الرئيسية / علم الأعصاب / هل لديك احساس بالاستسلام؟ ضع اللوم على خلايا دماغك

هل لديك احساس بالاستسلام؟ ضع اللوم على خلايا دماغك

بقلم: كلوديا لوبيز-لوريدا
منشور بتاريخ: 21/08/2019
ترجمة: أسامه العبادي
تدقيق: ريام عيسى
تصميم الصورة: نورا محمود 
فهم آلية العمل البيولوجية لـ “الاستسلام” في الأسماك قد يعلمنا القليل عن سلوكيات الدماغ البشري المعقدة.
عندما نتعرض لعائق ما خلال حياتنا، فإننا في كثير من الأحيان نتلقى التشجيع “لئلا نتوقف عن المحاولة”. ولكن في الطبيعة، لا يعتبر فقدان الأمل بالضرورة أمراً في غاية السوء. إدراك أن محاولةً لإتمام أمرٍ ما لا تحقق الهدف المرجو منها وبالتالي التوقف عن هذه المحاولة قد يكون في الحقيقة أمراً مفيداً. الحيوانات “تتوقف عن المحاولة” عندما تواجه عائقاً أو تحدياً صعباً، وذلك إما للحفاظ على مستويات الطاقة ما بين المحاولات لتخطي هكذا عائق، وإما لتحديد استراتيجيات اخرى للنجاح، أو لإعادة التقييم فيما إذا كان بذل جهد في هكذا محاولات مبرراً بالأساس.
لذلك فإن الاستسلام ليس سيئاً دائماً. ولكن كيف يقوم دماغك برصد الفشل واتخاذ القرار بالتوقف عن محاولة أمرٍ ما؟ توصل فريق بحثٍ يرأسه (ميشا أرينس) من (معهد هَوارد هيوز الطبي) للإجابة في دراسة جديدة نشرت في (سيل).
وفي حين أن التحول بين الأنماط السلوكية تلك هو عملية معقدة، إلا أنها شائعة كفاية لأن تمكن أسماك الزيبرا من القيام بها، مما سمح لفريق أرينس بالاستعانة بتلك الأسماك ككائنٍ نموذجيٍ للدراسة. قام الفريق بالتحكم بما تراه الأسماك خلال التجربة عن طريق الواقع الافتراضي. كلا، لم يقم فريق البحث بتركيب نظارات الواقع الافتراضي الصغيرة على الأسماك، وإنما قاموا بإحاطتها بشاشات مكنتهم من التحكم بما تراه تلك الأسماك. ثم قاموا بعرض تسجيل لإيهام الأسماك بأنها تتحرك للوراء على الرغم من محاولتها السباحة للأمام. وبعد محاولات متكررة للتقدم إلى الأمام، وإدراكها بأنها لا تتحرك من مكانها، فإن أسماك الزيبرا تتوقف فجأة عن السباحة، لتدخل في حالة من الـ “خمول”. إنهم يتوقفون عن المحاولة.
ولتحديد خلايا الدماغ التي تلعب دوراً في هذا التحول السلوكي، قام الباحثون بتصوير أدمغة الأسماك لقياس مستوى النشاط في مختلف الخلايا. يتكون الجهاز العصبي المركزي بشكل عام من نوعين من الخلايا: العصبونات، وخلايا غير عصبونية تدعى ‘غليا’. تم تجاهل ال’غليا’ طويلاً، اعتقاداً بأنها ببساطة تمثل نوعاً من الــ ‘غراء’ الذي يوفر تدعيماً للجهاز العصبي المركزي. لكن أظهرت دراسات حديثة بأن هذه الخلايا قادرة في الحقيقة على القيام بأكثر من ذلك، فقد تبين أن هنالك الكثير من التنوع ضمن خلايا الـ ‘غليا’: هنالك خلايا تدعى ‘أستروسايتس’، ‘أوليغوديندروسايتس’، و ‘مايكرو غليا’، وكل واحدة منها لها وظيفة مختلفة ضمن عمل الدماغ.
وبشكل مفاجئ، وجد فريق أرينس أن الأستروسايتس تحديداً قد تم تحفيزها بعد بدء حالة الخمول في أسماك الزيبرا. هذه الخلايا النجمية الشكل تتحكم بمستويات الأيونات والناقلات العصبية، بالإضافة إلى تشكيل الخلايا العصبية والتشابكات العصبية، وغيرها العديد من الوظائف. في اللحظات التي تسبق توقف الأسماك عن السباحة، يضيء الأستروسايتس في منطقة محددة من المخيخ تدعى النخاع المستطيل الجانبي والتي تظهر في صور الدماغ.
تعتبر العصبونات في العادة نجوماً في آلية عمل الدماغ، حيث يعزى الفضل لها في اتمام أغلب الوظائف السلوكية المعقدة والتي تقوم بها الحيوانات. ولكن ملاحظات أرينس تقترح أن الأستروسايتس في الحقيقة هي اللاعب الأساسي في عملية دمج المعلومات والتحكم بسلوك الاستسلام المحدد والمعقد. تدعم دراسات أخرى هذه الفكرة: وجد باحثون أن الأستروسايتس تتحكم أيضاً بعمليات معقدة مثل سلوكيات التجنب والنوم.
لم يكن فريق أرينس على قناعة تامة من نتائج بحثهم في البدء، حيث توقعوا أن تكون العصبونات هي اللاعب الأساسي في قرار الاستسلام. “كنا متحمسين ومشككين في آن واحد. تحدينا أنفسنا لمحاولة اثبات عدم صحة النتائج”. لذا، فقد قام العلماء بتصميم ست تجارب أخرى، ثلاث لتحفيز الأستروسايتس وثلاث لإخمالها، وذلك للنظر عن كثب إلى تأثير التلاعب بالأستروسايتس على تغير تصرفات أسماك الزيبرا.
وجد العلماء أنه وحتى عند القضاء على الأستروسايتس بواسطة الليزر، فإن الأسماك استمرت بمحاولة السباحة! بمعنىً آخر، فإنه وبالرغم من إطفاء أو “قتل” الأستروسايتس فيها، فإن التحول بين الخمول والسباحة لم يحدث أبداً في الأسماك. من ناحية أخرى، تمكن العلماء من تفعيل حالة الخمول بعد تحفيز الأستروسايتس صناعياً في الأسماك. يؤكد الجمع بين نتيجتي مجموعتي التجارب هذه على الأهمية الكبيرة للأستروسايتس في الاستسلام.
وجد فريق أرينس أيضاً أن الأستروسايتس ليست هي الخلايا الوحيدة التي تستجيب خلال سلوك الاستسلام، حيث أظهرت صور من أدمغة أسماك الزيبرا نوعاً من العصبونات تدعى العصبونات النورأدرينيرية وقد تم تفعيلها أيضاً، وبأن ذلك قد حصل قبل أن تتوقف الأسماك عن السباحة. يبدو بأن هذه العصبونات ترصد الفشل وتقوم بإرسال إشارة للأستروسايتس لتفعل أمر الاستسلام في النهاية.
تشكل نوعا الخلايا هذه دائرة بسيطة في الظاهر، حيث الأستروسايتس في الرأس، والتي بإمكانها التحكم بالتحول المعقد بين مختلف الأنماط السلوكية في الأسماك. السؤال التالي هو كيف تقوم الأستروسايتس تحديداً بتفعيل هذا التحول، وفيما إذا كانت تفعل الشيء نفسه عند البشر. ولمّا كان للأستروسايتس هذا الدور المهم في انجاز الحسابات والتحكم بالسلوكيات المعقدة، هل تمتلك خلايا غليانية أخرى مهامَ مماثلة؟ تلك حقاً فكرة مثيرة.
دراسة دور الخلايا الغليانية من شأنه ربما أن يملأ فراغات في فهمنا لما يتحكم بالتصرف عن البشر. تقدم هذه الدراسة في الوقت الحالي رد فعل مفيد في المرة القادمة التي يحثك فيها أحدهم على عدم الاستسلام: من الممكن أن خلايا الغليا تخبرك بضرورة الاستراحة.
المصدر: هنا

عن Fatima Alquraishy

شاهد أيضاً

اكتشاف كيف يقوم الدماغ بتشفير الكلام

نُشر على موقع “ساينس دايلي” بتاريخ: 26/9/2018 ترجمة : نورالهدى عباس التميمي تدقيق : أمير …

علم الأعصاب يكشف صحة اعتقاد فراسة الطفل الوحيد

كتبه لموقع “كوارتز”: جيني أندرسون منشور بتاريخ: 11/ 5/ 2017 ترجمة: فاطمة القريشي مراجعة وتدقيق: …