الرئيسية / تقنية / تقنية التخفي (الشبح)

تقنية التخفي (الشبح)


داربا: وكالة مشاريع بحوث الدفاع المتقدمة الأمريكية
تكنولوجيا التخفي أو الانسلال والتي تسمى اصطلاحاً بالشبح تهدف لتقليل الأثر الراداري او الحراري (الأشعة تحت الحمراء) أو البصري أو الصوتي المنبعث من المركبات أينما كانت بالماء او الجو او الأرض (أي حجب رؤية الطائرة أو السفينة عن انظار العدو وعن راداراته). وكان لوكالة داربا دور فعال لتطوير عدة تكنلوجيات للوصول لهذا الهدف.

الجهود المبكرة
إن الجهود الأولى لتحقيق تكنولوجيا التخفي تعود إلى مئة عام، في بداية تصاميم للسفن الحربية و لاحقاً جرت محاولات لتطبيقها على الطائرات والغواصات.
وخلال الحرب العالمية الأولى والثانية كانت هناك محاولات لتقليل الأثر البصري والراداري للطائرات لكن لم يكتب لـهذه المــحاولات النجاح حتى قيام شركة لوكهيد مـــــارتن بإنتاج طائرة (A-12 \S R-17) والتي حققت نجاحاً بتقليل المقطع العرضي الراداري R C S (المقطع العرضي الرادري يحدد صورة الطائرة التي تظهر بالرادار نتيجة انعكاس الموجات الرادارية عنها). حيث تم طلاء طائرة A-12 \S R-17 بطلاء مُمتص للأشعة الرادارية وأيضاً حاولوا تقليل المقطع العرضي الراداري بواسطة تعديل تصميم حافات و زاويا هيكل الطائرة، ولكن لم تُجرى محاولة أخرى لتقليل الأثر الراداري للطائرات قبل مرور عقد كامل من انتاج هذه الطائرة.

بداية ثورة التخفي
في عام 1974 قام وزارة الدفاع الأمريكية (DoD) باستضافة مجلس علوم الدفاع لدراسة و تحديد خطر انتشار أنظمة الدفاع الجوي المتطورة والتي تهدد الطائرات الأمريكية؛ وأدى الاجتياح السوفييتي لفجوة الفولدا في أوروبا إلى الاستتناج انه بدون تغيير قواعد اللعبة سوف يكون نصر القوات الأمريكية وحلف الناتو صعباً جداً في أي حرب مستقبلية.
وسريعاً بدأت دراسة مجلس علوم الدفاع لتقنيات جديدة، وأقر رئيس قسم بحوث وهندسة الدفاع الدكتور ماكلين كيوري بانه مستوى بحوث الطيران المقدمة من قسم بحوث الدفاع غير كافية و دعى المنظمات العلمية والدفاعية لابتكار أفكار جديدة ثورية. روبرت موور رئيس مكتب التقنيات التكتيكية في داربا (T T O) رَشَحَ تكنولوجيا التخفي الفائق للطائرات معتمداً على دراسة مجلس علوم الدفاع وبدعم من مكتب سكرتير الدفاع، ابتدأت داربا رحلتها بتطوير تكنولوجيا الطائرات لتقليل المقطع العرضي الراداري بشكلٍ كبير أكثر مما سبق.
كين بيركو أحد العاملين في مكتب برنامج القوة الجوية لطائرات الاستطلاع بدون طيار أصبح مدير مدير مكتب TTO، وبدأت الدراسات لانتاج طائرة تخفي بطيار. وتم الطلب من خمس شركات لصناعة الطائرات لتجربة واجابة اختبارين الأول ما هو أقل مقطع عرضي راداري للطائرات يمكن الوصول إليه لتصبح غير قابلة للكشف في أثناء عمليات الطيران وفي مدى العمل الاعتيادي و الثاني هو مدى قابلية كل شركة لانتاج طائرة بهذه المواصفات؟
استجابت فقط ثلاثة شركات لموضوع تقليل الأثر الراداري وهي كل من كرومان ونورثروب ومكدونالد دوكلاس. و كان تصميم كرومان غير تنافسي، وفي كانون الثاني من عام 1975 وقعت داربا عقد مع مكدونالد دوكلاس و نورثكروب لتصميم طائرة تخفي (شبح) بطيار.
ولم تكن شركة لوكهيد مارتن من ضمن الشركات المدعوة و ذلك لكونهم لم ينتجوا طائرات منذ قرابة 20 سنة وكانت داربا غير مهتمة لعملهم في طائرة A-12 \S R-17. وسمحت وكالة الاستخبارات الأمريكية سي اي أيه بمناقشة طائرة A-12 \S R-17 مع مدير داربا جورج هيلميير و الذي سمح أخيراً لشركة لوكهيد مارتن بدراسة تكنولوجيا التخفي وبعقد قيمته دولار واحد و الذي يمكن اعتباره أفضل دولار قامت الولايات المتحدة بانفاقه.
أُجريت الاختبارات التجريبية وكان هدفها هو تحديد دقيق لمستوى الأثر المنعكس الذي بالإمكان السماح به للطائرات بدون اكتشافها بالرادار و لتحديد مستوى تقليل المقطع العرضي الراداري الذي تم الوصول إليه. شركة مكدونالد دوكلاس كانت الأولى في تحديد اقل مقطع عرضي راداري (المقطع الراداري الحرج) الذي يمكن السماح به دون اكتشاف الطائرة واعتذرت عن تصميم طائرة بهذه المواصفات، واستخدمت داربا هذا المقطع الراداري الحرج ليعتبر هدف برنامجها.

أما شركة لوكهيد مارتن صممت برنامج حاسوب واسمته «ايكو 1» يسمح للمصمم التنبوء بالموجة الرادارية المرتدة؛ ولكن كانت حسابات ايكو 1 محدودة في بعدين فقط مما قاد المصممين إلى تصميم برنامج متعدد الأوجه وأكثر سلاسة، قامت داربا أخيراً باختيار لوكهيد مارتن ونورثكروب للاستمرار في البرنامج وبناء موديل بثلث الحجم و بالحجم الكامل (Pole) واختباره في مدى الرادار لمعرفة أي الشركتين انتجت طائرة اكثر تحقيقاً لمعايير داربا للتخفي. و كانت نتائج «Pole Off» لشركة لوكهيد مارتن متوافقة مع معايير داربا وبرمت معها عقد لبناء طائرتين للعرض، وانتقلت مسؤولية البرنامج من داربا إلى مكتب المشاريع الخاصة في القوة الجوية الأمريكية وأصبح اسم البرنامج «Have Blue».
وقامت لوكهيد مارتن ضمن برنامج Have Blue ببناء طائرتين للعرض لتأكيد نتائج نموذج Pole العائد للشركة، و حتى هذه اللحظة صنعت هذه الطائرات الاختبارية باستعمال المركبات و الأنظمة الفرعية التقليدية و لكنها كانت ثورية من حيث الشكل و مواد تصنيع الطائرة التي لها تأثير مهم جدا يحدد بقاء الطائرة غير مكتشفة و التي غيرت طريقة قتال القوة الجوية الامريكية. تضمنت التكنلوجيات الثورية التي ابتكرت من داربا لتقليل المقطع العرضي الراداري هي الدروع الحاجبة للاشعة تحت الحمراء و تقليل الأثر البصري و تقليل احتمالية اعتراضها من قبل الرادارات و تغطية مداخل الهواء و تبريد غازات العادم و الشكل النموذجي للاسطح و انظمة اخرى لتقليل اكتشاف الطائرة. في نيسان من عام 1977 تم اجراء اول طيران للنموذجين و تم اختبارها فعليا. و للأسف و اثناء الاختبار تمت خسارة النموذجين في حوادث الاختبار، لكن كانت النتائج ناجحة. وفي السادس عشر من تشرين الثاني من عام 1978 وقعت شركة لوكهيد مارتن عقد لتطوير و هـــندسة طائرة بالحجم الكامل والتي ستكون لاحقاً «F-117» والتي تُسمى بالشبح.
وفي كانون الأول من عام 1976 أنشأت داربا و بمشاركة القوة الجوية الامريكية برنامج نجاة الطائرة التجريبي في أرض المعركة (BSAX)
وكان هدف البرنامج تطوير طائرة استطلاع ذات كفاءة عالية مع قابلية التخفي من الرادار والأنظمة الكاشفة الأخرى والتي بإمكانها العمل بالخطوط الأمامية للمعركة مع درجة عالية للنجاة
شركة نورثكروب بدأت بالعمل في عام 1976 وتعاقدت عام 1977 لتطوير طائرة خاصة ببرنامج (BSAX). والتي سميت لاحقا Tacit Blue والتي كانت فريدة من نوعها في دمج الرادار مع الطائرة حيث تم تصميم الطائرة حول الرادار بدل أن يدمج الرادار مع هيكل الطائرة الخارجي . وكان الطيران الأول لطائرة «Tatic Blue» في شباط 1982 وأكملت 135 رحلة طيران (300 ساعة طيران) خلال ثلاثة سنوات وغالباً كانت تطير ثلاث إلى أربعة رحلات أسبوعياً وفي بعض المناسبات كانت تطير عدة مرات في اليوم. حققت الطائرة عدد من أهداف التخفي واعتبرت أول استخدام ناجح للاسطح المنحنية بدلاً من الأسطح ثنائية البعد المستخدمة في Have Blue لتقليل المقطع العرضي الراداري. و كانت النتائج اكثر كفائة ايروديناميكيا حيث انتجت قوى إعاقة هوائية اقل و سرعة اعلى ورحلات أطول. وتعتبر القوة الجوية Tacit Blue من أكثر البرامج التجريبية نجاحاً في تاريخ القوة الجوية محققاً أهداف البرنامج وأكثر الطائرات التخفي والغير مكتشفة وأدى البرنامج لاحقاً إلى تطوير نظام رادار نوع E-8 لتعقب الأهداف (جوين ستار). Tacit Blue ساهم بصورة مباشرة بتطوير الطائرة القاذفة التخفي B-2A. أول استخدام للطائرات الشبحية في قتال كان في عام 1989، و منذ ذلك الحين اعتبرت ثورة في الحروب الجوية. حيث سيطرت طائرات F-117 و B-2 على الأجواء في حروب البلقان وأفغانستان والعراق؛ وأحدثت ثورة التخفي تحول في تصميم وتطوير هياكل الطائرات العسكرية وقادت إلى تغيرات جذرية في صناعة وبحوث المقاتلات الحربية.
استخدمت تكنولوجيا التخفي أيضاً في تطبيقات كثيرة في أنظمة التسليح. ومنها الصواريخ والحوامات والسفن و حتى في العجلات الأرضية. حيث من دراسات داربا في التخفي انتجت صواريخ كروز متطورة، وأيضا سفينة ظل البحر التي كانت إحدى النماذج البحرية للتخفي في البحار. واستخدم النموذج بصورة مباشرة بتطوير السفينة الحربية زوم-والت واستفيد منها في تطوير التصاميم المتقبلية للسفن البحرية.
الثورة مستمرة
منذ بداية دخول داربا في أبحاث تكنلوجيا التخفي في عام 1970 حققت إنجازات مهمة في هذا المجال. وكانت من أكثر التقنيات التي ساهمت في انجاح البرامج العسكرية الأخرى وجعلتها ممكنة التحقيق مما أدى إلى التغيير الثوري في إمكانيات الجيش الأمريكي.
بالنسبة للقوات الجوية جعلت تكنلوجيا التخفي طائرات مثل F-22 Rapator وF-35 Lighting ممكنة، والتي تعتبر من مقاتلات التخفي الجيل الخامس والتي تَخترق بسهولة دفاعات العدو وتدمر الأهداف مع المحافظة على الهيمنة الجوية؛ وأيضاً طائرات التخفي المسيرة (بدون طيار) مثل X-45 وX-47 والتي أضافت تقنيات أخرى إضافية للسعي إلى تقنية التخفي الجوي.
 منذ عام 1974 بدأ عصر التخفي في مركبات القتال المستقبلية و بهذا لا يمكن إنكار ثورة داربا في التخفي، في صناعة الطائرات والذخيرة والسفن وحتى المربكات الأرضية، حيث تغيرت التصاميم العسكرية جذرياً بعد ثورة التخفي لتتضمن هذه التكنلوجيا.

المصدر: هنا

عن Iraqi Tanslation Project

شاهد أيضاً

خلود وحياة مُعززة: هل المستقبل للبشر المتحوّلين؟

كتبه لصحيفة (ذا غارديان): روبن ماكي منشور بتاريخ: 6/5/2018 ترجمة: أحمد طريف المدرس مراجعة وتدقيق: …

كيف ساهم آينشتاين بأختراع السيارات ذاتية القيادة

كتبته لموقع (فروم ذا غرايبڤاين): جين فيرسكوس منشور بتاريخ: 25/1/2017 ترجمة: أحمد طريف المدرس تدقيق: …