الرئيسية / علم نفس / كيف يفسّر علم النفس إيماننا بنظريّات المؤامرة؟

كيف يفسّر علم النفس إيماننا بنظريّات المؤامرة؟

بقلم: موللي اوزبيرغ
حسب استطلاع للرأي سنة 2013، وجد أن 12 مليون امريكي يؤمنون بأن أسياد من الزواحف يحكمون البلد، وهذه الزواحف عبارة عن سحالي أتت من مجرات خارجية بإمكانها تغيير شكلها إلى هيئة البشر، وهي متواجدة في الكونغرس الأمريكي وفي التلفاز أيضًا! لحسن الحظ، فإن نظرية (السحالي في هيئة البشر) هي واحدة من أقل نظريات المؤامرة شعبية في أمريكا. طبقًا لنفس الإستطلاع، فإن 21 مليون أمريكي يؤمنون بأنّ نزول رواد الفضاء الأمريكان على القمر كان مزيّفًا، و 116 مليون مثلهم يؤمنون بأن التغيّر المناخي عبارة عن خدعة.
اسخر من هذه الإحصائيات ان شئت، لكن اليك الشيء المثير عن نظريات المؤامرة: إنها نظريات فقط إلى أن يظهر بأن فرضياتها متجذّرة في الواقع. جوزيف اوسينسكي ”Joseph Uscinski“، أحد الباحثين البارزين والعقلانيين، قال في مقابلة مع صحيفة (ذي اتلانتيك) ”The Atlantic“: ’’أعتقد أن كل نظرية من تلك النظريات لديها احتمالية افضل بقليل من صفر في المئة، أي انها عمليًا مستحيلة‘‘. اسأل اي ناشط من النشطاء الذين يرتادون (اجتماع بلا هواتف) “no-phones meeting” قبل أن يتم الكشف عن أن وكالة الأمن القومي الأمريكية باستطاعتها تشغيل جهازك عن بعد والإستماع إلى محادثاتك أيضًا (هنا). تخيل ما كنت سوف تقوله لشخص ما سنة 2011 اذا إدعى بأن (فيسبوك) كانت تجري تجارب سيكولوجية عليهم (كما تم كشفه هنا .).
لكن في ظل الثقافة العصرية الحديثة وفي نتائج الأبحاث السايكولوجية حتى وقت قريب نسبيًّا، فإن المؤمنين بنظريات المؤامرة كانوا يُـوصفون بأنهم مرضى عقليون. علماء النفس والمثقفون حينها كانوا ينبذونهم بإعتبارهم (مجموعة من مختلي العقل المهمّشين)، فئة من المجتمع تعاني من العقلية الوهمية. الصورة النمطية الطاغية في عصر الأنترنت الحالي هي للشاب الأبيض جاحظ العينين والجالس في القبو، الذي يتلاعب بفيديو المراقبة ويعلمها بأسهم حمراء مرتعشة.
لكن في السنوات الأخيرة، الطريقة التي ينظر بها الباحثون إلى نظريات المؤامرة والعقول التي تتشبث بها بدأت بالتغيّر.
’’لا يوجد هنالك اختلاف كبير في الحقيقة بين من يؤمنون بنظريات المؤامرة وبين بقيتنا‘‘، هذا ما يقوله روب بروذرتون ”Rob Brotherton“ مؤلّف كتاب (عقول مريبة) “Suspicious Minds” والذي يتحدث بصورة حصرية عن سايكولوجية نظرية المؤامرة.
حسب المؤلّف الحاصل على شهادة الدكتوراة من جامعة لندن ويدرّس حاليًا في جامعة بارنارد، فإن السِـمات التي تجعل الناس يؤمنون بأن تلك النظريات حقيقية ’’هي نفسها السمات التي نعاني منها… إنها الأحكام المسبقة والإنحيازات التي تتكون منها ادمغتنا‘‘، سواء كانت تؤثر على كيفية تذكرنا للقاء شركائنا أو اعتقادنا بكون أسامة بن لادن ميت فعلًا.
كتاب بروذرتون يغطي طيفًا واسعا من الظواهر النفسية المنتشرة، من ضمنها ظاهرة (الإنحياز القصدي) – وهي ميل الانسان إلى الإعتقاد بوجود قصد وهدف في تحركات أي شيء جامدًا كان أو متحركًا، ولا وجود للصدفة – بالإضافة إلى النزعة الطبيعية لدى أدمغتنا لرؤية الأحداث بشكل نمط منتظم (متعلّقة أحدها بالأخرى) حتى إن كانت العلاقة المباشرة ضعيفة ومستبعدة.
يقول الكاتب: ’’المثال الأوضح عن قوة ظاهرة الـ (الإنحياز التأكيدي) [1] ”Confirmation Bias“ قد يتمثل في ما يُـسمى بـ (تأثير رد الفعل العكسي) ”Backfire Effect“ وهي ظاهرة تم تحليلها عبر عدة دراسات من قبل البروفسور بريندان نيهان ”Brendan Nyhan“ استاذ العلوم السياسية في جامعة دارتماوث.
ظاهرة تأثير رد الفعل العكسي تحدث عندما تحاول أن تطلب تفسيرًا منطقيًا عن المعتقدات التي يتمسّكون بها بقوة، بسبب هذه الظاهرة لا يمكن إزالة قناعة بعض الناس بقضية (لجان الموت) [2] المزعوم تبنيها من قبل الحكومة الأمريكية في خطة اوباما للرعاية الصحية مهما حاولت ان تشرح لهم أنها مجرد خرافة، وبسبب نفس الظاهرة هنالك الكثير من الناس الذين يعتقدون بأن اللقاح يسبب مرض التوحّد رغم كل الأدلة العلمية التي تدحض ذلك الإدّعاء.
على أية حال، مثل هذه النسخة المتطرّفة من الإنحياز التأكيدي ليست محصورةً بالمجانين فقط. في سنة 2014، الباحث الذي تمت مقابلته من قبل مجلّة ذي اتلانتيك، جوزيف اوسينسكي وزميله جوزيف بيرنت ألّفا كتابًا يمثل أحد أضخم الأبحاث عن (عقلية المؤامرة) حتى اليوم. عملا بعكس الفكرة القائلة بأنّ الأنترنت يبشّر بعهد فريد من التنظير التآمري، قاموا بدراسة أكثر من 120 ألف رسالة وُجّهَت إلى هيئة التحرير في صحيفتي نيويورك تايمز وشيكاغو تريبيون بين سنتي 1890 و 2010، بالإضافة إلى النقاشات عبر الأنترنت ومواضيع الأخبار التي تناقش نظريّات المؤامرة قبل وبعد الإنتخابات الرئاسية لسنة 2012. كما أنّهما أجريا إستطلاعات رأي مكثّفة أيضًا.
دراستهما غطّت عددًا رائعًا من نظريّات المؤامرة، بدءًا من نظريّة (مقتل الرئيس جون كينيدي من قِـبل السي آي أي) المشهورة وإنتهاءً بنظريّة (خطّة الكونغرس الأمريكي لقتل الكلاب الأليفة) الغامضة.
تلك الدراسات لم تُـشِر فحسب إلى أن نظريّات المؤامرة حاليًا هي بنفس شعبيتها قبل ظهور الأنترنت – إن لم تكن أكثر شعبيّة في هذا الوقت – بل أيضًا إن الناس الذين يؤمنون بنظريات المؤامرة هم متنوعين من الناحية السكّانية.
من الواضح أنّ هنالك إختلاف في أنواع النظريّات التي يؤمن بها الناس، ولكن، الإيمان بنظريّات المؤامرة ’’يتغلغل في كل أجزاء المجتمع الأمريكي بمختلف أجناسه وأعماره وإثنيّاته ومستويات دخله وتوجّهاته السياسية ومستوياته التعليمية والمهنية‘‘.
(Adapted from Jeremy Eyo/YouTube)
بناءً على ذلك، يستنتج المؤلّفان، من الحقيقي أن نقول بأنّه تقريبًا كل الناس يؤمنون بنظريّة مؤامرة واحدة على الأقل، والكثير منّا يؤمن بأكثر من نظرية مؤامرة واحدة. النقطة الأكبر التي يشير إليها المؤلّفان هي أنّ أحد أكبر أسباب التفكير التآمري هو ’’إدراك الإختلال في موازين القوى‘‘ [3]، هذا النهج في رؤية العالم هو نهج سياسي أكثر منه مرضي.
البحث الذي أجراه اوسينسكي وبيرنت تم استكماله بعمل آخر يبحث في الكيفيّة التي تبدو فيها نظريّات المؤامرة مُـغرية لملَـكَتِنا الطبيعية في رؤية الأمور كأنماط منتظمة وميلنا للبارانويا [4]، خصوصًا في اللّحظات التي نشعر فيها بضعف قوّتنا.
في سنة 2014 وجد استطلاع للرأي أجراه جان – ويليم فان بروجين ”Jan-Willem van Prooijen“ في هولندا بأنّ الإعتقاد بنظريّة مؤامرة مختلقة – في حالة الإستطلاع تم إختلاق موضوع عن قضيّة يتستّر بها مجلس مدينة أمستردام – كان أكثر عند عيّنة الأشخاص المشاركين في الإستطلاع ممّن تم التمهيد لهم ليشعروا بنقص السيطرة على محيطهم المباشر. عندما يشعر الناس بأنّهم بلا قوة، فإنّهم يبحثون عن تفسيرات بسيطة عادةً ما تكون ذات أبعاد أسطورية.
نظريّات المؤامرة قد تصل إلى درجات ملحمية حقيقية عند إستخدامها لتفسير أحداث جيوسياسية ضخمة مثل حادثة 11 سبتمبر، حيث يشير الباحثان اوسينسكي وبروذرتون إلى أهمية ظاهرة (الإنحياز النسبي) أو الـ “proportionality bias” – وهو ميل البعض إلى الإعتقاد بأن أسباب الأحداث تتناسب مع ضخامتها، فالأحداث الضخمة لا يمكن أن تحدث لأسباب بسيطة أو بسبب مصادفة، بل يكمن ورائها مخطّطات ضخمة.
لكن ما يزيد الأمر تعقيدًا بالطبع هو وجود قوى الشر فعليًّا، والمؤامرات تكثر في العالم الحديث. بروذرتون يعطي مثالًا مروّعًا في كتابه: إختبار مرض السفلس في مدينة توسكيجي، وهي مبادرة قامت بها دائرة الصحّة العامة في المدينة منذ العشرينيات وحتى الستينيات من القرن المنصرم حيث تم حقن الأفارقة الأمريكان بمرض السفلس مدّعين بأنّهم يعالجونهم من (الدم الفاسد)، ثم تم منعهم من تلقّي العلاج من أجل دراسة التأثيرات طويلة المدى لهذا المرض الذي يهدّد حياتهم.
لا عجب أن الأفارقة الأمريكان الذين يعلمون عن إختبار سفلس توكسيجي هم أكثر إحتمالًا للإعتقاد بنظريّات المؤامرة التي تتّهم حكومة الولايات المتّحدة الأمريكية، على سبيل المثال أنّ الأخيرة هي التي اخترعت مرض الإيدز.
’’هنالك بذرة من المعقولية، إن لم تكن من الحقيقة، في معظم نظريّات المؤامرة‘‘ يقول بروذرتون. ويضيف: ’’هنالك تساؤلات مشروعة عن عسكرة الشرطة، قوة الحكومة‘‘.
تلك الصورة عن المؤمنين بنظريّة المؤامرة المدمنين على موقع ”Reddit“ هي بسبب التقدّم الحاصل في وسائل الإتّصالات أكثر ممّا قد يعتقد بأنّه إرتفاع في عدد الأشخاص المؤمنين بتلك المواضيع. المثير في الأمر أنّ البارانويا (أو الشكوكية إن كنت تفضّل أنّ تسميها) تميل إلى أن تكون موجودة عند أنواع معيّنة من الأشخاص: من المُـلاحظ أنّ الذين يؤمنون بنظريّة مؤامرة معيّنة من المحتمل جدًّا أن يؤمنوا بفرضيّة أخرى حتى لو كانت فرضيات النظريتين متناقضة! مثال: إن كنت تؤمن بأنّ الأميرة ديانا قُـتِلَت على يد العائلة المالكة فمن المحتمل أيضًا أنّك تؤمن بأنّها لا تزال على قيد الحياة!
[5] سنة 2011 قام إختصاصيّون في علم النفس من جامعة كنت بقيادة مايكل وود ”Mickel Word“ (الذي يكتب في موقع جميل عن سايكولوجيا المؤامرة) برفع مستوى التحدّي. حيث قاموا بعرض خمس نظريّات مؤامرة عن الأميرة ديانا لطلبة الكليات في المملكة المتّحدة: أربع منها تفيد بأنّها قُـتلت عن عمد والخامسة تفيد بأنّها لفَّـقت قضية موتها. وفي تجربة أخرى، طرحوا نظريّتين أخريين: إحداهما أن أسامة بن لادن لا يزال حيًّا (ممّا يناقض تقارير الإستخبارات المركزية الأمريكية بمقتله خلال غارة في نفس السنة) والأخرى بأنّه كان ميتًا أصلًا قبل تنفيذ تلك الغارة. كما هو متوقّع، فإنّ المشاركين الذين توقّعوا أنّ الأميرة ديانا زوّرت قضية مقتلها هم أنفسهم الذين اعتقدوا أنّها قُـتلَت ولم تمت نتيجة حادث سير. والمشاركين الذين اعتقدوا بأنّ أسامة بن لادن كان مقتولًا قبل غارة القوات الخاصة الأمريكية على المجمّع الذي يختبئ فيه في باكستان، هم أيضًا الذين يعتقدون بأنّه لا يزال حيًّا‘‘.
الإنترنت ’’غيَّـر من خاصية نظريّات المؤامرة‘‘ حسب ما يذكر بروذرتون، ممّا سمح لتلك النظريات بالإنتشار بصورة سريعة جدًّا، على غِـرار تفجير بوسطن – ’’عندما كنت تريد أن تكتب كتابًا عن نظريّتك، كان يجب أن تكتبها بإسهاب‘‘. لكن ذلك لم يساعد، حسب إدّعاء البعض، على تغيير كبير في عدد الناس المؤمنين بتلك النظرية.
إذًا، ما الذي يميّز القدر المعقول من البارانويا عن التفكير التآمري؟ على الأرجح، ذلك يعتمد على مستوى إعتقادك إلى أي مدى قد تصل تلك المؤامرة، وفيما إذا كانت نظرتك إلى العالم تعتمد كليًّا على الإعتقاد بالظروف الغامضة بدلًا من منطق الحقيقة مثلًا . ولكن حتّى إن كنّا سنصدّق عمل بروذرتون وزملائه لتبديد الغموض حول التفكير التآمري، فإن الأساليب التي تغري نظريّات المؤامرة بها حواسنا هي في الحقيقة عالمية.
كما يقول بروذرتون: ’’الناس يريدون رؤية العالم حسب هذه العوامل: الخير ضدّ الشر. يريدون الإعتقاد بأنّنا محكومون من قِـبل تلك القوّتين‘‘. في المنتصف، هنالك رسالة أمل (وإن كانت بعيدة المَـنال) في التفكير التآمري: ’’الرسالة تقول بإمكاننا معرفة أولئك الناس، وبإمكاننا محاربتهم‘‘.
المصدر:- Atlas Obscura

هوامش:-

[1] الإنحياز التأكيدي: وهي ظاهرة ميل الانسان إلى تفضيل المعلومات التي تؤكّد المعتقدات والنظريّات التي يحملها دون الأخذ بنظر الإعتبار المعلومات التي تنفيها.
[2] لجان الموت أو “Death Panels”: هي إشاعة أطلقتها سارة بيلن الحاكمة السابقة لولاية الاسكا ضد خطّة اوباما للرعاية الصحية مدّعيةً بأنّ الخطة تتضمّن لجان من الحكومة الأمريكية ستحدّد ما إذا كان بعض الأشخاص الكبار في العمر أو الأطفال المصابين بمتلازمة داون يستحقّون نيل الرعاية الصحية أم لا. وهي إشاعة تم إثبات عدم صحتها.
[3] إدراك الإختلال في موازين القوى: يحدث عندما يدرك الإنسان بوجود قوة أكبر على الجانب الآخر ويظنّ أنها لن تُـقهَر، وبذلك يفسّر بأنّها تتحكّم في مجريات الأمور دون الرجوع إلى منطقيّة التفسير من عدمه.
[4] البارانويا ”Paranoia“: وهو إضطراب عقلي ينمو بشكلٍ تدريجي حتّى يصير مزمنًا ويتميّز بنظام معقّد يبدو داخليًا منطقيًا ويتضمّن هذاءات الإضطهاد والشك والإرتياب، فيسيء المريض فهم أيّة ملاحظة أو إشارة أو عمل يصدر عن الآخرين ويفسّره على أنّة إزدراء به ويدفعه ذلك إلى البحث عن أسلوب لتعويض ذلك فيتخيل أنّه عظيم وأنّه عليم بكلّ شيء.
[5] مُـضافة من مقالة أخرى لتوضيح الفقرة السابقة. – المترجم.

عن Iraqi Tanslation Project

شاهد أيضاً

الإنسحاب من العلاقات العاطفية بصمت أصبح عادياً

بقلم : ليزا بونوس بتاريخ : ‏13‏/02‏/2020 لموقع : The Washington Post ترجمة : حسين …

لماذا يحب الناس المصابون بالاكتئاب الاستماع للموسيقى الحزينة؟

يشير بحث إلى ان الناس المصابون بالاكتئاب يجدون الموسيقى الحزينة مهدئة – او حتى مطمئنة. …