الرئيسية / أنفوغراف / متى اصبحت المواد الكيمياوية سلاحا للحرب

متى اصبحت المواد الكيمياوية سلاحا للحرب

اطلاق الغازات السامة قبل 100 عام غير وجه الحرب العالمية الاولى واعطى للبشرية سلاحا جديدا للدمار الشامل

لم يتوقع احد ان اول هجوم بغاز الكلورين في 22 ابريل 1915 كان سيكون ناجحا؛ حتى فريتز هابير (Fritz Haber) العالم الالماني والمخترع الرئيسي للسلاح والذي اقترح استخدامه على قطعات الحلفاء, واشرف على تطويره, حتى انه ذهب الى الخطوط الامامية لمشاهدة القاء 5730 اسطوانة من الغاز على طريق من 4 اميال خارج مدينة ايبر البلجيكية (Ypres).

ثم انتظر هابير لاسابيع في الخطوط الامامية, حتى اتجهت الرياح نحو الشمال الغربي وهنا برزت نقطة ضعف سلاحه: حيث احتاجوا الى اطلاق غاز الكلورين من اسطوانات مدفونة في الجانب الالماني عبر جانب نائي ثم الى اماكن الحلفاء.

Fritz Haber
فريتز هابر

 

قاتل هابر بمعركته الخاصة فقط لينال الفرصة بتجربة الغاز. ومعظم القادة الالمان كانوا يشككون بالغاز السام كسلاح. “لقد رأوا ان هجوم غاز الكلورين هو تجربة بافضل الاحوال, وحيلة باسوءها” حسبما يقول اندرو ايد (Andrew Ede) مؤرخ العلم في جامعة البيرتا. وخلال ستة اشهر من الحرب عمل هابر على اقناع قائد واحد في الجبهة الغربية باستخدام غاز الكلورين. وقد قتل اثناء هجوم الكلورين اثر ذلك اكثر من 1100 جندي وجرح كثيرون, وعندئذ تغير انعدام الدعم بشكل دراماتيكي.

اول هجوم ضخم بالاسلحة الكيميائية في ذلك اليوم في عام 1915 اشعل التنافس في الاسلحة الكيمياوية بين الاطراف المتحاربة. فبنهاية الحرب العالمية الاولى, طور العلماء العاملين في كلا الطرفين ما يقارب 3000 نوع مختلف من الكيمياويات للقابلة للاستخدام كأسلحة؛ حوالي 50 من هذه السموم تم تجريبها فعليا في ميدان المعركة, حسبما يقول جوزيف كال مؤرخ الكيمياء (Joseph Gal) في جامعة كولورادو, دينفير.

القوة الستراتيجية للاسلحة الكيمياوية في الحرب العالمية الاولى كانت في الارهاب النفسي الذي تسببه فضلا عن عدد الجنوب الذي تقتله: الغاز السام كان مسؤولا عن اقل من 1% من قتلى الحرب العالمية الاولى وحوالي 7% من اصاباتها. وكان من الممكن ان يسبب المزيد من الاضرار لولا تطوير الطرفين لاقنعة واقية تحتوي على نطاق واسع من عناصر تحييد الاسلحة.

ورغم ان الغاز السام لم يكن سلاحا قاتلا فعالا في ميادين الحرب العالمية الاولى, غير ان تبنيه فتح الباب امام استخدام الاسلحة الكيمياوية على نطاق واسع. في القرن الماضي قتل الغاز السام ملايين المدنيين حول العالم: ركاب ميترو طوكيو, معارضي الحكومة السورية, وسجناء الرايخ الثالث في معسكرات الاعتقال, حتى البعض من اسرة هابر نفسه.

 

 

نال هابير وزملاءه المزيد من السيطرة على السلاح الجديد من خلال تحكمهم بالوضع مع الرياح عبر الارض المحرمة في 22 ابريل 2015.

عن طريق الصدفة وضمن الموقع المعروف حاليا بإسم حقول فلاندرس (Flanders Fields) وما نالت فيما بعد اهمية ستراتيجية.

احتل الحلفاء ايبر (Ypres), تبعد 25 كيلومترا من ساحل الاطلسي وتقع بالقرب من موضع تجهيز رئيسي. حيث إن استطاع الالمان احتلال ايبر (Ypres) وعزل الحلفاء عن تجهيزاتهم فسيغير ذلك تعقيد الحرب حسب اندرو ايد (Andrew Ede).

الاسابيع الاولى من الحرب العالمية الاولى شهدت تقدما لالمانيا, وقد بدا غير قابل للتوقف, من خلال بلجيكا وفرنسا, واحتلال الاراضي بسرعة وسهولة. لكن دفاعات الحلفاء شهدت قفزة. خلال اشهر, توقف الزخم الالماني, وكلا الطرفين علقا في خندق موحل امتد على 400 ميل, من بحر الشمال حتى الحدود الفرنسية السويسرية.

احيانا يبعد خندق احد الجيشين ياردات قليلة عن خندق العدو؛ واحيانا تكون الفجوة ببعد ميل. وكلا الطرفين معتمدان على الثورة الصناعية نحو لانتاج كميات كبيرة من الاسلحة التي تقتل على المدى القريب مثل القنابل اليدوية, البنادق الاوتوماتيكية, وقذائف المدفعية, وغير ذلك – لكن ايا من الطرفين لم يكن يستطيع ان يعلو على الاخر. لكن هابير ناقش امكانية انتاج اسلحة كيمياوية يمكن ان تساعد في انهاء  الطريق المسدود وبالتالي الحرب في غضون اشهر. غير انه كان خاطئا. الحرب العالمية الاولى استمرت لثلاث سنين ونصف اخرى بعد الاستخدام الاول لغاز الكلورين قرب ايبر (Ypres).

هجوم الكلورين الاول

جندي الماني يحصي القتلى من هجوم الغاز السام الاول, قرب ايبر في بلجيكا.
جندي الماني يحصي القتلى من هجوم الغاز السام الاول, قرب ايبر في بلجيكا.

 

كان يوما ربيعيا مشمسا. ثم لاحقا بعد الظهر, بحدود الساعة الخامسة والنصف بعد الظهر, الجنود الالمان كانوا يرتدون اقنعة بدائية للحماية من الغاز مع فتحات لاسطوانات الكلورين. وما ظهر كان ضبابا غريبا اخضر مائل للصفرة بدا غريبا على حو ذلك اليوم النقي في ابريل حسب ما كتب الجندي الكندي اي تي هنتر (A. T. Hunter) في كتابه (كندا في الحرب العالمية العظمى). الغاز بدء بالانعطاف مع الريح نحو الافواج الفرنسية, الجنود الكنديون شاهدوا ذلك كسحابة تجاوزت الحواجز ثم توقفت ثم جمعت نفسها كموجة ثم استقرت بثقل فوق الخيم حسبما يصف هنتر.

ويكمل هنتر “ثم انقلب الفضول السلبي نحوها الى عذاب هائج – احساس حارق في الرأس, إبر حارة حمراء في الرئتين, اختناق في الحنجرة, الكثيرون سقطوا وماتوا في مكانهم. والاخرون كانوا في انبهار وتعثر مع وجوه ملتوية وايديهم بإشارات حادة, مع صراخ من شدة الالم, يهربون نحو القرى والمزارع في ايبر (Ypres) يحملون الذعر الى القاطنين المحليين ويملؤون الطرق بالمذعورين من جميع الاعمار ومن كلا الجنسين.

هابر وفريقه العلمي اختاروا غاز الكلورين لاسباب معدودة. فهو كان شائع الاستخدام في صناعة الاصباغ الالمانية وكان متوفرا بكثرة. كما انه لم يكن غاليا ومكلفا للانتاج ولا يستهلك مواردا كثيرة من انتاج الاسلحة التقليدية المطلوبة للحرب, بحسب گال من جامعة كولورادو. من ناحية عملية كان الكلورين اثقل من الهواء ومن الممكن ان يعوم على القطعات بدلا من الاختفاء في الجو. واخيرا, كان الغاز مهيجا فعالا للعينين والانف والرئتين والحنجرة. وبالتركيزات العالية, الضحايا المصابون يمكن ان يموتوا نتيجة  الاختناق.

هجوم الغاز اباد فصيلين فرنسيين, مكونا فجوة كبيرة من 5 اميال عرض و 2.5 ميل طول – في الخطوط الامامية للحلفاء, يقول بيت جيلينس (Piet Chielens), امين المتحف في متحف حقول فلاندرس (Flanders Fields Museum), في ايبر ان ان الجيش الالماني بدأ يتحرك في مواضع الفصيلين المبادين, يقول ان ما رأيناه كان موتا شاملا, وقد كتب جندي شاب اسمه ويلي سيبيرت رسالة لابنه قائلا (لا شئ كان حيا جميع الحيوانات كانت ميتة في جحورها.. بإمكانك ان ترى رجالا مزقوا وجوههم وحناجرهم في محاولة للتنفس وبعضهم اطلقوا النار على انفسهم).

ورغم النتائج تلك الا ان الجيش الالماني لم يكن يستطع الاستفادة من هجوم الغاز خاصته. ولا ان يتوقع اكثر من مجرد تجربة من ذلك, القيادة العليا الالمانية اسندت امر احتلال ايبر الى قوات غير كافية, يقول ميلاني مورين بيليتر (Mélanie Morin-Pelletier) مؤرخ الحرب العالمية الاولى في متحف الحرب الكندي في اوتاوا, اونتاريو: ثم حل الظلام, موقفا تقدم الالمان حيث لم يكن يثق الجنود بالتقدم في ظل عدم وجود حماية من الغاز يقول مورين بيليتيير ان الالمان كانوا خائفين من غازهم.

اثناء ذلك كانت القوات الكندية المرابطة اما معاندة او غير خائفة من الخطر الى الحد الذي يبعدها عن طريق المهاجمين, يقول ايد: لقد استمروا في مواضعهم ضد الجيش الالماني حتى قدمت قوات الحلفاء للانقاذ وتراجع الالمان.

 

سوابق الاسلحة السامة

 

قد يكون هجوم غاز الكلورين مفاجئا على الارض, غير ان الفكرة من  الحرب الكيمياوية ليست جديدة على الستراتيجيات العسكرية. الاسلحة الكيمياوية كانت مستخدمة منذ الف سنة: فقد تمت صناعتها في اليونان وتم استخدامها ضد جنكيز خان من قبل المغول وكذلك من قبل الناس في امريكا الجنوبية حيث كان يسممون سهامهم. كما ان السلاح الكيميائي والبيولوجي اعتبرت امرا وشيك الحدوث قبل 7 سنوات من بداية الحرب العالمية الاولى, حيث وقع كل من الانجليز والفرنسيين والالمان معاهدة ضد الاسلحة السامة.

اثناء الاسابيع الاولى من الحرب كسرت القوات البريطانية المعاهدة عندما طورت القنابل اليدوية للغاز المسيل للدموع ضد الجنود الالمان, رغم عواقبه البسيطة على الجنود. القوات الالمانية ايضا استخدمت الغاز المسيل للدموع ضد البريطانيين والروس في بداية الحرب. وكلتا المحاولتين فشلتا بسبب المشاكل التقنية: السموم لا يمكن ان تتبخر بالجو البارد غير انه من الجانب الاخر فهي قابلة للاحتراق بواسطة المتفجرات. قادة الحلفاء صاروا يستقبلون تقاريرا فيما بعد من الاسرى الالمان ومصادر استخباراتية اخرى ان هجوم الغاز الاكبر تم التخطيط له, غير ان مورين بيليتيير (Morin-Pelletier) يقول انهم لم يكن لديهم فكرة عن كيفية التحضير له.

رغم ان لفكرة استخدام سلاح كيمياوي سوابق, غير ان هجوم غازالكلورين في ايبر كان نقطة تحول؛ كان الاول من نوعه لاعداد سلاح كيمياوي بهذا الحجم لذلك يقول ايدوار سبيرس (Edward M. Spiers) في كتابه تاريخ الاسلحة الكيمياوية والبيولوجية (A History of Chemical and Biological Weapons) ان الالمان اعطوا للحلفاء ضربة دعائية إذ يقول ضابط الماني اسمه رودولف بينديك بعد هجوم غازالكلورين في ايبر “لست مسرورا من فكرة تسميم الناس. بالتأكيد فكل العالم سيثور ضدها بالبداية ولاحقا سيقلدنا الجميع.

خلال اشهر, انتقم الانجليز بهجوم اخر لغاز الكلورين في معركة لوس (Loos) في فرنسا. وحالما انتشرت الاخبار حول هجمات الغاز, اجتمع كيميائيوا الحلفاء من اوربا وامريكا الشمالية لاعداد برامج بحثية لانتاج الاسلحة الكيمياوية, مثل مركز بورتون داون للابحاث البريطاني  (Porton Down research center) وما صار يعرف بإسم الخدمات الكيميائية الحربية الامريكي (Chemical Warfare Service). ورغم ان المانيا كانت صاحبة المبادرة في حرب الغاز في اكثر الغازات السامة الشائعة الاستخدام في الحرب العالمية الاولى كالكلورين والفوسجين وغاز الخردل غير ان الحلفاء كانوا سريعا ما يلحقون بهم.

مخطط توضيحي للاسلحة الكيماوية المستخدمة في الحرب العالمية الاولى
مخطط توضيحي للاسلحة الكيماوية المستخدمة في الحرب العالمية الاولى

يقول گال (GAL) انه لمن المثير للدهشة كيف عرف الحلفاء ماهية السموم الجديدة واين توجد, لاسيما ان ذلك تم في غضون اسابيع, واحيانا ايام, وبعد ذلك, يقول, كان ذلك في عام 1915, قبل تقديم التجهيزات التحليلة المتقدمة.

رد الحلفاء السريع كان مرتبطا بمجموعة من الاشياء يشرحها أيد (Ede) ففي ذلك الوقت كانت المانيا تقود البحث العلمي الكيميائي في العالم. وكنتيجة لذلك فإن العديد من الكيميائيين العالميين قضوا وقتا من الدراسة والتدريب هناك. ولانهم كانوا هناك فقد عرفوا ما هو مستخدم في المعمل الكيميائي الالماني من فرنسيين وانجليز وامريكان وعرفوا ماهية المواد الكيميائية المتوفرة باليد والصالحة لان تستخدم كأسلحة, ولم يكن وقتئذ سوى عدد قليل من الدوريات العلمية التي يقرأها جميع هؤلاء.

 

تصاعد الدفاع

 

أمثلة لأقنعة الغاز المنتجة من قبل (من اليسار):  الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، المملكة المتحدة، و ألمانيا. (صورة)
أمثلة لأقنعة الغاز المنتجة من قبل (من اليسار): الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، المملكة المتحدة، و ألمانيا.

في ليلة الهجوم الأول، احد أوائل عمال الخطوط الأمامية الذي أدرك بأن الغاز هو غاز الكلورين كان العقيد جورج ناسميث (Lt. Col. George Nasmith) ، خبير الأنظمة الصحية من تورونتو (Toronto)، كما يقول مورين- بيليتير (Morin-Pelletier). الرجل لم يتم إدراجه كجندي بسبب قصره حيث كان طوله متراً و أربعين سنتمتر فقط، ولكنه أستطاع إقناع الجيش الكندي بالسماح له بإنشاء مختبر صغير في الخطوط الأمامية لغرض إختبار ماء شرب الجنود. قام بنشر الكلمة بأن الغاز السام هو الكلورين خلال أُمسية الهجوم، كما قال مورين – بيليتير(Morin-Pelletier)، و كذلك طبيب إسعاف ساحة المعركة الكابتن فرانسيس سيمكر(Francis Scrimger). قال لموظفيه بأن يتبولون على محارمهم الخاصة و يستخدمونها كغطاء للوجه عندما يدخلون للمناطق الملوثة من أجل إنقاذ الجرحى. كان سيمكر على دراية بأن الأمونيا الموجودة في البول ، مادة قاعدية، ستساعد بتحييد غاز الكلورين، الذي يتحول الى حامض قوي في داخل أنسجة الجسم.

” كان يُقال للجنود كذلك بأن ينقعوا المحارم و قطع القماش في الماء”، التي كانوا يضعونها على وجوههم خلال هجمات الغاز، كما يشرح مايكل فريمانتل (Michael Freemantle)، كاتب كتاب “حرب الكيميائيين: 1914- 1918 (The Chemists’ War: 1914–1918)” و كتاب ” غاز! غاز! بسرعة، يا شباب! كيف غيرت الكيمياء الحرب العالمية الأولى (Gas! Gas! Quick, Boys! How Chemistry Changed the First World War)”.  غاز الكلورين يذوب في الماء، لذا فإن قطع القماش الرطبة تساعد بإمتصاص الغاز الشديد العدائية من الجو قبل أن يتنفسه الجنود. هذه الدفاعات ساعدات بتقييد السلاح الجديد – وكانت خطوة ضرورية لأن الألمان كانوا ينشرون غاز الكلورين أكثر بخمس مرات مما أُستخدم في  ساحة المعركة قُرب أيبر (Ypres) في الأسابيع اللاحقة للهجوم الأول.

جنود يصلحون سلك هاتف بينما يحيط بهم الغاز السام اثناء التدريب. (صورة) Credit: Photo Library/CORBIS
جنود يصلحون سلك هاتف بينما يحيط بهم الغاز السام اثناء التدريب. (صورة) Credit: Photo Library/CORBIS

العديد من اقنعة الغاز كانت موزعة بين قطعات الحلفاء. اقنعة الخاز الاولى مثل كمامة فيل السوداء (Black Veil Respirator), تذكر بقناع باندت, كانت بدائية. قماش يغطي الجسد كله وعباءات من البلاستك النقي لو رآها احد من الشباك لظن ان هذه ازياء للاشباح.

ولكن تدريجيا, اخترعت كمامات اكثر تطورا. تلك الاغطية, المصنوعة من المطاط او القماش, والتي لها نافذة رؤية بلاستيكية وانابيب مرتبطة بقناع غاز لتصفية الهواء القادم. الفلتر في قناع الغاز كان شديد الاهمية, حيث كان على القناع تنقية جميع انواع السموم في ميدان المعركة.

 

جندي الماني وكلاب عسكرية يلبسون اقنعة واقية. (صورة) Credit: Bettmann/CORBIS
جندي الماني وكلاب عسكرية يلبسون اقنعة واقية. (صورة) Credit: Bettmann/CORBIS

اقنعة الغاز لها ثلاث مكونات رئيسية. الاول من الفحم والذي له تركيب عالي المسامات يسمح للهواء بالدخول وهو ايضا يحلل بعض الغازات السامة كالفوسجين. كما يحتوي الفلتر على مركبات معادلة للحوامض, ولاسيما هيدروكسيد الصوديوم والكالسيوم. واخيرا فهو يحتوي على مركبات مؤكسِدة مثل برمنكنات البوتاسيوم والصوديوم والتي تهاجم وتدمر العديد من السموم.

خلال عام من هجوم الغاز الاول, كان لدى الحلفاء اقنعة غاز تعادل بقوة حمايتها ما كان يرتديه الجنود الالمان, حسب فريمانتل (Freemantle).التحدي الاكبر لكلا الطرفين كان بضمان ان الجنود يرتدون اقنعة الغاز. يقول جيلينس امين متحف حقول فلاندرس التي حاق بها اول هجوم بالغاز (Chielens) لا اعلم ان كنت قد جربت ارتداء قناع الغاز ام لا ولكنه شئ خانق جدا وتشعر بأنك تختنق بجميع الاحوال. خبراء الجيش يعلمون ان الجنود لا يحبون ارتداء اقنعة حارة وثقيلة وغير مريحة وقد رأوا فكرة ان غازات تحتوي على الزرنيخ من الممكن ان تخترق الاقنعة. يقول گال (Gal)  ان الفكرة كانت بالقاء تلك العناصر بحيث يبدأ الجنود بالتقيؤ حيث سيخلع الجنود الاقنعة ويحرقون السم الحقيقي. ورغم ان تلك الخطة نوقشت بكثرة غير انه لا دليل على نجاحها بشكل جيد, حسب فريمانتل. وذلك لان المواد الكيمياوية الكيمياوية لم تخترق الاقنعة في اغلب الاحيان, او لان الزمن بين السموم لم يكن مضبوطا.

 

مقذوفات سامة

 

الجنود البريطانيين كانوا ضحايا لهجمات غاز الخردل
الجنود البريطانيين كانوا ضحايا لهجمات غاز الخردل

و أخيراَ، كلا الجهتين المتحاربتين في الحرب العالمية الاولى أيقنت بأن نشر الغاز السام من الاسطوانات كانت استراتيجية غير موثوقة. يقول ( Gal )” توقع الريح كان صعباَ للغاية”.كنتيجة، عدد هائل من اغلبية الاسلحة الكيميائية التي أًستخدمت خلال الحرب كانت قد نُشِرت بواسطة نوعا ما من القذائف المدفعية.

لكن وضع هذه السموم في القذائف تسبب ببعض مشاكل كبيرة، من الخطر على عمال المعمل الى الصعوبات التقنية لنقل الاسلحة الى الخطوط الامامية بدون تسريب، كما يقول (Gal). الاسلحة الكيميائية المحتوية على الهالوجينات، كمثال، هاجمت القذائف المحتوية على الحديد للمدفع الفولاذي. لمعالجة هذه المسألة،  يملؤ العمال حاويات القذيفة  بالرصاص، السيراميك، او الزجاج لمنع التاَكل، يشرح (Gal). يُقدِر المؤرخون بأن 35-66 مليون قذيفة مملوءة بالكيميائيات قد أطلقت سوية، يقول (Gal). ” هذا كثير من المقذوفات السامة”.

كما تطورت تقنية قناع الغاز، كلا الجهتين تحسنت بالنجاة من هجوم القذائف المدفعية المليئة بالسموم، و مرة أخرى كلا الجهتين وصلت لطريق مسدود. هذا، لغاية صيف 1917، عندما بدأت ألمانيا بإستخدام غاز  الخردل. خلال سنة، الحلفاء كانوا يستخدمون السم كذلك. عُرِف بـ ” ملك غازات الحروب”، غاز الخردل هو عبارة عن سائل دهني له القدرة على إختراق الجلد، المطاط، و اغلب المنسوجات. هذا السائل ينتج بخار سام  يفعل أكثر من إيذاء العيون، الانف، الحنجرة، و الرئتين، التي هي المناطق المستهدفة بالغازات و التي بالامكان حمايتها بواسطة القناع. غاز الخردل يستهدف الجلد كذلك و له ردة فعل مُطولة.

ضحايا غاز الخردل بوجوه ملفوفة ينتظرون وسيلة تنقل.
ضحايا غاز الخردل بوجوه ملفوفة ينتظرون وسيلة تنقل.

 

” الأعراض لم تكُن واضحة لغاية 12 ساعة”، كتب (John Ellis) في “العين العميقة في الجحيم: حرب الخنادق في الحرب العالمية الاولى (Eye-Deep in Hell: Trench Warfare in World War I)”. “لكن بعد ذلك بدء بتعفين الجسم، مع او بدون غاز الخردل”. تقرح الجلد، العيون اصبحت مؤلمة جداً و الغثيان و التقيؤ بدأ. الأكثر سوءاً، الغاز هاجم الشعب الهوائية مُجرداً أياه من الغشاء المخاطي. الألم تخطى القدرة على التحمل و في أغلب الحالات [الضحايا] رُبِطوا للسرير”.

غازات الخردل سببت حروق و تقرحات كيميائية، غالباً ما تكون في مناطق رطبة كالإبط.   Credit: Library & Archives Canada
غازات الخردل سببت حروق و تقرحات كيميائية، غالباً ما تكون في مناطق رطبة كالإبط. Credit: Library & Archives Canada

غاز الخردل تسبب بحصة الأسد من ضحايا الأسلحة الكميائية في الحرب العالمية الأولى. الضحايا  كانوا غالباً مؤقتاُ و أحياناً دائمياً عميان، و أحتاجوا أسابيع، أحيانا شهور، لكي يتحسنوا، و بذلك أثر سلباً على التجهيزات الطبية المتوفرة بالخطوط الأمامية. عندما قتل السم، “الموت طال لمدة  أربعة أو خمسة أسابيع”، لاحظ (Ellis).

كذلك ظل غاز الخردل مستمر لأسابيع في البيئة. من الممكن أن تكون القوات تسير  من خلال مناطق ملوثة، ولم يعلموا بأنهم يتعرضون للغاز. بعد العودة للخنادق أو الثكنات، بالأمكان تعريض جنود اَخرين للغاز بساعات عدة قبل أن تبدأ تقرحاتهم و أصابتهم بالعمى.

خاتمة الحرب

نصب الجندي المكتئب التذكاري يحيي ذكرى معركة ايبر الثانية (Ypres)، التي شُن فيها أول هجوم للغاز في الحرب العالمية الأولى
نصب الجندي المكتئب التذكاري يحيي ذكرى معركة ايبر الثانية (Ypres)، التي شُن فيها أول هجوم للغاز في الحرب العالمية الأولى

 

عندما أُعلنت الهدنة أخيراً في 11\11\1918 – ثلاث سنوات و نصف بعد أول هجوم بغاز الكلورين- 125000 طن من الغاز السام كان قد نُشِر من قِبل جميع الجهات المتحاربة، مع القليل من الفائدة الإستراتيجية.

أغلبية كبيرة من مؤرخي الحرب العالمية الأولى يجادلون بأن الأسلحة الكيميائية لم يكُن لها اَثار حاسمة على نتيجة الحرب. وفقاً لـ لودويك (Ludwig) إبن هابر (Haber)، مؤرخ، فإن الأسلحة الكيميائية كانت غير سلاح غير فعال و هدر للموارد. للعسكر الألماني، الغاز السام “لم يفُز لهم بأي معركة، ناهيك عن النصر”، كتب لودويك (Ludwig) في ” السحابة السامة: الحرب الكيميائية في الحرب العالمية الأولى (The Poisonous Cloud: Chemical Warfare in the First World War)”.

لكن خلال كارثة عقب ما بعد الحرب، كان لا يزال هناك بعض المعجبين البارزين بالأسلحة الكيميائية. ونستون تشرتشل (Winston Churchill) لم يفهم ” حساسية إستخدام هذا الغاز”. ناقش تشرتشل إمكانية إستخدام هذه الغازات لإزعاج العدو و نشر الرعب، و ليس بالضروري القتل. وِفقاً للكاتب فريمانتل (Freemantle)، “في تموز 1944، عندما كان [تشرتشل (Churchill)] وزير الدفاع، كتب مذكرة لدائرة الحرب طالباً فيها بإنقاع ألمانيا بالغاز السام”.

حتى موته في 1934، هابر (Haber) جادل كذلك لصالح الأسلحة الكيميائية، مؤكداً بإنها كانت أكثر أخلاقية من الأسلحة العادية. “الحرب الكيميائية بالتأكيد ليست أكثر فظاعةً من قطع الفولاذ الطائرة؛ من جهة أخرى، معدل الوفيات بسبب إصابات الغاز أقل،” لاحظ هابر (Haber) في 1919.

هابر (Haber) كان مٌحِقاً بأن الرشاشات، المواد الشديدة الإنفجار، والقذائف المدفعية تسببت بعدد أكبر من الضحايا و الموتى مقارنةً بالأسلحة الكيميائية: الغاز السام تسبب بأقل من 1% من إجمالي ضحايا الحرب العالمية الأولى و أقل من 2% من ضحايا الحرب الأمريكية. ” إستراتيجياً، الغاز السام لم يكُن فعالاً”، يقول تشيلينس (Chielens). ” ولكن من وجهة نظر الرجال الذين أُضطروا للعمل معه – و تعرضوا له – كان الغاز السام سلاح فظيع”.  كان تشيلينس ( Chielens) على دراية: عندما كان صبياً صغيراً في بلجيكا، كان يلعب في (Flanders Fields) و نشأ على سماع الجنود القدام المحليين يتحدثون عن الحرب العالمية الأولى. ” الرعب النفسي الذي تعرض له الجندي الأعتيادي كان هائلاً”، يقول تشيلينس  (Chielens). “هل سأكون قادراً على تحمل هذا؟” و “ولكم من الوقت سأستطيع الصبر؟” كانا من المشاعر الشائعة.

ملاحظة العامة عن الحرب الكيميائية بعد الحرب في المملكة المتحدة، ألمانيا، و الولايات المتحدة الأمريكية كانت سلبية. “يخاف الناس من الغاز بطريقة تجعلهم لا يخافون من الأسلحة الأعتيادية. أنا لا أعتقد بأن ذلك مبني على أي تحليل منطقي وفقاً لإحصائيات ساحة المعارك”، يقول إيد (Ede). ” أعتقد بأنه مبني على فكرة ما يمكن أن يعانيه الفرد على الصعيد الشخصي بسبب هجوم للغاز فقط. ملاحظة العامة هي بأن الغاز شرير”.

العديد من العسكر كذلك يؤيدون بأن الأسلحة الكيميائية شريرة. في الولايات المتحدة الأمريكية، بيتون مارتش (Peyton March)، مدير أعضاء الجيش في 1918، حاول حل خدمة الحرب الكيميائية (Chemical Warfare Service (CWS)) التابعة للولايات المتحدة الأمريكية لأجل أسباب إنسانية ولكنه فشل بعد ضغط ثقيل من قبل العديد من منتسبي المشاريع الكيميائية، يقول إيد (Ede).

بالنسبة للكيميائيين، “عرضت خدمة الحرب الكيميائية (CWS) أفضل الموظفين، و أكبر و أكثر المختبرات تمويلاً في أمريكا الشمالية”، يُلاحظ إيد (Ede). ” في المدة القليلة التي وُجِدت فيها خدمة الحرب الكيميائية (CWS)، كانت قد صرفت أكثر من $83 مليون” أو ما يعادل $1.1 بليون دولار أمريكي اليوم، يُلاحظ إيد. “و كانت لهذه المؤسسة القدرة على إنتاج 675 طن من العناصر الكيميائية المؤذية خلال إسبوع”. يقول إيد بأنها كانت مشروع مانهاتن (Manhattan Project) قبل مشروع مانهاتن الفعلي [مشروع مانهاتن هو مشروع أمريكا النووي الأول الذي تسبب بإنتاج القنبلة النووية الأولى].

مجلة الصناعة و الهندسة الكيميائية العلمية (Journal of Industrial & Engineering Chemistry)، التي نُشِرت من قبل الجمعية الأمريكية الكيميائية (American Chemical Society)، كانت الناطقة بلسان القوة الضاغطة لأسلحة ما بعد الحرب الكيميائية، يقول إيد (Ede). مُحرر المجلة العلمية، تشارلز ه. هرتي (Charles H. Herty) جادل كثيراً بأن ” الحرب الكيميائية قد جائت لكي تبقى”.

مقبرة لجنود فرنسيين من الحرب العالمية الأولى قُرب إيبر(Ypres)، بلجيكا، والتي ضمت بعض من ماتوا خلال هجمات الغاز الأولى  Credit: Sarah Everts/C&EN
مقبرة لجنود فرنسيين من الحرب العالمية الأولى قُرب إيبر(Ypres)، بلجيكا، والتي ضمت بعض من ماتوا خلال هجمات الغاز الأولى Credit: Sarah Everts/C&EN

 

حتى بعد عقد من إنتهاء الحرب العالمية الأولى، القوة الضاغطة لمؤيدي الأسلحة الكيميائية كانوا لايزالون يزدادون قوة. أحد الكيميائيين، هاري هولمز (Harry Holmes)، جادل في جريدة نيو يورك تايمز (New York Times) و مجلة العالم الأمريكي (Scientific American) بأن العامة سيكونون أقل خوفاً من الحرب الكيميائية لو كان بالأمكان تجربة تلك الأسلحة علمياً و بأن الدفاع ضد الهجوم الكيميائي كان أمراً سهلاً. “لقد أقترح هولمز رمي الغاز المُسيل للدموع على مدينة أمريكية صغيرة لإختبار فعالية تدريب دفاع الغاز”، يقول إيد  (Ede). “لم يجد هولمز(Holmes) أي متطوعين مستعدين لخوض هذه التجربة، و هكذا مقترحات فعلت القليل من أجل تطمين العامة، كذلك فعلت إنسانية مؤيدي خدمة الحرب الكيميائية (Chemical Warfare Service (CWS))”.

في النهاية، الكثير من الدول المتحالفة أستمرت بأبحاث الأسلحة الكيميائية، كـمحطة أبحاث بورتون داون (Porton Down research station) في المملكة المتحدة، و المركز الذي أصبح مؤخراً تحت مظلة الفيالق الكيميائية للجيش (Army’s Chemical Corps) في الولايات المتحدة الأمريكية. في غضون ذلك، في ألمانيا، أستمر هابر (Haber) بالبحث في الأسلحة الكيميائية خلال العشرينات من القرن الماضي، رغم أنه كان يعمل بالسر و بمخالفة مباشرة وصريحة لشروط إستسلام ألمانيا.

“لاحظ هابر (Haber) بعد الحرب بأنه لا يمكنك التفكير بالحرب القادمة بدون القلق من الأسلحة الكيميائية”، يقول إيد (Ede). كان هابر مُحقاً قطعاً هنا. اليوم، ورغم نشأة و توقيع معاهدات نزع الأسلحة الكيميائية كـ بروتوكول جينيف (Geneva Protocol) و إتفاقية الأسلحة الكيميائية (Chemical Weapons Convention)، الجيوش الوطنية و الإرهابيون سواسية أستمروا في إستخدام و نشر المواد السامة على الجنود و المدنيين.

لو أدرك هابر(Haber) بأنه فتح صندوق باندورا (Pandora’s box [صندوق يرمز للشر في الأساطير الأغريقية]) في 1915 و حس بالذنب تجاه ما فعل، لم يكُن ليقُل ذلك: حافظ هابر على رأيه بأن الحرب الكيميائية كانت سلاح أخلاقي في زمن الحرب حتى وفاته. بالتأكيد، كان يعلم بأن المحاولة لحذف سوابق الحرب الكيميائية سيكون بصعوبة إعادة غاز الكلورين في حاوية مدفونة في طين حقول فلاندرز ( Flander’s Fields [حقول فلاندرز هي منطقة في أيبر (Ypres)، بلجيكا، كانت أرض أول معركة أُستخدمت فيها الأسلحة الكيميائية]).

 

المصدر: هنا

———-

لقراءة كامل السسلة “مئة عام على الأسلحة الكيمياوية”

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

أنفوغرافك: “كيف غيرت الكيمياء الحرب العالمية الأولى”

أنفوغرافك: “الأسلحة الكيمياوية في الحرب العالمية الأولى”

 

عن Omar Meriwani

مطور ومهندس حاسبات متخرج من الجامعة التكنلوجية في بغداد ولاحقا من قسم الملتيميديا في معهد الدراسات العليا في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية ذو اهتمامات بالترجمة العلمية واللغويات والجماعات البشرية يترجم مقالات من مصادر متعددة احيانا ويجمعها في مقال واحد شامل للفكرة, ناشط في صفحات فيسبوك عديدة, يعمل في تطوير البرامجيات مع قدرة متوسطة في كافة اصناف تصميم الملتيميديا.

شاهد أيضاً

الحقيقة المخيفة حول ميمات الحرب العالمية الثالثة

بقلم: مولي روبرت ترجمة: سرى كاظم تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: اسماء عبد محمد غيوم …

الهرطقات الست الكبرى في القرون الوسطى ضد الكنيسة

بقلم: جوشوا مارك ترجمة: سيف داوود تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: اسماء عبد محمد أسست …