الرئيسية / سياسة / الكفاح من أجل عراق جديد

الكفاح من أجل عراق جديد

كتبه: مينا العريبي

لموقع: The New York Times

بتاريخ: 5/ 11/ 2019

ترجمة: A. A

تصميم: أحمد الوائلي

 

لقد أدت الاحتجاجات ورد الفعل العنيف من جانب الحكومة إلى تمزيق أسطورة الطائفية التي ترعاها الدولة باعتبارها المبدأ التنظيمي للسلطة السياسية.

 

إن استمرارية وحجم الاحتجاجات في العراق منذ أوائل شهر أكتوبر ووحشية قوات الحكومة العراقية والميليشيات التي تسعى إلى سحقها قد هزت البلاد. قُتل أكثر من 275 محتجًا وجُرح الآلاف، لكن الاحتجاجات استمرت بلا هوادة.

 

احتج العراقيون في البداية على الفساد والبطالة وفشل الحكومة في تقديم الخدمات، لكن بعد شهر من عنف الدولة الوحشي، طالب المتظاهرون باستقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وإصلاح شامل للعملية السياسية في البلاد. وحل الفصائل السياسية القوية وميليشياتها، التي تدعمها إيران وتدير معظمها.

 

لقد فشلت الحكومة العراقية والنخبة السياسية في الرد بأي شكل من الأشكال على المتظاهرين. في يوم الخميس، وعد برهم صالح، رئيس العراق، بصياغة قانون انتخابي جديد، مدعيا أنه سيسمح لمزيد من الشباب بالانضمام إلى العملية السياسية ووضع حد للنظام الحالي لعقد الصفقات في تشكيل الحكومة. كما وعد بإصلاح لجنة الانتخابات في البلاد من خلال استقدام خبراء مستقلين كأعضاء فيها. ومع ذلك، سرعان ما تم رفض هذه الوعود من قِبل المتظاهرين لأنها كانت قليلة جدًا ومتأخرة جدًا – تغييرات تجميلية تهدف إلى دعم نظام سياسي مشوه.

 

معظم الاحتجاجات تجري في المدن ذات الغالبية الشيعية. حادثة مقتل أكثر من 18 محتجًا في مدينة كربلاء الشيعية المقدسة الأسبوع الماضي يسلط الضوء على حقيقة ان المحافظات ذات الغالبية الشيعية لم تستفد من الأحزاب السياسية التي تستخدم “الهوية الشيعية” لاكتساب السلطة والحفاظ عليها.

 

لقد أدت الاحتجاجات ورد الفعل العنيف إلى تمزيق أسطورة الطائفية كمبدأ منظم للسلطة السياسية: فشلت الطائفية التي ترعاها الدولة في توفير الحماية والتقدم للمواطنين.

 

تكمن المشكلة إلى حد كبير في النظام السياسي الذي فرضه التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على العراق في عام 2003، والذي عزز من الكذبة التي مفادها أن العراقيين لم يكن لديهم هوية وطنية موحدة وأن هويتهم الغالبة كانت طائفية أو إثنية: الشيعة والسنة والأكراد. بصرف النظر عن عزل غالبية العراقيين الذين يؤمنون بهويتهم الوطنية، فإن هذه الانقسامات عزلت المسيحيين واليزيديين والمندائيين وغيرهم من الأقليات في العراق.

 

في المقابل، كان المتظاهرون العراقيون يحملون العلم العراقي ويرفضون جميع الرموز السياسية والطائفية الأخرى. الأغاني الوطنية العراقية التي غنت في الثمانينات أثناء الحرب مع إيران ملأت الشوارع مرة أخرى. الشعار الذي كان له صدى أكبر هو “نريد وطنًا”، ويدعو إلى عراق لا يعاني من أمراض الانقسامات الطائفية أو يتلاعب بها السياسيون. وشعار آخر شهير هو “نازل اخذ حقي”.

 

فبدلاً من البناء على مبادئ المواطنة بعد سقوط دكتاتورية صدام حسين، عملت الطبقة السياسية في العراق منذ عام 2003 على نظام طائفي للرعاية لكسب السلطة السياسية والربح. كرست الهوية الطائفية كأساس غير مكتوب لتقاسم السلطة – رئيس وزراء شيعي ورئيس كردي ورئيس سني للبرلمان – كي تعزز بذلك الانقسامات الطائفية وتقوض الجدارة أو الشرعية الانتخابية. أصبح تشكيل الحكومة ممارسة ساخرة في السمسرة في السلطة على أساس بناء التحالف قبل وبعد التصويت.

 

مما يجعل الأمور أسوأ هو ان قسم كبير من الطبقة السياسية العراقية ولائها لإيران. ازداد الغضب من النفوذ الإيراني على المؤسسة السياسية للبلاد بشكل كبير حيث أظهرت تقارير موثوقة أن معظم عمليات القتل نفذتها الميليشيات التي تدعمها طهران. وقد ازداد الغضب من النفوذ الإيراني على المؤسسة السياسية للبلاد بشكل كبير حيث أظهرت تقارير موثوقة أن معظم عمليات القتل نفذتها الميليشيات التي تدعمها طهران.

 

لقد اعتاد معظم المحتجين الشيعة على الهتاف، “إيران! برا برا!” وأحرق المتظاهرون الأعلام الإيرانية ودمروا ملصقات الزعيم الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي ألقى باللوم على الولايات المتحدة ووكالات الاستخبارات الغربية في الاحتجاجات في العراق – ولبنان – ودعوا لبنان والعراق إلى “معالجة هذه التهديدات الأمنية”. في يوم الأحد، هاجم المتظاهرون القنصلية الإيرانية في كربلاء.

 

يطالب المتظاهرون بحكومة قومية لا تخضع لأي قوة خارجية وبالتحديد إيران لأنها تسيطر على غالبية الأحزاب السياسية والميليشيات في العراق. أرسلت طهران الجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، إلى بغداد للإشراف على رد المليشيات ضد التظاهرات. أكد اللواء سليماني أن رئيس الوزراء عبد المهدي لا يستقيل، رغم أن الأخير أشار إلى أنه مستعد للقيام بذلك.

 

الصور القادمة من مدن مثل الناصرية والبصرة وبغداد تولد مزيجًا من الأمل والخوف. منحت شجاعة المحتجين العراق الأمل في أن التغيير ممكن، وقد أظهرت وحشية رد القوات الحكومية والميليشيات التي تدعمها إيران أن طهران وعملائها سيبذلون قصارى جهدهم لحماية مصالحهم واستثماراتهم. تعتمد إيران اليوم على العراق للتحايل على العقوبات الدولية وبيع الغاز والمنتجات الزراعية وإظهار قوتها في العالم العربي.

 

يواصل الشباب العراقي الاحتجاج ليلة بعد ليلة، متحدين محاولات الحكومة المتكررة لفرض حظر التجوال. الطبقة السياسية، التي لا تزال محصورة في المنطقة الخضراء وانقطعت عن الشارع، لا تعرف ولا تفهم الناشطين الذين يقودون الاحتجاجات.

تجسدت قسوة الحكومة العراقية في بيانها الأخير بأنها لا تعرف هوية القناصة الحكوميين الذين أطلقوا النار وقتلوا العديد من المحتجين في بغداد.

 

مع دخول الاحتجاج الشهر الثاني، لازالت المحافظات والمدن ذات الغالبية السنية غير مشاركة في الاحتجاجات خوفًا من أن يطلق عليها سمة البعثيين أو مؤيدي تنظيم الدولة الإسلامية. وهم قلقون أيضًا من العودة إلى الفوضى التي عانوا منها عندما انهارت الدولة العراقية بين عامي 2014 و 2017. وقد انضم بعض المحتجين من هذه المحافظات إلى الاحتجاجات في بغداد، حاملين لافتات تعبر عن التضامن من مدنهم.

 

على الرغم من أن الحرمان الاقتصادي والانهيار السياسي قد قادا العراقيين إلى الشوارع، إلا أن شعورا بالفخر قد خرج من الاحتجاجات وتمحور حول المطلب النهائي لرؤية العراق كدولة ذات سيادة.

 

في هذه المرحلة، لن تكفي وعود الحكومة بتحسين فرص العمل أو البدء في عملية مطولة لإصلاح قانون الانتخابات. الملايين يطالبون بإصلاح النظام السياسي.

 

إن الحل الدائم للتصدي للفساد والاستيلاء على الدولة سيعني مساءلة المسؤولين الفاسدين، وضمان وجود نظام شفاف في تشكيل الحكومة المقبلة والتأكد من أن العراق – الذي يحتفظ بخامس أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم – يمكنه تقديم الخدمات التعليمية والصحية الأساسية إلى كل مواطنيه.

 

لقد سئم الناس من نظام تقاسم السلطة الحالي، حيث يتشارك العديد من الأحزاب السياسية العديد من المقاعد ولكن لا يتحمل أي منها المسؤولية، ببساطة يلوم منافسه على الفشل الجماعي. تتزايد الدعوات إلى نظام رئاسي، حيث يكون القائد مسؤولاً عن رفاهية وسيادة الدولة.

 

العراقيون يطالبون بشكل أساسي بالكفاءة والمساءلة من قادتهم السياسيين. كل من فشل في مهمته لم يعد بإمكانه الاختباء وراء “النظام”. إنهم ذات “النظام”، وإذا لم يصلحوه، فسيتم تغييرهم وتغييره.

 

 

مينا العريبي رئيسة تحرير صحيفة ذا ناشيونال في أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة.

 

المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

الجواز الأمريكي لا فائدة منه

يمكنني التنقل حيث شئت بجواز سفري الألماني. ولكن عدد الدول التي تسمح للأمريكيين بالدخول تكاد …

حصرياً: من داخل مخيمات تدريب تابعة لحزب الله لنشر الأخبار الزائفة  

  بقلم: ويل كريسب وسداد الصالحي  بتاريخ: ٢/آب / ٢٠٢٠ ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام …