الرئيسية / بايولوجي / مملكة الحيوان – حوار مع العالِم فرانس دي وال

مملكة الحيوان – حوار مع العالِم فرانس دي وال

دي وال هو عالم هولندي قضى فترة طويلة دراسة صفات و خصائص الحيوانات المختلفة و تحديداً انواع القرود العليا، استطاع دي وال ان يدرس ويثبت ان الحيوانات حساسة اكثر مما نعتقد وهذا ما اثبته في كتابه (هل نحن اذكياء كفاية لنعرف كم أن الحيوانات ذكية؟) , في كتابه يحاول ازالة الغموض عن بعض المعتقدات السائدة بنية اعادة توجيه تفكير العالم نحو الحيوانات.

س- عنوان كتابك الاخير (هل نحن اذكياء كفاية لنعرف كم أن الحيوانات ذكية) ، مثير للجدل نوعاً ما ، ماهي المشاكل التي اردت ان تطرحها فيه؟

دي وال: لقد عملت في هذا المجال لفترة طويلة وانا اشعر ان خلال القرن الماضي لم نفعل مابوسعنا لتقدير او اعطاء الحيوانات الاهمية التي يستحقونها، لكن خلال 25 سنة الماضية جاء علماء شباب انتقلوا من مقارنة صفات و تصرفات الحيوان مع الانسان الى السؤال عن: ماذا يمكن ان تفعله الحيوانات في بيئتها, وما طبيعة المعرفة التي تمتلكها، لازال تركيزنا منصب حول الاشياء التي يمهر بها البشر مثل استعمال الادوات ، ولكنه ليس التركيز الكلي، نحن نركز بصوة عامة اكثر ونبذل جهداً اكثر مما كان في القرن الماضي.

س- عماذا نبحث عند دراسة الحيوانات؟ ولماذا هذا الاهتمام بالطبيعة المعرفية للحيوانات؟

دي وال: هذا هو بحث اي عالم طبيعة، ربما نريد معرفة كم عدد الفراشات الموجودة في الارض ، لكن مالفائدة منه للشخص العادي ، تكمن الفائدة في معرفة اي فصيلة من الفراشات معرضة للانقراض وايها لا ، فالغرض هو الحفاظ على التوازن البيئي.

فعلماء الطبيعة دوماً فضوليين نحو كل شيء في الطبيعة ويتحققون منه مثلاً كيف تنمو النباتات وكيف تصلح الحيوانات مشاكلها، فاذا عرفنا طبيعة او نوعية المعرفة الحيوانية من الممكن ان نصل الى ادراك اكبر واعمق للمعرفة الانسانية، فمثلاً عند دراسة سلوك التعاطف في القوارض تمكنا من فهم اشياء عن سلوك التعاطف لدى البشر، اعتقد اننا نشهد الان مرحلة انتقالية تمكننا من الحكم على الحيوان نفسه ، ليس من خلال المقارنك مع تصرفات البشر لكن من خلال وجهة نظر الحيوان نفسه، كيف يتكيف مع طبيعته؟ وكيف يستخدم معرفته لخدمة غرض محدد يمكنه من النجاة.

الكثير من التصرفات والسلوكيات التي يتصرف بها الحيوان مشابهة كثيراً لسلوكيات البشر ، احد الامثلة على هذه الدراسات هي دراسة سلوك العدالة او المساواة عند القردة، هناك مقطع فديو يمكنكم مشاهدته على الانترنت يظهر قرد مع قطعة خيار وقرد اخر مع قطعة عنب يتم اعطائها كمكافاة لنفس المهمة، حيث يبدا القرد صاحب الخيار بالاحتجاج ضد نوعية الطعام التي ياخذها فيما ياخذ الاخر طعام افضل لنفس المهمة، الفديو مشهور جدا ويمكن ربطه مع سلوك البشر مثلاً مشكلة الدخل غير العادل وهو احد الاسباب الرئيسية للانتخابات الان في امريكا.

احد الاشخاص كتب لنا انه من غير المعقول ان تمتلك القردة حس المساواة لان المساواة قد ظهرت خلال الثورة الفرنسية! ، المساواة هو احساس منطقي موجود عند كل الفصائل ، اعطي طفلين كمية مختلفة من البسكويت وستلاحظ علامات الغضب والاحتجاج ، ليست الثورة الفرنسية هي من اطلقت شعور المساواة بل الشعور موجود اصلا وبشكل اساسي، باعتقادي عند دراسة معرفة الحيوان ومعرفة الانسان نتوصل الى ان مايفعله او يتصرفه الانسان ليس بالشيء المعقد كما يعتقد البعض.

س- انطلاقاً من النقطة السابقة، في مجتمعنا البشري يبدو ان موقفنا تجاه الحيوانات موقف لامبالي، بالرغم من اننا نحتفظ بحيوانات اليفة لكن هل توافقني الراي ان علاقتنا مع الحيوانات والطبيعة علاقة مضطربة بعض الشيء؟

دي وال: اعتقد ان هذا صحيح لنصف البشر ، نصف البشر يبتعدون عن الاهتمام بالحيوانات على الرغم من انها قد تكون وجبات غدائية لهم او قد يحتفظون بهم كحيوانات اليفة، وهناك النصف الاخر من البشر الذي يكون دائماً متحمس تجاه الحيوانات ومهتم بهم ليس بمجال طبيعتهم بل بمجال تصرفاتهم وسلوكهم ايضاً ، فهناك اشخاص مهتمين بالتكنلوجيا واخرين مهتمين بالطبيعة والحيوانات.

س-لأكون صريحاً معك يا فرانس ، لا اعتقد اننا مختلفين عن الحيوانات بل يمكنني القول اننا عاطفيين اكثر منهم واكثر مما نعتقد، عالم الاعصاب (نايف الرودهان) يفترض اننا نعمل من اجل خمسة اشياء : القوة، الفخر، الاستمرارية، المتعة ، والنفع, مارايك؟ هل توافق معه؟

دي وال: نعم بالتاكيد، عندما نقوم بتوضيح السلوك البشري دائماً مانتجه نحو السبب والمنطق لاننا نحب ونقدر هذا في انفسنا، لكن المنطق ياتي بالدرجة الثانية، القرار يتخذ عادة بناءاً على اساسات عاطفية ثم بعد ذلك يتم تبريره باستخدام المنطق، لكن ليست تبريراتك او تعديلاتك نفسها هي التي صنعت القرار، فقبل ان يتزوج دارون من زوجته اخذ وقتاً طويلا في صنع قائمة تبين حسنات وسيئات هذا الزواج لكنه تزوجها على اية حال بغض النظر عن سيئات هذا الزواج، اذن فالقرار يمكن ان يكون عاطفي وليس منطقي.

س- كيف لنا ان نعرف اذا كانت دراستك للحيوانات صحيحة او انها على الاقل صحيحة من وجهة نظرنا؟

دي وال: لايمكننا معرفة ذلك ابداً، عند النظر الى النجوم ودراستها لانعرف اذا كانت هذه الطريقة صحيحة او لا، كل مرة يسال اي شخص نفس السؤال بطريقة مختلفة يحصل على اجابة مختلفة و يظهر جوانب قد لاتظهر في الحالة الاولى للسؤال، فما وجد او ما سيتم ايجاده في سلوك الحيوان يعتمد على كيفية النظر اليها او كيفية دراستها، في كتابي اذكر اننا في القرن المنصرم لم نجد الكم الدي نجده اليوم من الحقائق والمعلومات عن الحيوانات لاننا كنا نحاول ان نبسط سلوك هذه الحيوانات و نختصرها في سلوكيات بسيطة و غرائز فقط وهذه بالتاكيد طريقة غير فعّالة في تفسير سلوكيات الحيوان.

س- استشعر بعض التوتر في مجال عملك، بالتاكيد لديك بعض الملاحظات حول الكيفية التي تمت بها دراسة الحيوانات في القرن الماضي؟

دي وال: نعم انا غير راضي تماماً بهذا الخصوص، وقد خضت الكثير من المعارك مع السلوكيين (المختصين بدراسة سلوك وتصرفات الكائنات) ، الذين دائماً ما كانوا يبسطون و يستصغرون سلوك الحيوان و يعزونها الى استجابات حافزية او غريزة الية، كانت هذه النوعية من العلماء هي المسيطرة لفترة طويلة الى الحد الذي كانوا يسخرون ويضحكون من اي فكرة جديدة تطرح سلوك الحيوانات بصورة اكثر تعقيداً مما كان سائد في ذلك الوقت.

س- نحن كبشر لدينا ميل لاعتبار انفسنا مميزين لذلك نضع انفسنا بعيداً عن الحيوانات، هل تعتقد ان الغرور البشري يلعب دور في عدم قدرتنا على فهم الحيوانات؟

دي وال: نعم الغرور البشري و النظرة المسيحية التي تبين ان للبشر ارواح و للحيوانات لا، ابعدت تلك النظرة من امكانية فهمنا للحيوان، هناك نوع من الخوف من تقريب الحيوانات لنا اكثر مما يجب لان بالاعتقاد ان هذا التقرب يزيل من روحانية النفس البشرية بحسب النظريات الدينية السائدة، حتى الاشخاص غير المتدينين ، والعديد من العلماء كذلك، لازالوا يتبنون نفس الفكرة، لايكون جدالهم من منطلق الانجيل او الدين بالطبع لكن من منطلق فلسفي ، حتى علماء الاجتماع يشعرون ان الانسان مميز جدا ولايقارن مع الحيوان، وبالطبع مثل هذه الافكار لاندعمها او نتقبلها في مجال دراستنا.

س- في كتابك تسأل ماذا لو كانت الحيوانات تمتلك نوع من الذكاء خاصة من النوع الذي نعتز به؟ ماذا يمكن ان يكون نوع هذا الذكاء؟

دي وال: عندما ناخذ شيء نحن كبشر جيدين فيه و نقارنه مع الحيوان نلاحظ ان الحيوان لايصل الى مستوانا في استخدامه وهنا نكون نوعاً ما راضين بالنتيجة لكن هذا خطا في دراسة السلوك الحيواني، السؤال ما اذا كان الاخطبوط اذكى مني او انا اذكى منه سؤال لايهمني كثيراً، السؤال المهم مانوع الذكاء الذي يمتلكه الاخطبوط؟ كيف يستخدم هذا الذكاء للحفاظ على نفسه و البقاء طويلاً؟ يمكنك ان تسال نفس السوال عن الفيل او الخفاش ، مثلا هل نظام الصدى لدى الخفاش افضل من من ذكائنا او لا؟ لا اعرف، الاختلاف كلي، هذا النظام مهم جداً للخفاش واقل اهمية للبشر.

س- مؤخراً قرأت دراسة عن الدلافين استنتجت هذه الدراسة ان البشر ليسوا هم فقط القادرين على تطوير لغة تخاطب متطورة، دراسات كهذه تغير نظرتك ؟

دي وال: انا اتحدث عن اللغة كرمز للتعبير عن التواصل الذي تطور مع الانسان في مراحل حياته الاولى فللكلمات التي نستخدمها ليست فطرية ولدنا بها، بل تعلمناها مع الوقت، باعتقادي ان اللغة هي نوع من التواصل المرن وهذا لايعني ان الحيوانات لاتمتلك نوع من التواصل، لا استبعد ان تمتلك الدلافين لغة للتواصل و لغة معقدة ايضاً ولكن لا اعتقد انها تمتلك القيمة التعبيرية للغة، لذا ليس بالضرورة ان اسميها لغة، لذا اذا كان قصد صاحب الدراسة ان الدلافين لها طريقة توصل من خلالها احتياجاتها لبعضها فانا لا امانع هذا التحليل.

س- العالم المشاهد من قبل كائن حي مختلف ، عالم مختلف من الذي نشاهده، من خلال هذه الفكرة كيف تعتقد ان الحيوانات تنظر لنا؟

دي وال: اعتقد ان نظرة الحيوانات لنا تعتمد على طبيعة تعاملنا معهم ، فمثلاً الحيوانات التي نحتفظ بها كحيوانات اليفة لها روابط وثيقة معنا ، الحيوانات التي تدجن للطعام لها روابط اقل معنا، خصوصاً مع ظروف الزراعة الحالية، وهناك حيوانات البرية التي ترانا كاعداء لها ، والحمام في المدن الذي يعتبرنا كمصدر يوفر الغذاء، لذا كل حيوان ينظر لنا من وجهة النظر التي يتفاعل بها معنا.

س- هل تعتقد ان بعض الحيوانات تمتلك معرفة اكثر من غيرها ؟ واذكر لنا امثلة اكثر تطوراً من التي ذكرتها.

دي وال: في بعض الاحيان اعتقد ان الحيوانات تفهم البشر اكثر مما يفهم البشر بعضهم البعض، البشر الذين يعانون من التوحد غير قادرين على فهم المقابل بشكل صحيح ولهذا غالباً ما ينصح باخذ كلب كمرافق لهم ، بحيث يدافع عنهم ضد الاشخاص الذين ينوون اذيتهم فيما الانسان نفسه (المتوحد) لايميز الخطر الذي حوله.

س- هل يمتلك البشر اي صفات سلبية لايمتلكها الحيوانات؟

دي وال: المذابح افعال بشرية لا ارى اي شبيه لها في عالم الحيوان، في عالم الحيوان نرى القتل، مثلاً النمل يقتل بعضه البعض باعداد هائلة، قردة الشامبانزي تقتل بعضها ايضاً ، لكن لا توجد نوعية القتل لمجموعات سكانية و مجتمعية كبيرة او حتى محاولات لذلك.

س- ماذا ترغب ان تكون وصيتك؟

دي وال: اتمنى ان اقنع الناس بان هناك الكثير بيننا وبين الكائنات الاخرى اكثر مما هو مفترض هذا من شأنه ان يجعل البشر اقل غروراً بمعرفتهم و ذكائهم, لانني لم اجد ان هذا الغرور كان شيء بنّاء .

 

المصدر: هنا

عن Raad Talib

شاهد أيضاً

“حمضٌ من بين ملايين الأحماض”: حمض الـ DNA ليس الجزيء الجيني الوحيد

تقديم: مات دافيس بتاريخ: 21. نوفمبر. 2019 لموقع: BIGTHINK.COM ترجمة: هندية عبد الله تصميم الصورة: …

“محرك الوعي” في الدماغ هي منطقة بالغة الصغر

بقلم: ستيفن جونسن بتاريخ: 12/شباط/2020 ترجمة: رهام عيروض بصمه جي تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: …