الرئيسية / سياسة / ما هي الاشتراكية؟ وما هي الشيوعية؟ وما الفرق بينهما؟

ما هي الاشتراكية؟ وما هي الشيوعية؟ وما الفرق بينهما؟

إعداد: عمر أكرم المهدي
تصميم: احمد الوائلي

لطالما كانت الشيوعية والاشتراكية موضوعين مثيرين للنقاش الساخن. يبدو أن كل من له إطلاع بهذا الشأن لديه رأي خاص حولهما. بالتاكيد؛ كلنا على علمٍ بهذين المصطلحين، لكن هل نعرف حقًّا ما الذي ينطويان عليه؟ علاوة على ذلك، هل نعرف حقًّا الاختلافات بين الاثنين؟
لا داعي للقلق! فلم يفت الأوان بعد للتعلّم! هذا المقال المطوّل – المترجم من مصادر متعددة – يتناول هاتين النظريّتين بالتفصيل، ويضع بين أيديكم مقدمة مختصرة عن كلا المصطلحين (الاشتراكية والشيوعية) مع تفسير علمي بسيط للّغط الحاصل في فهم هذين المصطلحين، ومن ثم بيان الجذور التاريخية لهما، والفروقات السياسية والاقتصادية بينهما وفروقات أخرى ثانوية، مع أمثلة عن أبرز الروّاد الذين نظّروا لهاتين النظريّتين.

 

ملاحظة يجب تذكرها:
ترتبط التعقيدات المتعلقة بكل من هاتين الإيديولوجيتين بالعديد من النظريات الماركسية. ومع ذلك، سنمتنع عن الخوض في التفاصيل النظرية للماركسية، والتي تعتبر موضوعًا في حد ذاتها. ومع ذلك، هنالك أمران يستحقان الذكر: أولًا ، أن الاشتراكية كانت موجودة قبل ماركس بوقت طويل. ثانيًا، على الرغم من أن الشيوعية هي التطبيق العملي للماركسية، إلا أنها ليست هي نفسها. الشيوعية بمفهومها السائد اليوم تطورت إلى حد كبير من قبل لينين، وليس ماركس.

في البداية؛ تعاريف موجزة لبعض المصطلحات التي سيتكرر ذكرها في هذا المقال:
الاشتراكية (بالانجليزية: Socialism): هي نظام اقتصادي يمتاز بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والإدارة التعاونية للاقتصاد؛ أو هي فلسفة سياسية تدافع عن هذا النظام الاقتصادي. الملكية الاجتماعية تعود لأي شخص ما أو مجموعة مما يلي: شركات تعاونية أو ملكية شائعة أو ملكية عامة مباشرة أو دولة المؤسسات المستقلة. الاقتصاديات الاشتراكية تعتمد على الإنتاج من أجل الاستخدام والتخصيص المباشر لمدخلات الاقتصاد لإشباع المتطلبات الاقتصادية والحاجات البشرية (قيمة الاستخدام)؛ المحاسبة تعتمد على كميات طبيعية من الموارد، أو قياس مباشر لوقت العمل.
الاشتراكية الديمقراطية (بالأنجليزية: Democratic socialism): هو وصف تستخدمه الحركات الاشتراكية والمنظمات المختلفة، للتأكيد على الطابع الديمقراطي لميولها السياسية. تؤيد الاشتراكية الديمقراطية إقامة ديمقراطية اقتصادية لامركزية وتعارض الحركات السياسية التي تلجأ إلى الاستبدادية والتسلطية، مثل الستالينية؛ كوسيلة لتحقيق الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.
الشيوعية (بالانجليزية: Communism): هي مصطلح يشير إلى مجموعة أفكار في التنظيم السياسي والمجتمعي مبنية على الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج في الإقتصاد؛ تؤدي بحسب منظريها إلى إنهاء الطبقية الإجتماعية وإلى تغيّر مجتمعي يؤدي إلى إنتفاء الحاجة إلى المال ومنظومة الدولة. وفي العلوم السياسية والاجتماعية هي أيديولوجيا اجتماعية اقتصادية سياسية؛ وحركة هدفها الأساسي تأسيس مجتمع شيوعي بنظام اجتماعي اقتصادي مبني على الملكية المشتركة لوسائل الانتاج في ظل غياب الطبقات المجتمعية والمال ومنظومة الدولة.
الشيوعية الأولية (بالانجليزية: Primitive communism): هي مصطلح يُنسب إلى كارل ماركس إلا أنه تم شرحه بشكل كامل من قبل فريدريك أنجلز ويشير إلى الحق التجميعي للموارد الأولية، والمساواة في العلاقات الاجتماعية، وغياب الحكم الفاشي والتسلسل الهرمي والذي يفترض أنه قد تم تحقيقها في التاريخ البشري من قبل.
البرجوازية (بالانجليزية: Bourgeoisie): هي طبقة اجتماعية ظهرت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، تمتلك رؤوس الأموال والحرف، كما تمتلك كذلك القدرة على الإنتاج والسيطرة على المجتمع ومؤسسات الدولة للمحافظة على امتيازاتها ومكانتها بحسب نظرية كارل ماركس.
البروليتاريا (بالانجليزية: Proletariat): هو مصطلح ظهر في القرن التاسع عشر ضمن كتاب (بيان الحزب الشيوعي) لكارل ماركس وفريدريك أنجلز يشير فيه إلى الطبقة التي ستتولد بعد تحول اقتصاد العالم من اقتصاد تنافسي إلى اقتصاد احتكاري، ويقصد كارل ماركس بالبروليتاريا الطبقة التي لا تملك أي وسائل إنتاج وتعيش من بيع مجهودها العضلي أو الفكري.

 

مقدمة مختصرة عن كلا المصطلحين (الاشتراكية والشيوعية)

الاشتراكية
بدأت الاشتراكية مع ظهور الثورة الصناعية في أوروبا. خلال تلك الأوقات، بدأ المزيد والمزيد من الناس يعملون في المصانع بدلًا من الزراعة. أولئك الذين أصبحوا أثرياء نتيجة لهذا النظام كانوا مجرد حفنة من الملّاك الصناعيين. وكان البقية يعيشون في فقر مدقع. ثم قرر العمال بأن هذا يكفي! تسائلوا لماذا يجب عليهم أن يكدحوا ليلًا ونهارًا لمصلحة شخص آخر؟ كان يجب تغيير هذا النظام! وهكذا وُلدت الاشتراكية الحديثة.
تقترح الاشتراكية تغييرًا كاملًا في نظام الإنتاج، حيث يتم تقسيم الثروة ما بين الجميع. ولكنك قد تسأل: كيف يمكن تحقيق ذلك؟ الجواب: فرض الضرائب هو المفتاح! في ظل الاشتراكية، تكون الحكومة مسؤولة عن التأكد من فرض الضرائب على الأغنياء بكثافة. بالتالي؛ تساعد هذه الضرائب في تحصيل الفوائد للفقراء. في الأساس، إن الحكومة الاشتراكية تشبه نظام روبن هود مؤسساتي.
ومع ذلك، نحن اليوم نمضي في الاتجاه المعاكس اقتصاديًا. مع ظهور العولمة والشركات متعددة الجنسيات في كل مكان، لا يبدو أن حكومات العالم لديها أي سلطة لتنظيم ذلك. الاشتراكيون لا يعجبهم هذا الشيء بالذات! فبسبب الإطار الاقتصادي السائد حتى يومنا هذا، من بين جميع النظريات المختلفة للاشتراكية، تطورت الاشتراكية الديمقراطية كخيار قابل للتطبيق أكثر من غيره.
لا تدعو الاشتراكية الديمقراطية إلى أي تغيير في الهيكل السياسي الديمقراطي القائم. ومع ذلك، فإنها تقترح تنقيحات رئيسية لفكرة الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. وهي تحتفي بفكرة دولة الرفاهية، حيث يتلقى الناس تلقائيًا مدفوعات الضمان الاجتماعي من الحكومة المحلية، بما في ذلك الرعاية الصحية المجانية والتعليم المجاني والمعاشات التقاعدية، وإلخ، كما هو عليه الحال في بلدان مثل السويد والنرويج وكندا.

الشيوعية
يمكن فهم الشيوعية باعتبارها شكلًا أكثر تطرّفًا من الاشتراكية. لا تؤمن الشيوعية بسلطة الحكومة. لقد فهم كارل ماركس، وهو العقل الرئيسي المنظِّر للشيوعية، العالم في طبقتين فقط، وهما: الأغنياء أو «البرجوازية» الذين كانوا يمتلكون عوامل الإنتاج، والفقراء أو «البروليتاريا»، الذين كانوا لا يمتلكون أي وسائل إنتاج ويعيشون من بيع مجهودهم العضلي أو الفكري. كان يُنظر إلى الحكومة على أنها جزء من البرجوازية. وهكذا، وفقًا لماركس، فإنهم لن يكلفوا أنفسهم عناء تحرير الفقراء.
لذلك، كيف يمكنك إحداث تغيير في نظام ما بحيث ينحرف عن احتياجات الأغنياء؟ الجواب هو: (الثورة)، بالطبع! ثورة من شأنها الإطاحة ليس فقط بالأغنياء، ولكن أيضًا بالحكومة القائمة. وبعد ذلك ستقوم حفنة من البروليتاريين بالاستيلاء على الإدارة. ومع ذلك، ما الذي سيمنعهم من أن يصبحوا «البرجوازية» الجديدة؟ ما الذي سيمنعهم من جمع كل الثروة لأنفسهم؟ الجواب بسيط! بإزالة الثروة من النظام بشكل تام! مما يعني عدم وجود أي ثروة، وهذا ما يعني أنه لن تكون هناك طبقة عليا أو سفلى.
في الدولة الشيوعية البحتة، كما نظَّر إلى ذلك فلاديمير لينين، تمتلك حكومة الحزب الواحد الجديدة جميع عوامل الإنتاج. وتقوم بتشتيت كل الثروة التي يتم جمعها على شعبها بالتساوي. لذلك، فإن سكان الدولة الشيوعية لا يشترون أي شيء في حقيقة الأمر. بدلًا من ذلك، يتم منحهم كل شيء من قبل الحكومة نفسها. مع وجود الكثير من التفاصيل الصارمة، فلا عجب أن الشيوعية الخالصة فشلت على الفور تقريبًا عندما بدأت في الاتحاد السوفيتي. في الواقع، وعلى مر السنين، انحنى اقتصاد اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية أكثر نحو شكلٍ مركزي من الاشتراكية، بدلًا من الشيوعية. وبطبيعة الحال، انهار ذلك النمط أيضًا. لتتشكل روسيا الرأسمالية التي نعرفها اليوم.
في واقع الأمر، لم تعمل الشيوعية بشكل جيد أبدًا لفترة طويلة من الزمن. يمكن القول بأن التطبيق الناجح الوحيد للشيوعية كان في كوبا، لكن حتى ذلك البلد الجزري الصغير يتحرك ببطء نحو تبنّي الرأسمالية.

 

تفسير علمي بسيط للّغط الحاصل في فهم هذين المصطلحين

غالبًا ما يتم الخلط بين هذين المصطلحين «اشتراكي» و «شيوعي»، ويعود تعليل ذلك في جزء كبير منه إلى فترة الحرب الباردة. وعلاوة على ذلك، نحن نجد أن مصطلح «اشتراكي ديمقراطي» هو الصفة التي يطلقها معظم الاشتراكيين على أنفسهم في هذا الوقت، ومن السهل معرفة سبب الخلط الحاصل بين الناس بشكل عام. النقطة الأكثر أهمية هي أن كل هذه المصطلحات هي عبارة عن «مفاهيم شاملة». وبعبارة أخرى، فهي تنطوي على عائلة من الأفكار ذات الصلة، وليست كلها متوافقة مع بعضها البعض. إننا نميل إلى استخدام المصطلحات بشكل ملموس، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى عدم الدقة. أو أننا نستخدمها من دون معرفة معانيها لأن أنظمة الاعتقاد لدينا تميل إلى تثبيط محاولات استكشاف عدم التطابق فيما بين النظرية والتطبيق والتناقضات المتعلقة بأي نظرية كبرى.

الجذور التاريخية

• الاشتراكية: يُنسب مصطلح اشتراكية لبيير ليرو ولماري ريباود وفي بريطانيا لروبرت أوين لعام 1827، والد الحركة التعاونية. النماذج والأفكار الاشتراكية التي تؤيد الشيوع أو الملكية العامة موجودة منذ عصور قديمة. أَقرَّ مزدك الشيوعي الفارسي المناصر للاشتراكية بشيوع الملكية ودافع عن الصالح العام. وقد صُرّحَ – على الرغم من الجدل القائم في هذا الموضوع – بوجود عناصر فكرية اشتراكية في سياسة الفلاسفة الإغريق القدامى أفلاطون وأرسطو.
المدافع الأول عن الاشتراكية وفضل التساوي الاجتماعي لخلق مجتمع جدير وتكنوقراطي معتمد على مهارة الفرد كان كونت هنري سان سيمون وكان أول من صاغ مصطلح (اشتراكي). ولع سان سيمون بوضع وقدرة العلوم والتكنولوجيا وحبّذ مجتمعًا اشتراكيًا يمكن فيه إزالة الأشكال غير متناسقة الرأسمالية وتعتمد على فرص متساوية. وأشار إلى تكوين مجتمع يُصنّف فيه الفرد ويُكافأ حسب قدرته ومساهمته. كان التركيز في اشتراكية سيمون على الكفاءة الإدارية والصناعية وأن مفتاح النجاح هو الإيمان بالعلم.
– أما أصل التسمية؛ فإن مصطلح (اشتراكية) صاغه هنري دي سان سيمون، مؤسس الاشتراكية الطوباوية. خُلق مصطلح اشتراكية ليناقض المذهب الليبرالي للفردية. أدان الاشتراكيون الأصليون الفردية التحررية، لأنها فشلت في الاهتمام بمشاكل الفقر في المجتمع والقهر الاجتماعي وتضخم اللامساواة في الثروة.

• الشيوعية: هنالك جدل كبير حول أصول الشيوعية حيث أن الكثير من الجماعات التاريخية والعديد من الباحثين وُصفت معتقداتهم في وقت لاحق بأنها شيوعية. الفيلسوف الألماني كارل ماركس على سبيل المثال يرى بأن الشيوعية الأولية هي الأصلية، فحسب رأيه أنه فقط عندما استطاع الانسان إنتاج الفائض الاقتصادي تطورت الملكيات الخاصة، حيث ظهرت فكرة الطبقات الاجتماعية والتساوي الاجتماعي لأول مرة في اليونان القديمة.
– أما أصل التسمية؛ فإن الشيوعية في اللغة تأتي من كلمة مشاعية، مصدر صناعي من شُيُوع، وهي مذهب يقوم على إشاعة الملكية، وأن يعمل الفرد على قدر طاقته، وأن يأخذ على قدر حاجته.

الفروقات السياسية

• ترفض الاشتراكية بناء المجتمع على أساس طبقي. ولكن يؤمن الاشتراكيون بأنه من الممكن أن يحصل تحوّل من الرأسمالية إلى الاشتراكية بدون تغير أساسي فى سمة الدولة. يؤولون هذه الرؤية لأنهم لا يعتقدون أن الدولة الرأسمالية كمؤسسة أساسية لقيادة الطبقة الرأسمالية، ولكن إلى حد كبير جزء جيد للآلية التى يمكنها أن تستخدم فى مصلحة أي طبقة تتطلب ذلك. ومن ثم، لا وجود للطبقة العاملة في القوة لانهيار جهاز الدولة الرأسمالية القديمة وإخفاقها – وبالتالي؛ نظريًّا يمكن بناء الشيوعية خطوة بخطوة من خلال إطار من أشكال الديمقراطية للدولة الاشتراكية. في المجتمع الاشتراكي، تُملك وسائل الإنتاج وتوزيع البضائع بصورة جماعية أو بواسطة حكومة مركزية؛ تخطط في الغالب وتتحكم في الاقتصاد.
– أبرز الحركات السياسية للاشتراكية هي: الاشتراكية الديمقراطية الشيوعية والاشتراكية التحريرية الفوضوية والنقابية واللاسلطوية و اللينينية.

• على الجانب الأخر، تؤمن الشيوعية أنه كلما كانت الطبقة العاملة ونظيراتها فى الواجهة فيجب عليهم أن يفعلوا شيئًا؛ لذا هم يُحدثون تغييرًا أساسيًا فى شخصية الدولة؛ يجب أن يستبدلوا السيادة الرأسمالية على الطبقة العاملة بسيادة العمال على الطبقة الرأسمالية كخطوة أولى في طريقهم. وبذلك تنتهي الرأسمالية كطبقة (وليست كأفراد) ويسود المجتمع اللاطبقي فى النهاية. في المجتمع الشيوعي، لا وجود للحكومة المركزية – حيث توجد ملكية جماعية للمؤسسة بشكل مشترك لجميع الأفراد.
– أبرز الحركات السياسية للشيوعية هي: الماركسية – اللينينية والستالينية والتروتسكية والماوية والتيتوية والمجالسية والزوتشيه؛ بالإضافة إلى الشيوعية التحررية.

الفروقات الاقتصادية

كل من الشيوعية والاشتراكية عبارة بناء اقتصادي وفلسفي وسياسي، يدعو إلى المساواة وإزالة الطبقات الاجتماعية. لكن هذين المذهبين يختلفان بشكل كبير على الرغم من تشابههما في الكثير من الأمور، فمع أن كلًّا من الفلسفتين تدعوان إلى المساواة الاقتصادية والملكية العامة لوسائل الإنتاج والسلع والخدمات المختلفة، فالاختلاف يبدو واضحًا في إدارة وسائل الإنتاج هذه، فبينما تتضمن الشيوعية ملكية الشعب وإدارته لهذه المنشآت، فإن الاشتراكية تبقي على ملكية الشعب؛ لكنها تنقل الإدارة إلى يد الحكومة التي تتحكم بكل الأمور المتعلّقة بها تقريبًا.
فبدلًا من الحصول على السلع والمنتجات والخدمات بشكل مباشر كمقابل للعمل أو كجزء من الضمان الاجتماعي، فإن العمال في الاشتراكية يتقاضون أجورهم على شكل أموال لهم الحرية في صرفها أو التصرّف بها كيفما يشاؤون؛ كأن يقومون بادّخارها مثلًا، لكن غياب الملكيات الخاصة يعني أنهم غير قادرين على استثمار أموالهم، فحتى مع اختلاف تصرف الشعب بالمال المتقاضى لقاء العمل، فإن العمال سيجدون أنفسهم مقيّدين ضمن مكان واحد لا يمكنهم الارتفاع عنه أو التميّز عن الآخرين.
نظريًّا، الشيوعية والاشتراكية تبدوان جذّابتين، فالجميع يشارك ويعمل معًا لتوفير الفائدة الأكبر، والكل يتشارك وفق خطة إنتاجية واحدة لضمان تلبية جميع احتياجات أفراد المجتمع. لكن التطبيق على أرض الواقع يُظهر مشاكل أخرى، ففي التجارب العديدة التي ظهرت فيها الشيوعية لم تنته الأمور بشكل جيد، فبينما أنظمة الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وألمانيا الشرقية انهارت تمامًا وعادت للاقتصادات الأقرب للرأسمالية، فدول أخرى مثل الصين أُجبرت على تعديل أنظمتها الاقتصادية بشكل كبير بات يجعلها بعيدة للغاية عن الشيوعية التي بقي وجودها الوحيد في نظام الحكم الذي يترأسّه الحزب الشيوعي الصيني.
كل من الشيوعية والاشتراكية يقعان في الجهة المعاكسة للرأسمالية عمومًا، مع كونهما يركزان على عدم وجود ملكية خاصة؛ بالإضافة إلى وجود مساواة طبقية كاملة. بالمقابل، في الرأسمالية تأتي المكافأة للعامل بشكل طبيعي بدون قيود على تجاوزهم الحد الأدنى الطبيعي لكمية أو ساعات عملهم. ومع وجود عدد أكبر للمصنعين وخيارات متعددة للمنتجات؛ فإن البيئة الرأسمالية تسهّل المنافسة، وبالتالي ليس هنالك أي حدود للتقدم، وعلى الرغم من الجدل الناشئ حول الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات والاحتكاريات، فإن الأمر لا يختلف كثيرًا عن الأنظمة الشيوعية والاشتراكية التي تفرض احتكارًا شاملًا للإنتاج لكنه بيد الدولة نفسها.
تاريخيًا، لم تنجح الثورات الشيوعية بتقديم أفكارها عن العدالة والمساواة والمجتمع اليوتوبي كمفاهيم قابلة للتطبيق. والسبب في ذلك هو كون التوقعات النظرية الشيوعية تنص على أنه بعد قيام الثورة البروليتارية، يجب على القادة المتميزين من الحزب أن يحكموا الدولة بشكل مؤقت، مما يؤدّي في نهاية المطاف إلى مجتمع شيوعي حقيقي مع زوال هذه الفئة الحاكمة. وهكذا، كان المقصود من الحكومات كالاتحاد السوفيتي، والصين الشيوعية، وكوبا وغيرهم، أن تكون مؤقتة. لكن في الواقع، هذه الحكومات ”المؤقتة“ تولّت السلطة، وغالبًا ما كانت تخضع مواطنيها إلى حكم استبدادي؛ حيث أنها لم تظهر أي نية للابتعاد عن السلطة أو فتح المجال أمام فئات أخرى.
في المجتمع الحديث، عادة ما تعمل الاشتراكية من خلال البنية الديمقراطية القائمة في البلدان الرأسمالية. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة، يُسمح للأسواق بالتقلّب نوعًا ما بشكل حُر حسب الحاجة، والعمال يتقاضون الدخل بشكل غير محدود طبقًا لعملهم. ومع ذلك، فإن الاحتياجات الأساسية كالرعاية الصحية يتم توفيرها للجميع بغض النظر عن كمية الوقت والجهد في عملهم. كما أن برامج الرعاية المجتمعية مثل القسائم الغذائية في الولايات المتحدة هي أيضًا شكل من أشكال السياسة الاشتراكية، وهناك أيضًا بلدان أُخرى تمتلك درجات عالية من الاشتراكية في نظمها الاقتصادية، مثل السويد وفنلندا ورومانيا.
وعلى عكس الدمج الذي بات يظهر في الدول الرأسمالية وبشكله الأوضح في بلدان أوروبا الغربية والشمالية، فإن الشيوعية تنادي بإسقاط النظام الاقتصادي والسياسي للرأسمالية عبر الثورة. وكما تنص الأيديولوجية الشيوعية، فإن هذه الثورات يجب أن تنتشر في جميع أنحاء العالم، بدلًا من أن تقتصر في عدد محدود من البلدان. وهذا ما يفسر العداء التاريخي بين الدول الشيوعية والرأسمالية – خاصةً في فترة الحرب الباردة الطويلة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي.

فروقات ثانوية أخرى

• الدين: تكفل الاشتراكية حرية الدين والمعتقد، ولكنها تميل إلى العلمانية غالبًا. بينما الدين ملغى في الشيوعية، حيث أن جميع الديانات وعلوم ما وراء الطبيعة مرفوضة، حيث يرى أنجلز ولينين بأن الدين هو مخدر وأن تأثيره يشبه تأثير (المشروبات الروحانية) ويجب مكافحته، وهذا ما يؤيد مقولة ماركس الشهيرة: ’’الدين أفيون الشعوب‘‘. وبالنسبة لهم، فإنهم يدعون إلى الإلغاء القسري للدين وقبول الإلحاد أيًا كانت الظروف الاجتماعية السائدة.
• حرية الاختيار: في النظرية الاشتراكية ترجع جميع خيارات الفرد بما في ذلك التعليم والعمل والزواج إلى الفرد نفسه، وكل من الرعاية الصحية والتعليم مكفولين مجانًا لكل فرد من خلال نظام اجتماعي تموّله الضرائب. بينما في المجتمع الشيوعي؛ حيث لا وجود لرئيس، يُفترض أن اختيار كل شيء يتم بصورة حرة، وفي هذه المجتمعات تتحكم الدولة في كل شيء، بما في ذلك التعليم والعمل. يتم اتخاذ القرارات الاقتصادية والسياسية لكل السكان أما من خلال التصويت الجماعي أو من خلال قادة الدولة أنفسهم. ولكن عمليًا؛ يتم استخدام كل من الحشود الجماهيرية والإجبار والترويج (أو البروباغندا)؛ إلخ للسيطرة على الجماهير.
• الهيكل الاجتماعي: وفق النظرية الاشتراكية تضمحل الفروقات بين الأفراد ولكنها موجودة حتمًا. بيما وفق النظرية الشيوعية لا وجود للفوارق الطبقية.

 

أبرز الروّاد والمنظّرين

• أبرز الذين نظّروا للاشتراكية: تشارلز هول، فرانسوا نويل بابيوف، هنري دي سان سيمون، روبرت أوين، تشارلز فورييه، لويس أوغست بلانكي، وليام طومسون، توماس هودجسكين، بيير جوزيف برودون، لويس بلان، موسى هيس، جون ستيوارت، ألبرت أينشتاين، جورج برنارد شو، تورستين بوند فيبلين، ميخائيل بوكينين؛ بالإضافة إلى كارل ماركس وفريدريك إنجلز.
• أبرز الذين نظّروا للشيوعية: كارل ماركس، فريدريك إنجلز، بيتر كروبوتكين، روزا لوكسمبورغ، فلاديمير لينين، إيما غولدمان، ليون تروتسكي، جوزيف ستالين، هوشي منه، ماو تسي تونج، جوزيب بروز تيتو، أنور هوكسا، تشي غيفارا، فيدل كاسترو.

 

المصادر:

الاول
الثاني
الثالث
الرابع
الخامس

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

الجواز الأمريكي لا فائدة منه

يمكنني التنقل حيث شئت بجواز سفري الألماني. ولكن عدد الدول التي تسمح للأمريكيين بالدخول تكاد …

حصرياً: من داخل مخيمات تدريب تابعة لحزب الله لنشر الأخبار الزائفة  

  بقلم: ويل كريسب وسداد الصالحي  بتاريخ: ٢/آب / ٢٠٢٠ ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام …