيد العسكري في 2014، بإلزام الشباب الإماراتيين – الذين تتوفر لهم الرعاية الصحية والتعليم والسكن المجاني – لقضاء سنة من العمل الشاق في المعسكر. حرص محمد بن زايد على أن يأخذوا الأمر بجدية. أخبرني أحد الدبلوماسيين القدماء أنه بعدما سُنَّ قرار التجنيد بقليل، فشل في التسجيل بعض الشباب الذين تنطبق عليهم الشروط. فاستدعاهم محمد بن زايد “ووبّخهم لساعةٍ وحدثهم عما فعله أبوه لبناء الدولة وما إلى ذلك. ووُضِعوا في السجن لثلاثين يوماً”.
عندما زرت الإمارات لأول مرة في 2007، سمعت الكثير من المخاوف بشأن التبعات الاجتماعية للتحول السريع الذي شهدته الإمارات من الفقر إلى الغنى الفاحش: الخمول والاكتئاب والعزلة والاضطراب. في آخر زيارة لي، سمعت الكثير من القصص حول الشباب المدللين الذين عادوا من المعسكر ببنية نحيفة وروح متّزنة، يبادرون بأنفسهم لغسل ملابسهم وتنظيف الصحون. اجتذب التجنيد ناساً من مختلف الإمارات والطبقات الاجتماعية ليعيشوا معاً على نحو قلّ حدوثه في الماضي. إن حرب اليمن أثارت الذعر في تلك الدولة، لكن يبدو أنها بثت القوة في المجتمع الإماراتي. قُتِل أكثر من مئة إماراتيّ في الحرب، وعلى الرغم من أن هذه الخسائر تبدو ضئيلة إذا ما قارناها بخسائر الأرواح الجسيمة التي تكبدتها اليمن، فإنها على الصعيد الإنساني الأكثر تكلفة على الإطلاق من جميع الحروب التي خاضتها الإمارات. من المشجع أن نجد أبناء محمد بن زايد ومعظم حكام الإمارات الست الأخرى وأقربائهم ينخرطون في الصفوف الأولى، وقد تلقى بعضهم إصابات بالغة. التقيت بزايد بن حمدان، ابن أخ محمد بن زايد وصهره، الذي يجلس على كرسي المعاقين نتيجة انكسار عموده الفقري في حادثة تحطم طائرة الهليكوبتر عام 2017 في اليمن.
في عام 2009، اتخذ محمد بن زايد قراراً قد يوسّع بجدارة في بسط نفوذه خارج الحدود. فقد استدعى اللواء مايكل هندمارش، القائد السابق لقيادة العمليات الخاصة الأسترالية، لمساعدته في تنظيم الجيش الإماراتي. طلب منه مبدئياً مساعدته في انتخاب ضابط إماراتي يتولى إدارة وحدات النخب الحكومية التي أعيد تكوينها. لكن يبدو أن محمد بن زايد قد أُعجِبَ بهندمارش، وهو رجل طويل ذو بنية رشيقة ووجه مجعد وطبع صريح وهادئ، وانتهى به الأمر لاختياره لهذه المهمة.
إن وضع شخص أجنبي في هذه المكانة العسكرية المرموقة قد يكون أمراً يصعب تصوره في بقية بلدان الشرق الأوسط. لكنه في 2009، كان محمد بن زايد المسيطر الأقوى على الإمارة. فلقد أضرّت الأزمة المالية العالمية ببقية الإمارات الست – وخصوصاً دبي – وخسرت جزءاً من حكمها الذاتي لصالح أبو ضبي، وهي أغنى الإمارات وأكبرها على الإطلاق في ذلك الاتحاد. منح محمد بن زايد دعمه الكامل لهندمارش (الذي يلقّبه بـ”الزعيم”) وأمدّه بالمال الكافي. وهندمارش، الذي اعتاد على المصاعب التي واجهته خلال خدمته لعقود في الجيش الأسترالي، كان مسروراً. تكتّمَت الإمارات على المنصب الذي شغله هندمارش، بسبب حساسية العرب، لكنه لا يزال في المنصب، وكان دوره ضرورياً في تصدر القوات الخاصة الإماراتية عالمياً.
كان محمد بن زايد مستاءً بشدةٍ بما سمعه من إدارة بوش بشأن الترويج للديمقراطية وعواقبها، بما في ذلك نشوء الأحزاب الطائفية السياسية في العراق وفوز حماس بالانتخابات في غزة. في عام 2009، لاحظ ابن زايد مبادرة تحررية في خطاب أوباما المشهور في القاهرة، والذي دعا فيه إلى “بداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين حول العالم”. بعدها أخبر دبلوماسياً أمريكياً أنه كان يخشى من أن “يرفع هذا الخطاب من حدة التوقعات في الوطن العربي”.
بعدها جاء الربيع العربي. لقد أيّدت الولايات المتحدة الزعيم المصري، حسني مبارك، ومن على شاكلته من الأوتوقراطيين لعقود، وعدت الإخوان المسلمين طائفة متعصبة خطيرة. عندما فاز المناصر لجماعة الإخوان محمد مرسي في الانتخابات في مصر عام 2012، تقبّلت إدارة أوباما ما آلت إليه الأمور، على عكس محمد بن زايد. بحلول 2013، أيدت الإمارات حركة التمرد الشعبية ضد مرسي. حدثت الكثير من المظاهرات ضد مرسي في 30 من يونيو، بعدها أزاحته القوات العسكرية من منصبه في الثالث من يوليو، وتصدر السلطة القائد العسكري عبد الفتاح السيسي.
تعهدت الإمارات وحليفاتها في الخليج بدفع بلايين الدولارات تأييداً للحكومة الجديدة. مسؤولون إماراتيون التزموا الصمت بشأن مبادرتهم، إلا أن جميع الدبلوماسيين الذين تحدثت معهم يعتقدون أن وفداً إماراتياً زار السيسي وتحدثوا عن شروط الدعم المالي قبل عزل مرسي من السلطة. أخبرني دبلوماسي سابق “أنا أعتقد أنه ثمة الكثير من الدلائل التي تشير إلى تخطيطه للانقلاب. إن إشراف دولة صغيرة في خليج فارس على خلع رئيس مصر وتنصيب آخر محله لهو إنجاز عظيم فعلاً”.
لعل محمد بن زايد حال بين وجود حاكم إسلامي متطرف في مصر – هذا ما كان يعتقده على كل حال. لكن قساوة السيسي باتت واضحة مبكراً. (ينبغي ألا يزعج هذا محمد بن زايد وإلا فمصيره واضح). فحسبما نشرته Human Rights Watch، أنه في منتصف شهر أغسطس لعام 2013 أطلقت القوات العسكرية المصرية النار على حوالي ألف من جماعة الإخوان في مخيمين للاعتصام في القاهرة. في الوقت ذاته، بدأت الحكومة تتخذ إجراءات صارمة ضد العلمانيين المنشقين أيضاً، ومن نواحٍ عدة فإن السيسي هو أوتوقراطي أشد من مبارك. إن انتزاع السلطة في مصر قد زاد التوتر بين الإمارات والولايات المتحدة، التي كانت تتذبذب بين انتقاد السيسي بسبب سياسته القمعية وبين المضي في تعاون مشترك. (يعرض بعد ذلك ترامب تقبّله غير المدروس للوضع في مصر، إذ يقول مازحاً: السيسي كان “دكتاتوري المفضل”).
في أكتوبر من عام 2013 بعدما تسنم السيسي السلطة، كان محمد بن زايد يشاهد CNN وسمع لأول مرة المفاوضات السرية بين أمريكا وإيران بشأن ملفها النووي. لم يخبره بذلك أصدقاؤه الأمريكان. قال لي واحد من كبار مستشاري محمد بن زايد “إنه كان منذهلاً بشدة”. كان قد عارض فكرة المفاوضات مع إيران (صادقت الإمارات بالنهاية على الاتفاقية النووية التمهيدية التي أصبحت نافذة في شهر نوفمبر من ذلك العام). كان محمد بن زايد متعجباً لأن أوباما لم يكلّف نفسه باستشارة حليف قديم أو على الأقل إخباره بشأن هذه الاتفاقية المهمة – والتي عقدت في عمان، الدولة المجاورة للإمارات. فقد قامت الإمارات بالكثير من الأمور، إذ أجبرت تجار دبي على إيقاف تجارتهم المربحة مع إيران للالتزام بالعقوبات المفروضة عليها. قال كبار مستشاريه “شعر جلالته أنه مُستبعد رغم بذله للكثير من التضحيات”.
إن الاضطرابات في مصر والمفاوضات مع إيران جعلت صداقة محمد بن زايد مع الولايات المتحدة مشوبة بعض الشيء. لم يكن التغير في العلاقة واضحاً – فقد ظل يتحدث مع أوباما باستمرار ويقدم له بعض المشورة. وحذّره أن الإصلاح المزعوم في سوريا – الثوار المتطرفين – قد يكون أخطر من نظام بشار الفاسد. كما حث أوباما على التحدث مع روسيا للعمل سوية على إصلاح الوضع في سوريا – وهو اقتراح واقعي ورزين قد ينهي الحرب أسرع، ولو بإحباط أمل المعارضة بالانتصار.
إلا أنَّ وراء تلك المشورة المعتادة، تغيرت مشاعر محمد بن زايد تجاه أوباما. فأمست العلاقة مستهجنة؛ فقد أخبرني موظفون إداريون أنه كان يُهين إدارة أوباما أمام الزائرين. كما فعل أوباما نفس الشيء في مقابلة له في ذا أتلانتيك عام 2016، إذ قال عن الحكام العرب أنهم “منتفعون بالمجان” وأنهم “لا يمتلكون القدرة على حل مشاكلهم” وينتظرون من الولايات المتحدة أن تنقذهم. انقطعت آخر وشائج الصداقة بعد شهر من انتخاب دونالد ترامب، عندما سافر محمد بن زايد بالطائرة إلى نيويورك للقاء فريق الرئيس المنتخب، متجاهلاً وجبة غداء أوباما الأخيرة. بعد ذلك، استضاف محمد بن زايد وسيطاً روسياً في منتجع تحت ملكية الإمارات في دولة سيشيل مع إيريك برنس، المؤسس الأمريكي لشركة بلاك ووتر العسكرية – وهي مقابلةٌ عُني روبرت مولر بالتحقيق فيها للكشف عن ارتباط العلاقة بين إدارة ترامب وروسيا. لا يكشف اللقاء، الذي ذُكِر في تقرير مولر، عن أي تواطؤ سري لترامب. لكن حتى إذا لم يكن متواطئاً مع روسيا، فإن موقف محمد بن زايد تجاه مساعديه الأمريكان قد تغير. فلديه خططاً من صنع يده ولم يعد ينتظر موافقتهم.
إن خلع مرسي كان أول نجاح عظيم حققه محمد بن زايد في حملته ضد الثورات التحررية، ومنحته ثقة عالية حيال ما قد يفعله بدون القيود الأمريكية. راعت ليبيا انتباهه، حيث ثارت الجماعات الجهادية. فبدأ يوصل إمداداته العسكرية للمنشق خليفة حفتر، وهو ضابط عسكري يُكِنُّ نفس الضغائن التي يحملها محمد بن زايد تجاه جماعة الإسلام السياسي. في مؤتمر قمة كامب ديفيد التي عقدت عام 2015 في شهر مايو، وَبّخ أوباما بلباقةٍ محمدَ بن زايد وأمير قطر على شنّهم الحرب بالوكالة ضد خصومهم من المليشيات. إلا أنه في نهاية 2016، شيّدت الإمارات قاعدة جوية سرية في شرق ليبيا تنطلق منها طائرات لقصف المناوئين لحفتر في بنغازي.
مثّل ذلك خرقاً لقانون حظر التجارة بالسلاح لدى الأمم المتحدة، فأثار غضب واشنطن. قُتِل الآلاف في حرب ليبيا، وفشلت مساعي حفتر للسيطرة على طرابلس. أخبرتني دبلوماسية أمريكية تكِنّ الاحترام لمحمد بن زايد أن الفوضى التي سبّبها في ليبيا اكّدت مدى خطورة تجاوزه الحد. “إنهم يتطلعون للتخطيط والإدارة والإطاحة بالأحزاب التي لا يرغبون بها. سوف يتعلمون أنه ليس بمقدورهم فعل ذلك” وأضافت “إنك قد تثير نار العداوة بسبب تدخلك”.
عندما انسحب من إدارة أوباما، اكتسب محمد بن زايد حليفاً قوياً: ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. قد يبدو هذا الحلف طبيعياً لدى الأجانب – فهما حاكمان خليجيان أوتوقراطيان تجمعهما مبادئ مشتركة – لكن هذا الترابط لم يكن كفيلاً لحل مشكلة قديمة. إن السعوديين، كما ورد على لسان الصحفي السعودي المقتول جمال خاشقجي، هم “منبع الإسلام السياسي”. قد يؤيد محمد بن زايد هذا الوصف. إذ تعود جذور السعودية إلى ميثاق عُقِد في القرن الثامن عشر بين حكامها وفكر إسلامي متعصب يُعرف بالوهابية. إنها صيغة تتبعها الدولة لرعاية المنهج المتطرف على نحو يفوق الإخوان المسلمين بمراحل عديدة.
نشأ محمد بن زايد في زمان شعر فيه الإماراتيون بالخوف مما يأتي من الصحراء الكبيرة المجاورة؛ فقد كان ثمة صدامات مسلحة على الحدود في الخمسينات. في عام 2005، أخبر محمد بن زايد السفير الأمريكي جيمس جيفري، حسبما ورد في تقرير نشرته ويكيليكس، إن أكبر مخاوفه كان من الوهابية. فقد كان يرى الأسرة السعودية الملكية ضعيفة، وتخشى أن يكون النظام البديل في هذا المجتمع المتقيد ترأسه دولة وهابية متعصبة على غرار حكم داعش. تذكر جيفري أن محمد بن زايد قال له “كلُّ مَن حَلَّ مَحل آل سعود كان كابوساً. لذا علينا أن نشد على عضدهم”.
تمسّك محمد بن زايد بنظيره السعودي – الذي كان متشوقاً للإصلاح – كسبيل للخلاص من الإسلام الراديكالي الذي كان مهيمناً على المجتمع العربي السعودي. إنه كان بمثابة المدرب للأمير الشاب، وقد أوصى إدارة أوباما على دعمه. لكن يبدو أنه ينساب بالكامل مع رغبات محمد بن زايد السيئة. فعندما قاد السعوديون حملة ضد حلفاء إيران من الحوثيين في اليمن في مارس عام 2015 – مع الإمارات التي تشترك في القيادة – توقع الكثير أن الحرب ستنتهي بعد بضعة أشهر. إلا أنها استمرت لخمس سنوات تقريباً، وأمست كارثة هزت ضمير العالم. إذ تحطمت المباني ولم يبق منها إلا الفتات، وقُتِل آلاف المدنيين وعانت اليمن – التي كانت أفقر البلاد العربية قبل بدء الحرب – من تفشي المجاعة والأمراض على نحو مخيف. كما أصبح الهدف المزعوم الذي من أجله قامت الحرب (اقتلاع جذور الحوثيين الذين تدعمهم إيران) من الأمور المستحيلة تحقيقها.
على الإمارات أن تتحمل جزءاً من المسؤولية تجاه هذه المأساة العظيمة، على الرغم من أنها لم تنفذ بنفسها إطلاق القنابل التي أتلفت جزءاً كبيراً من شمال اليمن. ركز محمد بن زايد دور بلاده على الجنوب فقط، حيث حاول من غير أن يُكتب له النجاح أن ينظم اتفاقيات سياسية لإنهاء الحرب، واعتمد على وحدات هندمارش العسكرية لتدريب القوات المحلية. أخبرني ضابط أمريكي عسكري ذو رتبة عالية أن النجاح العسكري في الحرب يرجع سببه إلى التدخل الإماراتي بنسبة 95 إلى 100 بالمئة.
عندما أعلن محمد بن زايد الانسحاب من اليمن في يونيو، بيّن أن اشتراكه مع السعودية كان محدوداً. وبدأ يخطط لأسلوب أكثر دبلوماسية مع إيران. بعد جملة من الهجمات على المنشآت البحرية في الخليج الفارسي وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار، توعد ترامب بانتقام كبير في الشهر ذاته ثم تراجع عن ذلك بشكل مفاجئ. أحسّ محمد بن زايد أن ترامب في نظر إيران بدا كأنه نمر من ورق – يدع الإمارات معرّضة لمزيد من العدوان الإيراني الخطير. بعد ذلك بقليل، أصدرت الإمارات بياناً استرضائياً وأرسلت وفداً إلى إيران في أواخر يوليو. إن نمط التصعيد والتهدئة هذا قد يكون ضرورياً عقب مقتل سليماني، لأن الدول القريبة من إيران تحاول مليّاً تفادي الحرب.
إن هذه المحاولات الدبلوماسية في يوليو كانت محط ترحيب من بعض المنتقدين لسياسة محمد بن زايد واحتسبوها مبادرات لمرونة غير مسبوقة أو حتى “لتخفيض النفقات” في أوقات قد يكون فيها محمد بن زايد يماثل أنداده في الصرامة والتعنت في الرأي. إن الحظر التجاري على قطر، الذي بدأ في يونيو 2017، أخذ محملاً شخصياً، بوجود طرفين يؤلب على بعضهما الآخر بحملات إعلامية للذم والتسقيط، وقد أدى إلى مصادمات كلامية غير مباشرة في الصومال. إن هذا الانشقاق قلّل من إمكانية تحقق هدف ابن زايد المزعوم في تشكيل جبهة موحدة ضد التدخل الإيراني في المنطقة. أخبرني ضابط عسكري أمريكي ذو رتبة عالية أنه إذا لم يجدوا سبيلاً لحل هذه المشكلة “فإنها ستتفاقم، وسيأتي أحد ما ليستغلها أبشع استغلال”. إن العداوة مع قطر قد حرَفَت حملة محمد بن زايد ضد الإسلام السياسي إلى مسار الانتقام، كما لو أنه كان أكثر حرصاً على إذلال خصومه من أي شيء آخر.
يقع تمثال برونزي كبير خارج مكتب محمد بن زايد الرئيس في أبو ضبي، منقوش عليه كلمة “التسامح” بالأحرف الإنجليزية. قطعت الإمارات أشواطاً عديدة للإعلان عن قبولها بالتعددية. ففي عام 2016، أسست الحكومة وزارة التسامح ووُسِم عام 2019 بعام التسامح. وافتتحت تلك الوزارة في فبراير بزيارة البابا فرنسيس التي ذاع صيتها، وهي المرة الأولى التي يزور فيها أسقفٌ كبيرٌ شبه الجزيرة العربية. لكن هذا التسامح لا يطال المتطرفين ومن يتعاطف لأجلهم. إذ ضيقت الإمارات الخناق على المتطرفين منذ 2011 بالاعتقال والحبس بشكل جماعي وبذرائع بالية. ثمة ما يؤشر إلى بدء خلاف مع رفقاء الدرب، والذي يذكرنا بما حدث في الحرب الباردة. في عام 2012، أغلقت السلطات الإماراتية مكاتب المعهد الديمقراطي الوطني الذي تموله الولايات المتحدة في دبي وبقية المنظمات التي تدعم المؤسسات الديمقراطية. وفي عام 2014، وضعت الحكومة رسمياً الإخوان في قائمة الجماعات الإرهابية. وقد أحالت إلى القضاء محامياً واحداً على الأقل كان يدافع عن المتطرفين، كما قاضت في بعض الأحيان الذين ينتقدون الحكومة من العلمانيين.
إن أغلب الإماراتيين الذين حدثوني عن مقاومة محمد بن زايد للإخوان لم يفعلوا ذلك إلا بشرط إخفاء هوياتهم واستخدام التطبيقات المشفرة. بخلاف الغرب، فإن الإمارات تستطيع الوصول لبيانات الكاميرات الشخصية، مما يعطي السلطات مجالاً واسعاً جداً لمراقبة ما يحدث في أي مكان في ذلك البلد. تطبيق المحادثة الذي انتشر مؤخراً (توك توك)، والذي صار مألوفاً عند الإمارات السنة الماضية، عُرِف عنه أنه أداة إماراتية ذكية للتجسس. يستطيع المسؤولون في الإمارات تسويغ هذه الأساليب بسلاسة؛ فإن قنبلة إرهابيّ واحدة أو صاروخاً إيرانياً كفيل لجعل المغتربين يضطرون للمغادرة ويلحق ضرراً بالغاً في دور البلاد في التجارة الآمنة وسمعتها كمحور للنقل. طعنَ أحد المتشددين، الذي ربما تتلمذ على يد داعش، أستاذاً حتى الموت في أبو ضبي عام 2014، مما يؤكد وجود الخطر. إلا أن الإمارات لا تبحث عن الإرهابيين فحسب. فلقد طورت على الإنترنت برنامجاً ذكياً ذا دقة متزايدة يدعى Project Raven، شارك في بناءه خبراء أمريكيون سابقون في الذكاء الاصطناعي، والذي بدا أنه يستهدف جزئياً ذوي السياسات المعارضة. تضمنت أهداف هذا البرنامج على الأقل أربعة من الصحفيين الغربيين بما فيهم ثلاثة من الأمريكان، حسب استطلاع نُشر في رويترز السنة الماضية.
حذرت رسائل في وسائل التواصل الاجتماعي أن إظهار أي تعبير يدعم الحكومة القطرية يُعد مخالفة خطيرة يُعاقب عليها بالغرامة أو حتى بالسجن. “في الحقيقة إنه من الصعب جداً توجيه الانتقادات والتحدث بصراحة” أخبرني عبد الخالق عبد الله، أخصائي إماراتيّ بارز في العلوم السياسية، وقد تعرض للحجز بسبب انتقاده الحكومة. وأضاف أن هذا الأمر موجود في عموم العالم العربي. إن معظم إجراءات المراقبة على المطبوعات في الإمارات هي أمر تطوعي، إذ يستمد الشباب روح اليقظة إزاء أعداء الدولة الخارجيين. أخبرني شابٌّ في العشرينات من عمره أنه يتساءل عما إذا كان خطر الإخوان المسلمين قد ضُخِّمَ كذريعة لتقوية أسس الدولة – وهو تساؤل لا يجرؤ على البوح به أمام العامة.
إن أكثر ما يدعو للتساؤل في حكم محمد بن زايد: إنه أوتوقراطيّ متحرر ومنفتح، وتختلف نظرتك على دولته باختلاف المكان الذي أنت فيه. فإذا ما قارنّا الإمارات بالمعايير الغربية لجماعات حقوق الإنسان، فإنها ستبدو وكأنها مستعمرة أثقلَ كاهلها النظامُ الرأسمالي المفرط ولا يزال رئيسها يحارب كل أصحاب الرأي المختلف. أما إذا قارنتها مع سوريا ومصر، ستبدو الإمارات نموذجاً للمتنورين الليبراليين. وأغلب الشباب العرب يتبنّى الرؤية الثانية. كشفت دراسات أن أكثر شباب العرب يودون قضاء حياتهم هناك أكثر من أي مكان آخر – بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا. قد يكون السبب وراء ذلك هو أن أكثر الناس في العراق ومصر تسيطر عليهم مشاعر الشوق والحنين، بينما يكون للناس في الإمارات رؤية أكثر عمقاً عن المستقبل. وهذه الرؤية هي رأس الخطاب الذي يعزز وكلاء الدعاية الإماراتيون في مصداقيته.
انبرى، على وجه المناسبة، عدد من الدبلوماسيين الأجانب لسؤال محمد بن زايد عن سبب غياب الديمقراطية في دولته. فأجاب بما مضمونه أن “هذه ليست كاليفورنيا”: فالافتقار للثقافة ورسوخ المواقف الرجعية للدين يجعل النظام الأوتوقراطيّ أمراً ضرورياً. لكن إذا نجح في توعية العامة واستئصال الإسلام السياسي، سوف تمسي عائلة آل نهيان في ورطة تدافع عن دورها كعائلة ملكية ذات مبادئ صادقة.
أخبرني زكي نُسَيبة، الذي عمل كمترجم ومستشار لزايد لعقود، أنه “لا يمكنك تطبيق نموذج جاهز من الخارج. بلى، ينبغي أن نُشرِك الشباب أكثر في صنع القرار”. خلال الرحلة التي دامت ساعتين من أبو ضبي إلى دار نُسَيبة في العين، التي يعيش فيها أكثر الناس تحفظاً في البلد، مررت بالكثير من البنايات الفارهة والفخمة التي بنتها الدولة للإماراتيين الذين يرغبون بالبقاء بعيداً عن أبراج المدينة اللامعة. فخطر في بالي الأسلوب الذي يستبطنه آل نهيان عند تعاملهم مع الشعب: أوفر لكم الأمان والرخاء مقابل أن تبقوا صامتين.
نُسَيبة رجل في الثالث والسبعين من عمره، طويل ونحيف وذو عيون واسعة وحرفية عالية. قد يُعد سفيراً ثقافياً للإمارات، التي عاش فيها منذ وصوله قبل خمسة عقود من الضفة الغربية. إن بيته أشبه بالمتحف، إذ يحتوي الكثير من الكتب باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية المرصوفة بعلو يصل لحد السقف، وبرجاً مليئاً بأقراص الـ CD مخصصاً لأعمال ريتشارد فاجنر (مع صورة مؤطرة في الأسفل لنُسَيبة مع سليل المؤلف كوسيما فاجنر). تملأ الرسوم والتماثيل (التي يعود أغلبها لفنانين عرب وإيرانيين) كل المساحة الفارغة تقريباً.
إن أهم شيء، برأي نُسَيبة، هو بناء المؤسسات والتصدي للتهديدات الخارجية التي تتطلب قيادة متزنة. فإننا نشهد مجدداً خطر التطرف الإسلامي.
قال “لقد كانت الخمسون سنة الماضية مرحلة تأسيسية. وستكون الخمسون القادمة – السبيل للمضي إلى مرحلة عالمية جديدة؟ يصبح التحدي جوهرياً أكثر. إذ ينبغي علينا أن نحصّن الناس ضد ما يحدث”.
في صباح أحد أيام شهر يوليو، ركبت سيارة أجرة من فندقي إلى متحف اللوفر في أبو ضبي، مَعْلَم ابن زايد العظيم “للفن والحضارة” والذي تساوي قيمته مليار دولار. كان الجو حاراً ورطباً على نحو لا يطاق، وبأثناء سيرنا في الكورنيش – رصيف طوله ميل تزيّنه الطبيعة الخلابة والإطلالة المائية – لم أر شخصاً واحداً على الإطلاق. وأثناء عبورنا الجسر لنصل إلى جزيرة السعديات، رأيت نتوء المتحف يلوح من مسافة بعيدة وكأنه سلحفاة معدنية ضخمة. إن قبته الفولاذية، التي هي بثقل برج إيفل، هي نسيج من الجدائل المصممة على غرار بستان النخيل – فالأرضية لا تنال من الشمس إلا قبساً متناثراً من نورها. عندما وصلنا، طلعتُ إلى الخارج لدقيقة إذ سحرني جمال منظر الطبيعة، ثم رجعت إلى الداخل – إلى العالم الذي تحكمه تطلعات محمد بن زايد. من السهل تصوره يتجوّل بخطى واثقة حول موقع البناء قبل عقد من الزمن، ويؤشر بإبهامه كالساحر: أريد ممرات من هنا. لنبقي حد الساحل في مكانه الطبيعي هناك. لنبني فنادق تطلّ على المتحف هناك. هذا، بالحقيقة، هو ما حدث تقريباً، كما أخبرني الرجل القيّم على مشروعه.
في الداخل، كنت مع عموم السائحين ننظر إلى الأعمال الكلاسيكية للفن الغربي التي تُعرَض جنباً إلى جنب مع التحف الصينية والهندية والعربية. إن فكرة هذا المتحف تشير إلى العادات الثقافية المتعددة التي تحملها الإمارات، وتقودنا إلى مزيج من الثقافة العالمية المتحضرة. لقد تعرّض المتحف للوصف الساخر من بعض النقاد، بما فيهم الكثير من الفرنسين، الذين قالوا إنه صفقة باهظة الثمن لشراء علامة تجارية أوربية من أجل إسعاد الطبقة المترفة من حول العالم. إلا أن الهدف الرئيس الذي بنى محمد بن زايد من أجله المتحف، كما أخبرني أحد مستشاريه، هو لتعليم السكان المحليين، وليس لجذب السيّاح.
بينما كنت أعبُرُ منحوتة رومانية، إذ جاء مجموعة من التلاميذ الصغار وجلسوا على الأرض بالقرب مني. وبعد أن استغرقوا لحظات في الرسم، قادهم المعلمون إلى صالة الأديان العالمية، التي تحتل مركز المتحف. تتبّعتهم وأصغيت لأحد المعلمين الذي بدأ فقرة السؤال والجواب.
فقال “كلكم تعرفون عن القرآن. لكن من منكم يخبرني ما هو السِّفر المقدس لدى الدين المسيحي؟” فأجابه بصوت عالٍ عدد من التلاميذ “جيد جداً! ماذا عن كتاب اليهود المقدس؟ والهندوس؟” فتتالت الأصوات العالية للإجابة. بعدها ذكر مسك الختام “يريد الشيخ زايد أن يصبح هذا متحفاً عالمياً، فلقد فكّر في أن يضع كل الكتب المقدسة في مكان واحد، وذلك لكي يتمكن الناس من معرفة ما يتّفق مع دينهم، ولعل هذه الطريقة تجعلهم أكثر لطفاً مع بعضهم البعض.”
في الحين الذي نهض الصغار واصطفوا في الغرفة المجاورة، أذهلني أن ثمة معلومة خاطئة قد ذكرها المعلم. فالشيخ زايد لم يوص ببناء هذا المتحف، وما تضمنه من رسالة عميقة في إبطال المُسَلّمات الموروثة وتمدين أهل البدو. فكان محمد بن زايد يختبئ في ظل والده، غائباً ويتمتع بالقدرة المطلقة في الوقت نفسه.
المقال باللغة الإنجليزية: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الجواز الأمريكي لا فائدة منه

يمكنني التنقل حيث شئت بجواز سفري الألماني. ولكن عدد الدول التي تسمح للأمريكيين بالدخول تكاد …

حصرياً: من داخل مخيمات تدريب تابعة لحزب الله لنشر الأخبار الزائفة  

  بقلم: ويل كريسب وسداد الصالحي  بتاريخ: ٢/آب / ٢٠٢٠ ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام …