الرئيسية / لغة / المعركة حول أصل اللغة

المعركة حول أصل اللغة

منشور في(52 إنسايتس) بتاريخ: 9/2/2017
ترجمة: ياسين ادوحموش
مراجعة وتدقيق: نعمان البياتي
تصميم: مينا خالد

كان دانيال إيفرت في السادسة والعشرين من عمره عندما دخل غابة الأمازون الاستوائية كمبشر، صحبة زوجته وأطفاله الصغار الثلاثة، حيث كانت مهمته تكمن في تحويل سكان قبيلة البيراها النائية إلى المسيحية، وهي مهمة سيفشل في إنجازها، خاسراً ديانته وممزقاً عائلته خلال مهمته.
على الرغم من ذلك، أحرز إيفرت خلال السنوات التي قضاها في غابة الأمازون البرازيلية نجاحاً في مجال لم يسبقه إليه أحد من قبل. ففي بادئ الأمر، وفقط عن طريق الإشارة إلى الأشياء الموجودة حوله في الغابة وجعل سكان البيراها يسمونها، تمكن إيفرت أخيراً من إتقان لغة البيراها، وما اكتشفه هو أسلوب تواصل غريب وفريد من نوعه أثار نقاشاً حاداً بين علماء اللغة حول العالم.
إن لغة البيراها ليس فيها زمن الماضي والحاضر، وليس فيها أرقام ولا طريقة للحساب، والألوان فيها ليس لها أسماء، وبشكل لا يدعو للشك، لا وجود لدليل على التكرار، وهي خاصية التي كان يُعتقد بوجودها في جميع لغات العالم، في إشارة إلى كونها عنصراً فطرياً في اللغة؛ وها هو إيفرت الآن عالق في جدال ثقافي مع ناعوم تشومسكي، “الأب الروحي للّسانيات المعاصرة” حول وجود قواعد لغوية عالمية، ويواصل كتابه الجديد “المادة السوداء للعقل” معالجة اكتشافاته الباهرة، مشيراً إلى إن ثقافتنا تضطلع بدور مهم في بناء اللغة و الطريقة التي نستخدم بها اللغة.

لقد كتبت مؤخرًا كتابًا بعنوان: “المادة السوداء للعقل: اللاوعي المعبر عنه ثقافياً”. هل يمكنك أن تحدثنا عنه قليلاً؟
“المادة السوداء للعقل” عبارة عن شرح للطرق التي تؤثر فينا المعرفة وأدوارنا الاجتماعية ومختلف التجارب التي نمر بها بصفتنا أفراداً وأعضاء في المجتمع بطريقة لا ندركها حتى؛ أعني، لمَ أقفُ أنا بطريقة معينة بينما يقف رجل من قبيلة البيراها وأرجله ملتصقتان وأذرعه مكتوفة فوق صدره؟ هناك العديد من الأشياء تقبع في أعماق لاوعينا تحددها ثقافتنا ولا نستطيع التحدث عنها؛ هناك أشياء أخرى تشكلها ثقافتنا ولا نتحدث عنها، لماذا نقول أحمر وأبيض وأزرق بهذا الترتيب عوض أن نقول أبيض وأزرق وأحمر؟ لماذا نركب جملنا قصيرة أو طويلة؟ هذه هي الأشياء التي نلتقطها من المجتمع حولنا ومن مختلف تجاربنا الثقافية، وتتضافر معاً لتجعلنا الأفراد الذين نحن عليهم.
في الكتاب أتطرق بالتفصيل للطبيعة البشرية من خلال الرجوع لأفلاطون وأرسطو، حيث يعد هذا الأخير أول من تحدث عن العقل كصفحة بيضاء، وهو بهذا لا يقصد بأنه لم يكن هناك وجود لأي شيء في العقل، إنما يقصد أنه لم توجد بعد مفاهيم في العقل إلا إذا أتت عن طريق الحواس، أفلاطون من جهته كان رأيه معارضاً، وأعتقدَ بأن الحواس أضافت القليل لما ولدنا معه، وأننا ولدنا مع المفاهيم التي سوف تتحكم بنا؛ أتتبع هذه الأفكار انطلاقاً من أفلاطون إلى أدولف باستيان وصولاً إلى ناعوم تشومسكي، ومن أرسطو إلى جون لوك وديفيد هيوم وبيركلي وصولاً إلى نفسي. أعتقد إن السبب نابع من الثقافة وليس الطبيعة.
فلنعد قليلاً لنتحدث عن الطريقة غير التقليدية التي بدأت بها حياتك المهنية في علم اللسانيات. لقد كنت تعمل مبشراً في الأمازون مع قبيلة البيراها لوقت طويل.
نعم، فحين كنت في سن المراهقة اعتقدت أن الدين كان فكرة سخيفة للغاية، لكن بعدها التقيت بعائلة من المبشرين كانت تعيش حياة مثيرة للاهتمام وغير مألوفة في الأمازون، وبما أن هذا كان في الستينات، فإن هذه كانت هي الحياة التي كنت أسعى وراءها، وعلى الرغم من أنني كنت أود دائماً أن أصبح موسيقياً، اعتنقت المسيحية عندما تعرفت على هذه العائلة وأحببتهم؛ ابنتهم أصبحت صديقتي ومن بعد زوجتي، وبعد بضعة سنين عندما أكملنا تدريبنا الإنجيلي وحصلت على شهادة من معهد (مودي بايبل) في التبشير الأجنبي، شددنا الرحال نحو البرازيل؛ عندما وصلنا هناك بدأت العيش مع الجماعات الأمازونية وواصلت عملي الجامعي في جامعة برازيلية.
لكني أدركت أن الدين لم يرضني في البيئة الثقافية الجديدة التي وجدت نفسي فيها، وإن آخر شيء احتاجه سكان البيراها هو المسيح، وفي الحقيقة، بعد أن عشت معهم لبعض الوقت أدركت أن هذا كان آخر شيء كنت أحتاجه أنا أيضاً على وجه الأرض؛ من خلال تأثيرهم علي وخلال الصداقات التي كونتها مع العديد من المفكرين البرازيليين، تخليت عن الديانة المسيحية وعن الإيمان بأي إله كان، وهذا قادني لبدأ حياة مهنية في العلوم والأنثروبولوجيا واللسانيات، وذلك لم يكن سهلاً على عائلتي؛ بعد أن قضينا حوالي 8 سنوات في الأمازون، انتقلنا إلى مدينة بتسبورغ وفيها أصبحت أستاذاً مساعداً في اللسانيات.

ما الذي اختبرته مع سكان البيراها وجعلك تترك إيمانك؟ ثم لم تعتقد أنهم ليسوا في حاجة للدين؟
حسناً، أولاً كانوا أسعد الناس الذين قد رأيتهم من قبل، إذ كانوا يضحكون ويمرحون طوال النهار وكانوا يطرحون أسئلة ذكية، لم يكونوا يؤمنون بالخرافات بالشكل الذي قد تتوقع أن تفعله قبيلة أمازونية، إذ لم يكونوا يؤمنون بالأرواح؛ لديهم كيانات معينة في الأدغال يتحدثون عنها والتي كنت قد ترجمتها بشكل خاطئ بـ “الأرواح”. هذه الكيانات، بالنسبة لي على الأقل، نسج من الخيال، وما زلت لا أعرف إن كان سكان البيراها يعتبرونها كذلك أم لا، فلا هي واقعية ولا من محض الخيال حسب معاييرنا الغربية.
عندما أقرأ عليهم قصصاً من الإنجيل كنت قد ترجمتها إلى لغتهم، يحسبون أنني كنت أتحدث عن أشياء كنت قد رأيتها، إذا أخبرتهم بأن المسيح قام بمعجزة، ظنوا بأنني كنت شاهداً عليها، وهذا أثار دهشتهم للغاية، لكن، بينما طرحوا علي أسئلتهم وأدركت أنني لم أر أياً من هذه الأشياء ولم أعرف شخصاً كان قد رأى أو شهد هذه الأشياء، فاندهشوا لم كنت أخبرهم عنها؛ عندها فكرت في نفسي: “أجل، لم أخبرهم هذا؟”، أدركت أنني كنت غير أخلاقي وأنا أخبرهم هذه الأشياء على أنها حقيقة؛ هذا الخليط المتمثل في سعادتهم ورضاهم بالحياة وإشارتهم لي للأخطاء الفكرية التي تعتري موقفي، أدى بي للاعتراف بأني لم أعد أؤمن بعد الآن بما كنت أخبرهم.
لقد أبعدني الدين عن المخدرات عندما كنت مراهقاً لذا أنا ممتن لذلك، ولست نادماً كوني مررت بهذه المرحلة. لقد أصبحت مسيحياً عندما كنت في السابعة عشر من عمري سنة 1968 ولم أعترف لنفسي أنني مسيحي حتى عام 1982 ولم أخبر عائلتي بذلك إلى غاية عام 2002؛ تكمن جزء من المشكلة في إنه عندما تكون مسيحياً وتنتابك شكوك، هناك العديد من الآليات الموجودة في كل من الإنجيل والبنية الاجتماعية المسيحية تساعدك على الحفاظ على إيمانك، هناك أيضاً مسألة أخرى وهي أنني تزوجت امرأة كانت قد كرست حياتها للمسيحية وإيمانها كان ثابتاً، وأطفالي كلهم كانوا مؤمنين، وكل مدخولي ومكانتي المهنية مبنية على كوني مبشر وقس، لهذا السبب كان علي ضغط اجتماعي منعني من إعلان أنني لم أعد أؤمن بهذه الأشياء.
بالنظر إلى الوراء الآن، ربما كان على إخبار الجميع أنني لم أعد مسيحياً قبل فترة طويلة، وعندما حصلت على منصب في جامعة ببتسبورغ أدركت بأنني لم أعد بحاجة للتظاهر بعد الآن.

ما هو الشيء الفريد من نوعه والرائع بخصوص سكان البيراها و لغتهم؟
إنهم أناس غير عاديين من نواح عديدة، عندما طُلب مني الذهاب إلى هناك كمبشر، قيل لي إن عدة أشخاص آخرين قد تم إرسالهم في الماضي، وأنهم قد أمضوا ليلة أو ليلتين هناك ثم قالوا: “لن أعود إلى هنا على الإطلاق”. يكمن جزء من السبب في ذلك أن لغة البيراها لا علاقة لها بأي لغة أخرى معروفة، لذلك لا يمكنك الاعتماد على أية لغات مماثلة لمساعدتك على التعرف عليها؛ سكان البيراها لا يستخدمون أدوات عديدة وثقافتهم دقيقة للغاية، وبالنسبة للمراقب الأجنبي لا يبدو على أن لديهم ثقافة، يبدو كذلك أنهم يظلون في النوم والثرثرة طوال النهار. في الواقع يمتلكون ثقافة غنية جداً ومعرفة ذلك تتطلب فهم لغتهم، وهي لغة في غاية الصعوبة واللغة الوحيدة التي يعرفونها.
الملاريا هي الأخرى جعلت الأمر صعباً، إذ أصبت بها عدة مرات، وزوجتي وابنتي الكبرى كانتا على وشك الموت بسبب الملاريا؛ عانينا من الإسهال ومن حمى التيفوئيد وتعرضنا للتهديد من قبل سكان البيراها. هناك العديد من التحديات لكونك عائلة ذي بشرة بيضاء تعيش وسط الأمازون.

“توجد تحديات لعائلة من البيض يعيشون في وسط الأمازون”

كيف تعرضت حيواتكم الخطر؟
حسنا، كنا فقط نحاول التقرب إلى سكان البيراها، وبصفتي مبشراً … لم أبذل مجهوداً جدياً في البداية لأفهم ثقافتهم. هم أيضاً لم يكونوا متأكدين مني، وبدأت التوسط بينهم وبين تجار النهر البرازيليين الذين عليهم إعطائهم المكسرات البرازيلية والسورفا المصنوعة من العلك والمطاط، أما الطريقة التي كان من خلالها يُدفع لسكان البيراها فكانت عبر شراب الرم المصنوع من قصب السكر وعبر خمر الكاشاسا. هذا كان مخالفاً للقانون، إذ قد أخبرتني الوكالة البرازيلية الهندية أنه في حال رأيت شخصاً يعطي الهنود الكاشاسا فيجب علي إخبارهم بأن ذلك غير قانوني، وهذا ما فعلته، كما أخبرت البيراها أنه لا ينبغي عليهم شربه. كانت ردة فعل كلا الطرفين طبيعية؛ من هذا الأمريكي بحق الجحيم لكي يخبرنا كيف نتصرف؟ أعطى رجل برازيلي سكان البيراها الكثير من الكاشاكا وبندقية لقتلي.
استيقظت من نومي تلك الليلة فسمعتهم يتحدثون بصوت عال، كانوا تحت تأثير الكحول وسمعت أحدهم يقول بلغتهم: “سوف أقتله، لست خائفاً من قتله.” أدركت عندها أنهم كانوا يتحدثون عني فشعرت بالدهشة، نهضت من مكاني ولبست سروالاً قصيراً أتمرن به وانتعلت زوجاً من الشبشب، ثم انطلقت في الظلمة عبر الغابة نحوهم، على بعد 100 ياردة تقريباً؛ كان كوخهم مضاءً على نحو سيء بواسطة مصباح الكيروسين الذي كان البرازيليون قد أعطوه لهم، ولم يروني قادماً، بدأت في جمع البنادق والسهام ثم رأوني، عندها قلت: “مرحبا، كيف حال الجميع؟” وبعد ذلك خرجت حاملاً الأسلحة، بقوا مستيقظين الليل كله يصرخون ويهددون، مما أثار رعب ابنتي الكبرى البالغ عمرها 8 سنوات؛ ابنتي الأخرى كانت في سن الخامسة والابن في عامه الثاني.
في الصباح التالي قدموا لي اعتذاراً قائلين إنهم لن يكرروا فعل ذلك أبداً، وطبعاً فعلوا الشيء نفسه مجدداً؛ ذات مرة سألني أحدهم عن شعوري حيال رؤية رجل من البيراها وهو في حالة سكر، فأجبته أن ذلك شبيه برؤية والدي ثملاً؛ إذ يصبحون كالذئاب، فذلك يحدث تغييراً كبيراً في شخصيتهم.
هكذا كانت بداياتي مع البيراها؛ تعلمت الكثير من الدروس وهم كذلك تعلموا مني الكثير، فشكلنا صداقة متينة جداً عوضت كل ما حدث خلال تلك الليالي الأولى؛ عندما كنت مريضاً أدركت أنهم سيفعلون أي شيء لمساعدتي إذا احتجت ذلك، ونفس الأمر بالنسبة لي.

شعب البيراها

 

متى كانت آخر مرة قضيت فيها الوقيت مع البيراها؟ أعلم أنه قد تم منعك في السابق من زيارتهم من قبل المؤسسة البرازيلية الوطنية للهند.
ما زلت ممنوعاً، كما أنني لم أذهب إلى هناك منذ 2009، والسنوات مرت بسرعة؛ يوجد احتمال في أن أعود شهر أبريل، وهذا سيعتمد على الترخيص من الحكومة البرازيلية، لكن لدي أصدقاء برازيليون من علماء ومثقفين يضغطون بشدة بالنيابة عني.
إذن، لقد نشرت هذا البحث سنة 2005 حول لغة البيرها وأثار نقاشاً واسعاً ورد فعل هائل من علماء لغة آخرين. لم كانت الأشياء التي قلتها مثيرة للجدل؟
حسناً، في الحقيقة، لو قرأت ما كتبته، أعتقد أنك ستجده سليماً نوعاً ما؛ لغة البيراها لا تستخدم الأرقام ولا تستخدم التكرار. ربطت عدداً من هذه الظواهر معاً وقلت إنها مرتبطة بالثقافة؛ يقدم كتاب “المادة السوداء للعقل” نظريتي حول الثقافة لأن العديد من الناس أرادوا معرفة ما أقصده بالثقافة، لذا فقد أجبت على ذلك في هذا الكتاب، لكن في الأساس، الفكرة التي يتطرق إليها البحث الأولي كانت إن القدرة على فعل التكرار ليست أساس اللغة البشرية، على عكس ما كان يزعمه كل من ناعوم تشومسكي ومارك هاوسر، لأنني عثرت على لغة لا يوجد فيها تكرار. لغة البيراها كانت بمثابة الإوزة السوداء التي أثبتت أنه ليس كل الإوز أبيض اللون.
ما توقعته من الناس هو أن يبرزوا العيوب الكامنة في أطروحتي، لكن في الواقع كل ما حصلت عليه خلال السنوات الأولى هو التنابز بالألقاب، وبالتالي فنحن بصدد جدل حاد قائم منذ أكثر من 10 سنوات.

هل تعتقد أن حجم الانتقادات التي تعرضت لها، لها علاقة مع خلفيتك كمبشر، وهو ربما الأمر الذي جعل الناس لا ينظرون إليك كأكاديمي موثوق به؟
هذا بالتأكيد جزء من الأمر؛ المضحك في الأمر أنني كنت عالم لسانيات معروفاً قبل صدور هذا البحث بوقت طويل؛ أول ثلاثة طلبة لي في سلك دكتوراه من جامعة بتسبورغ أصبحوا الآن أساتذة، ولي طلبة آخرون يشغلون مناصب مرموقة، أما أنا فليست لدي تلك العراقة الأكاديمية، ذات مرة كنت ألقي محاضرة أمام مجوعة من الفلاسفة وقال أحدهم: “حسنا، لديه شهادة من معهد مودي بايبل ومن جامعة من العالم الثالث، لذا سيكون هذا مسلياً”. في محاضرة أخرى قال أحدهم في مقدمته: “إن امتلاك دانيال للخلفية العلمية التي لديه وكون أعماله ماتزال تنشر في هذه المجلات لهو خرق لكل تعميم نفكر فيه في الحقل الأكاديمي”. بالتالي، نعم، لطالما خلفيتي لعبت دوراً، مع ذلك، لقد نشرت 13 كتاباً خلال العشرين سنة الماضية، ونشرت العديد من المقالات ودخلت في نقاشات حول هذا مع أشخاص من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا وفي أوروبا؛ أعتقد إن الناس يدركون أنه حتى لو اعتقدوا إني مخطئ، فليس من السهل عليهم إثبات ذلك.

 

إلى أي درجة يعد الخلاف بينك وبين تشومسكي شخصياً؟ يبدو إن الناس يحبون أن يضعوك أنت وتشومسكي كخصوم، لكن كيف هي علاقتك معه؟
إنها بالتأكيد علاقة شخصية مع متابعيه؛ لقد أطلقوا علي أسماء من جميع الأنواع مثل، استغلالي وكاذب وغير أخلاقي. تشومسكي نعتني بالنكرة وقال إنه لا يستطيع أخذي على محمل الجد، لكن قبل هذا كتب لي تشومسكي رسائل توصية لأحصل على عملي في بيتسبورغ ولترقيتي لمنصب أستاذ كامل الرتبة؛ لقد كان مشجعاً جداً، إلى أن حدث العكس.
لذا، هل الأمر شخصي؟ نعم، أعتقد ذلك. راسلت تشومسكي ذات مرة بعد وفاة زوجته لأخبره أنني متأسف لسماع خبر وفاة زوجته كارول، وأجاب قائلاً: “شكراً لك، يعني لي هذا الكثير”، بعدها قرأت عنواناً في جريدة برازيلية نعتني فيه بالدجال، سألته إن كان قد فعل ذلك، وقال ببساطة: ” نعم”، فأجبته قائلاً: “يجب أن تخجل من نفسك، فقال: “لا، أنت من يجب أن يخجل من نفسه” لذا أقول إن علاقتنا قد تدهورت.

هذا النقاش يتمحور حول مسألة التكرار، هل يمكنك أن تعرف بإيجاز ما هو التكرار؟
عقدت أول مؤتمر دولي من نوعه حول التكرار بجامعة ولاية إيلينوي عام 2007 تواجد فيه عدد من المتحدثين المدعوين؛ الشيء الذي أثار دهشتي هو أن الجميع تقريباً كان لديه تعريف مختلف للتكرار، هناك خلاف كبير حول ما إذا كان التكرار يعني الشيء نفسه في علوم الكمبيوتر والرياضيات، ولكن في اللسانيات، التكرار هو المقدرة على إدخال شيء داخل شيء آخر من نفس النوع؛ فلو كانت لدي جملة مثل، “قال جون”، يمكنني وضع جملة أخرى داخلها، ومن ثم، “جون قال بأن بيل قال بأن ماري قالت بأن بيتر قال بأن جون رجل طيب”، هذا مثال عن التكرار؛ لو أمكن لدمية روسية الاستمرار للأبد، فسيعد ذلك مثالاً جيداً على التكرار، لا يتعلق الأمر بالمقدرة على إدخال شيء داخل شيء آخر فحسب، بل القدرة على فعلها للأبد، إذن لنقل أنك وجدت جملة في البيراها كهذه، “قال جون بأن بيل رجل طيب”، هذا لا يعد تكراراً؛ ما أقوله هو أن البيراها لغة لا وجود فيها للتكرار، فحتى تلك الجمل البسيطة الشبيهة بالتكرار لا وجود لها.

إذن كيف بإمكان شخض من البيراها أن يصف الشيء نفسه؟
سوف يقولون: “جون تحدث. بيل طيب”. ستكون لديهم لاحقة صغيرة تشير بأن هذه معلومة قديمة. لكن يمكنهم كذلك تأويلها كحدثين منفصلين، وبوسعك فعل الشيء نفسه في اللغة الإنجليزية، فيمكن القول: “تشرب. تقود. تذهب إلى السجن”، هذه ثلاثة جمل ليس فيها تكرار، لكننا نؤولها كالاتي: “إذا شربت ثم قدت فسوف تذهب إلى السجن”. أحاول إخبار الناس بأنه يمكن الاستغناء عن التكرار حتى في اللغة الإنجليزية، صحيح أنها أداة مفيدة لمعالجة المعلومات إلا إنها غير ضرورية، حتى في اللغة الإنجليزية، لهذا ليس مفاجئاً وجود لغات مثل البيراها (ولا أعتقد انها اللغة الوحيدة) اختارت ببساطة عدم استخدام التكرار في تركيب الجملة.
بإمكانك التفكير بطريقة تكرارية. فلو أخبرتك قصة مثل: “دخل جون المنزل. جلس جون. تحدثت ماري مع جون. جون قال وداعاً”. لا يوجد تكرار في أي من هذه الجمل، لكن هذه الأشياء كلها مجتمعة تشكل قصة متكررة، هكذا، يمكننا أن نفكر بشكل تكراري حتى وإن اخترنا عدم استخدامه في جملنا؛ يعتقد تشومسكي إنه إن لم يكن التكرار في الجملة فهذه هي المشكلة الحقيقية، إذ ليس كافياً أن يتواجد في الفكرة. شرحت في عدد من المقالات إن السؤال حول التفكير بشكل تكراري هو ما إذا كنا تستعمله في اللغة؛ لأنه بإمكاننا بالفعل التفكير بذلك الشكل، أو أن بإمكاننا التفكير هكذا لأنه جزء من اللغة. تشومسكي لا يدعي بأنه جزء عام من الإدراك المعرفي الإنساني، بل يدعي أنه جزء من اللغة وأعتقد أنه هنا كان مخطئاً تماماً.

 

هناك بعض من سكان البيراها الذين يتعلمون الآن اللغة البرتغالية، إذا أمكن للبيراها استعمال التكرار في اللغة البرتغالية، هل يغير هذا استنتاجاتك بأي شكل من الأشكال؟
في الواقع هذا ليس صحيحاً، لقد ادعى تشومسكي وآخرون إنه يوجد العديد من سكان البيراها ممن يتحدثون البرتغالية، وهذا خطأ، يوجد شخص واحد فقط يستطيع التحدث بالبرتغالية بطلاقة ولكنه لم ينشأ في القرية، فوالده كان من البيراها، أما أمه فتنحدر من جماعة مختلفة، كما إنه لا يتحدث لغة البيرها جيداً حتى، ولغته الأم هي البرتغالية؛ من بين جميع سكان البيراها الذين يتحدثون لغة البيراها كلغة أم، أي كلهم باستثنائه، لا أحد يتحدث البرتغالية، وبحسب جانيت ساكل، وهي باحثة من إنجلترا كانت قد ذهبت للبيراها لدراسة لغتهم البرتغالية، فإن أولئك الأشخاص الذين يعرفون القليل من البرتغالية يتحدثونها دون استخدم التكرار، وهذا مذهل.
لكن لنقل إن أحداً ما من البيراها تعلم التكرار من اللغة البرتغالية، هذا حقاً لا يعني أي شيء، فلو كانت هناك لغة واحدة ليس فيها تكرار، وكان بإمكان الناس تعلم لغة أخرى فيها تكرار، فحتماً سوف يفكرون بطريقة تكرارية، لكن لاتزال أمامنا لغة ليس بها تكرار، و تعريف تشومسكي للغة يتضمن في طياته خاصية التكرار؛ تشومسكي هنا يتحدث عن شيء يُطلق عليه “عملية الدمج الأساسي” التي تُبني عليها جميع اللغات؛ بالتالي، وجود لغة ليس فيها التكرار، حتى لو استطاع الناس التفكير به بلغة أخرى أو لا، تغدو تلك اللغة مثالاً منافياً لما قاله تشومسكي، وهذه النقطة غالباً ما يتغاضى عنها المدافعون عنه، عن قصد حسب ما أعتقد، رغم كونها نقطة في غاية الأهمية.

من الواضح إنك خلقت جدلاً كبيراً حول لغة البيراها وسكانهم، هل تشعر بالتضارب إزاء لفتك الأنظار إليهم؟ أو القلق بشأن تعرض أسلوب حياتهم للتشويه من طرف الغرباء الذين يريدون دراستهم؟
حسناً، يوجد شخص واحد فقط يدرسهم حالياً، وهي امرأة شابة تذهب إلى هناك بمفردها، هناك ثمانية قرى من البيراها في موسم الأمطار منتشرة عبر 300 ميل خطي على مدار النهر. لذا قد تحصل قرية واحدة على ثلاثة زيارات خلال سنة واحدة، لكن قرية أخرى قد لا ترى أي أحد أبداً، أما الشخص الوحيد الذي يزور جميع القرى هو أنا عندما أذهب إلى هناك؛ في الواقع هناك أيضاً منظمة الصحة البرازيلية التي تزور بانتظام جميع قرى البيراها، وتقدم لهم اللقاح وتتفقد صحتهم، إنهم يبلون بلاء حسناً، فهذا يعد من بين الأسباب التي جعلت تعداد سكان البيراها ينتقل من 110 نسمة في الستينات ليبلغ 700، ربما حتى 1000.

إذن، أين وصلت الآن فيما يتعلق بإثبات نظرياتك حول اللغة؟ هل بدأ الناس يتبنون آراءك؟
واحدة من السلبيات التي أعاني منها أنني أدرس بجامعة خاصة صغيرة، في موقع جيد جداً بالنسبة لي، لكن أفتقر لنوعية طلبة سلك الدكتوراه الذين كنت أشرف عليهم ذات يوم، لابد وأن يكون لديك طلبة لكي تكون ذا تأثير وأنا ليس لدي، لكن سأقول إنه يوجد في الواقع عدد من الناس يأخذون هذا الأمر على محل الجد وربما لأسباب مستقلة لا يجدون ما يقوم به تشومسكي جديراً بالاهتمام، وهذا يشمل بعضاً من زملاؤه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
لقد أصبح تشومسكي مشهوراً بفضل أفكاره حول البنية العميقة والبنية السطحية، لكن هذا عفا عنه الزمن منذ 30 سنة. من بين الأفكار التي طرحها على مدى السنوات، يوجد عدد ضئيل فقط تم المحافظة عليها، فإن كنت من بين الذين يدافعون عن تشومسكي، فإنك قد تقول إن هذه الأفكار تحولت إلى أفكار أكثر تطوراً، لكن بعضنا من الخارج لا ينظر للأمر على هذا النحو، إذ ننظر للأمر على إنه عودة لنقطة البداية بكل بساطة، أما آخر فكرة رئيسة جاءت من قبله، فمفادها أن التكرار أساس اللغة؛ لقد ألقى بكل بيضه في سلة واحدة، لذا لو تبث عدم صحة ذلك، لن يتبقى أي شيء آخر. أعتقد إنه لهذا السبب يتجاوب بقوة مع اكتشافي.

في النهاية، هل يمكنك أن تحدثنا عن كتابك القادم “كيف بدأت اللغة”، والذي سيتم إصداره هذا الصيف؟
أنا متحمس جداً لهذا الكتاب، يتطرق الكتاب لتطور اللغة ولتطور الإنسان، حيث يعتقد العديد من الناس أن اللغة ظهرت حديثاً نوعاً ما، قبل نحو 50 ألف سنة، أو ربما قبل 100 ألف سنة، وإنه لا وجود لأي لغة مهمة قبل ظهور الإنسان العاقل.
ولكن لدينا أمثلة من مستوطنات تعود للإنسان المنتصب في جزيرة سقطرى قبالة ساحل اليمن، ونحن هنا نتحدث عن مليوني سنة مضت، وهناك مستوطنات أخرى مثل جزيرة فلورييس في إندونيسيا التي تحيطها أقوى التيارات في العالم؛ ولكي يتمكن الإنسان المنتصب من الوصول هناك، كان لزاماً عليه الإبحار، لهذا السبب وأيضاً بعد البحث في تطور الدماغ والجهاز الصوتي، يقودني الاستنتاج إلى إن اللغة بدأت قبل مليوني سنة. أعتقد أن اللغة التي نتحدها اليوم نتاج مليوني سنة من التطور وليست نتيجة لتحول جيني مكننا فجأة من فعل التكرار.

المقال باللغة الانجليزية: هنا

عن Alaa Abdel Ameer

شاهد أيضاً

اللغة العربية القياسية في حالة انحدار.. وهذا ما يثير القلق حيال ذلك

كتبه لصحيفة (اتلانتيك كاونسل): حسام أبو زهر منشور بتاريخ: 21/5/2018 ترجمة: أحمد الحسيني مراجعة وتدقيق: …

النظريات الغريبة لأشهر عالم لغويات في العالم (نعوم تشومسكي)

منشور في موقع (ذي ايكونومست) بتاريخ: 23/3/2016 ترجمة: أحمد طريف المدرس مراجعة وتدقيق: آلاء عبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *