الرئيسية / سياسة / جمهورية الخوف الجديدة في العراق

جمهورية الخوف الجديدة في العراق

 

 

كيف أثارت الاحتجاجات الشبابية منعطفًا للسلطة؟

بقلم: ريناد منصور

منشور بتاريخ: 20 تشرين الثاني/نوفمبر، 2019

ترجمة: ريام عيسى

تصميم الصورة: أسماء عبد محمد

 

في الأول من تشرين الأول/أكتوبر ملأ المتظاهرون شوارع بغداد هاتفين ضد معدلات البطالة المرتفعة والفساد المتفشي. وتضخمت الاحتجاجات في الأسابيع التي تلت، حيث تظاهر مئات الآلاف من العراقيين في العاصمة بغداد ومدن أخرى في جنوب البلاد. مع تصاعد التوتر كان رد فعل الحكومة والقوات العسكرية شبه الحكومية بالقيام بقتل أكثر من 300 متظاهر وجرح ما يقارب الــ 15000 آخرين. ومنذ نهاية الشهر الماضي تعيش بغداد في حالة من الاضطراب شبه المستمر. استعادت الحكومة مؤخّرًا العديد من الساحات والجسور التي كان يسيطر عليها المتظاهرون، لكن بقيت ساحة التحرير – المليئة بالأنظمة الصوتية والخيام الطبية وحتى صحيفة ثورية مجانية – مركزًا للانتفاضة الشعبية.

على مدى العقد الماضي، قام القادة العراقيون بنزع فتيل أزمات سببتها احتجاجات شعبية متعددة من خلال وعود بإصلاحات وتعديل حقائب وزارية. لكن هذه المحاولات لم تجدِ نفعًا هذه المرة. على الرغم من وعود رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بتعديل القوانين الانتخابية وإجراء انتخابات مبكرة، لا يزال المتظاهرون في الشوارع مطالبين باستقالة الحكومة، وداعين إلى تغييرات هيكلية أوسع بما في ذلك وضع دستور جديد، ووضع حد للصفقات الغامضة والمحسوبية الطائفية والفساد المستشري.

خلال أكثر من ستة أسابيع ازدادت حدة الانتفاضة الشعبية في أكبر تحدٍّ يواجه النظام السياسي العراقي منذ 2003. من العديد من النواحي؛ فإن الاحتجاج الشعبي يمثل تهديدًا للحكومة العراقية أكبر من التهديد الذي شكّلته داعش. هزت حركة الاحتجاج الشبابية الثورية منعدمة القيادة الطبقةَ الحاكمة، مما أجبر سماسرة السلطة الشيعة والسنة والأكراد على تشكيل جبهة موحدة لمساندة رئيس الوزراء المحاصر. يوحي توحد النخبة السياسية المنقسمة في العراق على قمع الاحتجاجات بالعودة إلى الاستبداد وظهور “جمهورية الخوف” على غرار تلك التي أقسمت أميركا وزعماء العراق الجدد على أنها لن تعود بعد سقوط صدام حسين.

 

 

 

السير نحو نغمة مختلفة

 

تخطّت الحكومات العراقية السابقة موجات من الاحتجاجات في الأعوام 2009 و 2011 و 2015 و 2016. في آخرها قام مؤيدو رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر باقتحام المنطقة الخضراء في بغداد، لكنهم عادوا إلى بيوتهم عندما قامت الحكومة بتعديل وزرائها. لم تنجح الوعود المعتادة بالإصلاح بكبح جماح التظاهرات هذه المرة، وبدأ كبار السياسيين الداعمين لعبد المهدي بوصف المتظاهرين على إنهم “مفسدون” و “مخربون”.

في الحقيقة؛ فإن المظاهرات الحالية تختلف عن سابقاتها من عدة نواحي مهمة. كانت المظاهرات السابقة تُقاد من قِبل أعضاء من النخبة الفكرية والسياسية، باحثين عن تغيير تدريجي واجتذبت مشاركين من مختلف الفئات العمرية (ما يقارب ثلث المتظاهرين في بغداد عام 2015 تجاوزوا عمر الــ 50)، في حين أن المظاهرات الحالية ليس لها قيادة من حزب معين أو حركة فكرية. والأهم من ذلك أنها تستمد قوتها من فئة أصغر بكثير في المجتمع من الذين ليست لديهم مشاركة كبيرة في السياسة. حركة اليوم ليست مجرد مطالبة بخدمات ووظائف أفضل، إنها تعكس رغبة قوية وغير متبلورة في التغيير الجذري. إنها تسعى لاستعادة “كرامة” الشعب الذي تعامله الحكومة بقسوة ولا مبالاة.

 

غضب الشباب العراقي وصل إلى حد الغليان

 

يرى الشباب العراقي أن ثروات البلد النفطية الهائلة تذهب إلى جيوب النخب السياسية والتجارية، بينما لا يتبقى إلّا القليل للاستثمار في تحسين التعليم والبُنى التحتية وخلق فرص عمل. وصلت بطالة الشباب إلى حوالي 30%. الجيل الأصغر سنًّا ليس لديه ذكريات عن الحياة في ظل حكم صدام حسين الدكتاتوري. كل ما يعرفه هو النظام السياسي الذي تشكل بمساعدة وتوجيه الولايات المتحدة عام 2005، عندما أدّى اتفاق لتقاسم السلطة بين الأحزاب السياسية الشيعية والسنية والكردية إلى تمكين النخب من جميع الفصائل الثلاثة للحصول في موقعها على شبكة واسعة من المحسوبية. في ظل النظام الحالي، يشعر الشباب بمحدودية الآفاق الاقتصادية بينما تستمر الطبقة الحاكمة بزيادة ثرواتها.

بدأت التظاهرات في تشرين الأول/أكتوبر، مع مطالبات مألوفة بتوفير وظائف وخدمات حكومية أفضل، لكنها سرعان ما تحولت إلى رفض تام للنظام السياسي. النخب السياسية والفكرية المعروفة لم تكن بالقرب من مركز وثقل الاحتجاجات. على سبيل المثال، فإن الصدر قضى معظم تلك الأسابيع الستة في إيران، تم إبعاده عن موقع الأحداث.

ليس لهذه التظاهرات قيادة مركزية واضحة، لذا صارع الزعماء العراقيون لعزل الأفراد الذين يمكنهم التحدث باسم المتظاهرين. في غموضها وعدم وجود انتماء سياسي واضح لها وبمطالبها التي لا هوادة فيها تمثل التظاهرات تنديدًا واسع النطاق لنظام حكم ما بعد صدام. شجعت الحملة التي قامت بها الحكومة لقمع المتظاهرين، الذي يطالبون الآن بمحاكمة النخب الحاكمة عن أعمال العنف التي وقعت في الأسابيع الماضية وكذلك سنين الفساد التي سبقتها.

 

الوضع الراهن للتظاهرات

 

مع مواجهتها لتهديد وجودي؛ فإن الأحزاب السياسية الرائدة في العراق تغلق صفوفها الآن. خلال السنوات القليلة الماضية احتفى عدد من المراقبين للسياسة في العراق بابتعاد البلاد عن الطائفية العلنية. تميزت انتخابات عام 2005، وهي أول انتخابات بعد الإطاحة بصدام، بكتلة شيعية واحدة وكتلة كردية واحدة وكتلة علمانية أصغر مع بعض القادة السنة. على عكس ذلك، فقد تضمنت انتخابات العام الماضي العديد من الأحزاب المختلفة المتنافسة داخل كل مجموعة عرقية أو دينية.

لكن الانقسامات الطائفية لم تكن الوحيدة التي تم نسفها. أصبحت المنافسة في السنوات القليلة الماضية منافسة داخلية بين الكتل الشيعية، تحديدًا بين الصدر ومجموعة من القادة المدعومين من إيران أمثال نوري المالكي وهادي العامري قائد قوات الحشد الشعبي – شبه الحكومية – والتي لعبت دورًا مهمًا في هزيمة داعش شمالي العراق. شهدت انتخابات عام 2018 ظهور كتلة برلمانية للإصلاح من التيار الصدري والكتلة البرلمانية للعامري، وهما بزعامة قادة إسلاميين شيعة ويتنافسون مع حلفاء سنة وأكراد. الخصمان المعروفان في السياسة العراقية، الصدر والعامري، وضعا خلافاتهما جانبًا في مواجهة الانتفاضة الشعبية.

 

منذ بدء التظاهرات، أيَّد العامري حكومة عبد المهدي وعقد اجتماعات مع الجماعات السنية والشيعية والكردية سعيًا لجعل “كتلة البناء” ذات أغلبية واضحة. تضمنت هذه اللقاءات مناقشات مع مسؤول رفيع من الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي أخبرني أنه أُرسل إلى بغداد في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر في “مهمة مستحيلة” لضمان بقاء النظام السياسي الحالي. ولفعل ذلك انضم إلى خصوم سابقين منعوا حزبه قبل عدة سنوات من إجراء استفتاء من أجل الاستقلال.

لقد أسفرت الاحتجاجات عن إسكات الصدر الذي أعتاد أن يكون هو الداعي والمحرض لمثل هذه التظاهرات، وقرّبته إلى منافسيه السياسيين. على مدى السنوات الماضية انتقد الصدر عدة مرات النفوذ الإيراني المتزايد في العراق، والذي أثبتت وثائق المخابرات الإيرانية المسرّبة مؤخّرًا أنه أكبر مما كان يُعتقد. في نهاية الصيف الماضي صرّح الصدر ضد حكومة عبد المهدي، لكن مع بدء الاحتجاجات في تشرين الأول/أكتوبر، ظهر الصدر لمرة واحدة في تظاهرة في النجف وقال لأتباعه أنهم أحرار في التظاهر لكن ليس للتحدث باسمه أو تمثيله في التظاهرات. بعد أن هتف أنصاره بشعار “إيران بره بره.. بغداد تبقى حرة” كما فعلوا لسنوات، حثّهم الصدر على عدم التنديد “بجهات خارجية” بمعنى عدم التحدث ضد إيران. عندما اجتذبت التظاهرات الشعبية الكثير من شيعة إيران، بقي الصدر ضعيفًا سياسيًا في إيران.

قد لا يكون الصدر والعامري حلفاء مقربين، لكن الاحتجاجات – إلى جانب الإكراه من قِبل إيران – قد خفّف من حدة التنافس بينهما. المنافسة الرئيسية بين السياسيين في العراق لم تعد بين فصائلهم فحسب، بل صراع بين شباب ثائر ودولة مذعورة.

 

دولة الخوف

 

بعدم قدرتها على نزع فتيل أزمة التظاهرات المتزايدة من خلال وسائل أخرى، فقد اتجهت الحكومة وحلفاؤها بشكل متزايد إلى العنف. أطلقت القوات الحكومية والميليشيات شبه الحكومية الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع مباشرة على المتظاهرين، وحظرت وزارة الاتصالات خدمة الإنترنت لمنع الفيديوهات التي توثق وحشية الحكومة من الانتشار والتداول. كما استشهدت المحاكم بقانون مكافحة الإرهاب لتبرير قتل المتظاهرين.

تحت أنظار العالم تجنّبت الحكومة أن يتحول ميدان التحرير إلى ميدان تينانمن، وما زال ميدان التحرير بيد المتظاهرين. بدلًا من ذلك قامت الحكومة بحملة تدريجية، حيث انتقلت من مدينة إلى أخرى يومًا بعد يوم، ونشرت مجموعات مسلحة مختلفة حكومية وشبه حكومية لإخفاء سلسلة القيادة. تُمكن هذه الاستراتيجية السلطات من التهرّب من المسؤولية المباشرة، ليبدو أن العنف يأتي من جوانب مختلفة.

لكن هذا العنف أتى على تغذية المتظاهرين بالغضب الأخلاقي، حيث صُدموا من البداية أن الدولة على استعداد لقتلهم وتشويههم، فقد قاموا بالاستجابة بتصعيدهم الخاص مطالبين ليس فقط بوظائف وإصلاحات؛ بل بنظام سايسي جديد تمامًا. وقد حصلوا على دعم من قِبل المرجع الديني الشيعي البارز علي السيستاني، والذي حثَّ المتظاهرين عل البقاء في الشوارع ومواصلة التعبير عن مطالبهم. لكن قد يكون طريقهم صعبًا. فبدلًا من الإذعان للمتظاهرين أعاد قادة العراق في مرحلة ما بعد صدام أدوات القمع للحفاظ على سيطرتهم على السلطة.

 

المصدر: هنا

 

 

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الجواز الأمريكي لا فائدة منه

يمكنني التنقل حيث شئت بجواز سفري الألماني. ولكن عدد الدول التي تسمح للأمريكيين بالدخول تكاد …

حصرياً: من داخل مخيمات تدريب تابعة لحزب الله لنشر الأخبار الزائفة  

  بقلم: ويل كريسب وسداد الصالحي  بتاريخ: ٢/آب / ٢٠٢٠ ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام …