الرئيسية / تقنية / لن تستبدلنا الآلات، بل ستُجبرنا على التطوُّر

لن تستبدلنا الآلات، بل ستُجبرنا على التطوُّر

شيءٌ كبيرٌ يحدُث في التصميم والهندسة

على مرَّ التاريخ الإنساني، صنعنا أدوات لتساعدنا على القيام بما نُريد – بشكلٍ أسرع، أفضل وأرخص. ولكننا كُنا دائمًا نوجِّه هذه الأدوات؛ نُخبرها بالضبط ما عليها القيام به من أجلنا لتُحقِّق أهدافنا. وهذا لم يتغير مُنذ زمن الأدوات الحجرية (والتي كُنا نستخدمُها بواسطة أيدينا) إلى أدوات التصميم الرقمي الحديثة (التي نستخدمُها بنقرة من زر الفأرة.)

إذا ما أرادت مُهندسة معمارية تقوم بتصيمم منزل أن تُحرِّك جدارًا، عليها أولًا أن تتخيل كُل البدائل المُمكنة لوضع الجدار التي من المُمكن أن تخدُم تصميمها. وبمجرد أن تُحلِّل الإحتمالات المُمكنة في عقلها، ستتخذ قرارًا وتُحرك الحائط يدويًا في برنامج الرسوميات الخاص بالتصميم. وبطبيعة الحال، بإمكاناها فقط أن تتخيل عدد مُحدود من الإحتمالات، لذا فقد تفقد عدد كبير من البدائل والمقترحات فقط لإنها لم تتخيلها.

هكذا كُنا نُصمم الأشياء طوال أغلب فترات التاريخ: أولًا، أن تمتلك فكرة في عقلك، ثم ترسمُها. ولكن في السنوات الأخيرة دخلت حُقبة جديدة من التصميم حيز التنفيذ: ظهر ما يُعرف بالتصميم المُنتج (التوليدي) «Generative Design».

قبل عدة أيام، إستمعتُ إلى جيف كوالسكي «Jeff Kowalski»، الرئيس الفني لشركة «Autodesk»، الذي ألقى مُحاضرة عظيمة عن التصميم المُنتج في مؤتمر «e.g.». ناقش أنَّ التصميم المُنتج سيطوِّر دور المُصممين والمُهندسين من مُشغلين مُباشرين إلى قيِّمين على العمل وفي النهاية، إستشاريين (مُعلمين) فقط.
دعونا نناقش بعض الأفكار المُقدمة بواسطة كوالسكي حول كيف سيتغير دورنا كصانعين مع هذه الأدوات الناشئة:

 

حُقبة جديدة في التصميم

يستخدم التصميم المُنتج الخوارزميات في إستكشاف كامل مجاميع الحلول. تقوم أنت بوضع أهدافك والقيود ومن ثمَّ تسمح للحاسوب في توليد التصاميم والتكرار المناسب لك والذي قد لم تُفكِّر به أبدًا – نوع من التطور الإصطناعي المُتسارع، كما سمَّاه البعض.

شاهد هنا تصاميم هيكل دراجة هوائية أُنتجت بواسطة برنامج «Autodesk’s Dreamcatcher» (صورة متحركة)

على قدر كون هذا الميدان الجديد من التصميم مُمتعًا، إلا أنهُ قد يبدو مُخيفًا ايضًا. ما الذي سيحدُث لدور المُصمم عندما يستطيع برنامج حاسوبي مثل «Autodesk’s Dreamcatcher» توليد المئات من التصاميم الفريدة خلال ساعات – بينما يحتاج الإنسان يومًا واحدًا أو أكثر لخلق تكرارٍ واحد.

نشعُر في كثير من الأحيان بالقلق من فكرة خسارة وظائفنا إلى الحواسيب والروبوتات لدرجة فشلنا فيها في تخيُّل كيف أنَّ أدوارنا المُتغيرة وعلاقاتنا نحو الآلات يُمكن أن تتغيَّر بحيث تجلُب إبداعًا أعظم بكثير وحُرية للبشر.

 

التطور من “مُشغِّل” إلى “قيِّم على العمل” إلى “إستشاري”

لم يعُد هُناك حاجة لإن تكون مُشغل للأداة في التصميم الُمنتج، أصبح الإنسان حُرًا ليُصبح قيِّمًا على الأداة فقط، بإختياره أفضل الحلول المُمكنة والعمل إلى جانب الحاسوب للمشاركة في إنشاء التصميم الأمثل. بالنظر إلى الإحتماليات المُختلفة، أصبح بإمكاننا الآن الإختيار أيِّ تصميمٍ يُناسب إحتياجاتنا ويكون أفضل من حيث البُنية، الوزن، الشكل، إلخ.

شاهد هنا تصميم جسم  لطائرة «Quadcopter» مُسيَّرة بواسطة خوارزميات التصميم المُنتج لبرنامج أوتوديسك «Autodesk’s Dreamcatcher» (صورة متحركة)

في حين إنَّ مفهوم التصميم المُنتج لوحده رائع، نحنُ نعيشُ في عالمٍ من التقارُب، وأكثر الإبتكارات المُدهشة تنبع من مزيج من عدة إتجاهات ناشئة. على سبيل المثال، تزاوج التعلُّم الآلي والتصميم المُنتج من المُمكن أن يفتح سيلًا من الفُرص الجديدة.

التصميم المُنتج، حتى في مراحله المُبكرة، كان يُنظر إليه على أنه نجاحُ مُثيرٌ للإهتمام بالفعل. ولكن بمُجرد أن تكتمل عملية التصميم، لا يقوم البرنامج بخزن أيِّ شيءٍ مما تعلمهُ. الآن، تخيَّل أن برامج التصميم المُنتج تتعلم مع كُل تصميم تُنشأهُ بناءًا على المُصمم البشري أو مُلاحظات المُهندسين.

كما كتب كوالسكي في هذه المقالة، «كم عدد المرات التي قُمت فيها بالتحدُث عن تعلُّم أداة تصميم جديدة؟ أعتقد أنه سيحين الوقت لإدوات التصميم أن تتعلمك!.»

إذًا ما الذي سيحدُث لدور المُصمم والمُهندس عندا يبدأ الحاسوب بطرح الآراء وصُنع قرارات إبداعية بناءًا على ما تعلَّمهُ خلال التجربة والمُلاحظات؟

لن يُستبدل البشر عندما تبدأ الآلة بالتصميم بشكلٍ إبداعي، بدلًا عن ذلك سنخطي خطوة بإتجاه مرحلة جديدة متطورة نكون فيها مُستشارين.

كُلًّا من التصميم المُنتج وتعلُّم الآلة يتطلب مُدخلات من البشر بصيغة أهداف، قيم وعوامل. ما الاهداف والقيم التي نُريد من آلاتنا أن تُحققها؟ ما الذي نُريدهُا أن تخلُق، حالما تكون قادرة على إتخاذ قراراتٍ إبداعية؟ حسنًا، هذا لا زال راجعًا إلينا.

يقول كوالسكي – علينا أن نُقرر فيما إذا نُريدُ أن نخلُق عالمًا من العزلة أو الترابط، عالمٌ من الصلابة أو الإنسيابية، عالمٌ مبنيِّ أو مُستمرٌ بالنمو.

 

تطور علاقتنا مع الآلات (ما وراء التصميم)

إذا كُنت تستخدم خدمة البريد الإلكتروني الخاصة بجوجل «Gmail»، قد تكون لاحظت أن هناك ردودًا مُقترحة تتضمن ما يُمكنك إستخدامهُ للرد سريعًا على رسالة إلكترونية. هذا بضعٌ مما رأيتهُ مؤخرًا في رسائل بريدي الإلكتروني: «أنا سعيدٌ للغاية لإنك أحببته»، «شُكرًا للمُشاركة»، «أتمنى لك رحلة موفقة»، «نعم، وصلتني رسالتُك».

ومن المُثير للإهتمام، عندما أستخدم هذه الردود المُنتجة بواسطة الحاسوب، أنا أتصرف بدور القيِّم على العمل. بينما يتصرف الأشخاص الذين برمجوا هذا الروبوت لتوليد الأجوبة تلقائيًا كمُرشدين (مُستشارين). خيارات الردود في «Gmail» مُهذبة، لطيفة، وحتى تُمثِّل إنعكاسًا ليس فقط على الآلة التي تولِّد الرسائل ولكن ايضًا على الأشخاص خلف الستار (المُبرمجين).

سنرى المزيد من الأمثلة لهذه الادوار الجديدة للقيِّمين والمُرشدين في المجالات المُتزايدة في السنوات القادمة.

لازال هُناك سؤالٌ كبير: ماهي الأهداف والقيم التي سنختارُ أن نُمررها إلى آلاتنا؟

المصدر: هنا

عن Ahmed Alsarrai

طالب في كُلية الهندسة قسم النفط جامعة البصرة، مُهتم باللُغـات والترجمة.

شاهد أيضاً

وقود يخزن الطاقة الشمسية لمدة 18 سنة

كتبه لموقع “ساينس أليرت”: كارلي كاسيلا نُشر بتاريخ: 6/11/2018 ترجمة: بان علي مراجعة وتدقيق: عقيل …

فرانكنشتاين: التجارب الحقيقية التي ألهمت الخيال العلمي

كتبه لموقع “ذي كونفرزيشن”: ايوان موروس نشر بتاريخ: 26/10/2018 ترجمة: إبراهيم العيسى مراجعة وتدقيق : …