الرئيسية / إقتصاد / الأيام المظلمة في أوروبا، ما الذي سيجلب الأمل؟

الأيام المظلمة في أوروبا، ما الذي سيجلب الأمل؟

بقلم: أنتوني جيدنز 25 يناير 2012

الأزمة في أوروبا أزمةٌ وجودية. إنه سؤال عما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيبقى كيانًا معترفًا به. معروف بأن تاريخ الاتحاد الاوروبي متقلب، ولكنه سجل نجاحاتٍ كبيرةٍ في تاريخه حتى الآن. ولقد أوجد قارةً مقسّمةً في أعقاب الحرب العالمية الثانية وسقوط الإمبراطورية السوفييتية. وقد أحدثَت السوقُ الموحدة مستوياتٍ عاليةٍ من التجارة الداخلية والخارجية. وعزز الاتحادُ الأوروبي المشاريعَ الإنسانيةَ في جميع أنحاء العالم. ويرى منتقدون أن الدول قد ضحَّت بأجزاءٍ كبيرةٍ من سيادتها، ومع ذلك يرَدُّ على هذه الحجة أنه في ظل عالمٍ يتجه نحو العولمة؛ بتجميع الدول لمناطق سيادتها تكتسب مزيدًا من السيطرة على شؤونها عما كان يمكن أن يحدث خلاف ذلك.

 

هل هناك أمل أن يبقى الاتحاد الأوروربى على قيد الحياة، بل وأن يزدهر, في أيام تبدو مظلمةً؟ يجب الاعتراف بأن أسباب الأزمة كثيرة. يذهب البعض إلى أبعد من أوروبا – كالطبيعة المضطربة للاقتصاد العالمي -، في حين يتلمس البعض الآخر الإخفاقات. إن الاتحاد الأوروبي يسير ببطءٍ، وغير مجهز للتعامل مع الظروف التى تتطلب اتخاذ إجراءاتٍ عاجلة وفورية.

 

ركزت معظم المناقشات على حقيقة أن اليورو قد تأسس دون احتياطٍ ماليٍّ أو مُقرِضٍ كملاذٍ أخير. وبنفس القدر من الأهمية؛ فإن التقارب الاقتصادي الذي كان من المفترض أن يحدث بين الدول الفقيرة والغنية لم يحدث. كما أن جدول أعمال (لشبونة) – الذي يهدف إلى جعل الاقتصاد الأوروبي الأكثر قدرة على المنافسة في العالم – قد تجاهلته البلدان التي تحتاجه، خاصة دول الجنوب. وبدلًا من دفعِ المعاشات والرعايةِ الصحية وإصلاحاتِ سوق العمل على سبيل المثال؛ قامت الحكوماتُ بكل بساطة بالاقتراض من أجل الوفاء بالتزاماتها. كما زاد الأمرَ التفككُ بين الشمال والجنوب بالإضافة إلى الإقتصاد الألماني الذي أصبح أكثر إزدهارًا.

 

قائمة المشاكل التي يواجهها الاتحاد الأوروبي ضخمةٌ حقًا. ليس من الغريب هذا الالتباس السائد وسفر المواطنين خارج الاتحاد. القومية آخذة في الازدياد مرة أخرى في جميع أنحاء أوروبا. ما سبب وجود الأمل؟ على خلاف ما هو متوقع؛ يكمن الأمل في جزءٍ كبير من تجربة صدمة الأزمة نفسها، فهناك الكثير من الابتكارات الفورية والجذرية التي تفتح في مثل هذه الحالات أكثر بكثير مما تكون عليه في أوقات أكثر هدوءًا.

 

يجب الاستجابة العاجلة لمشاكل اليويو على المدى القصير. دعونا نفترض – ربما مع جرعة من المساعدة الخارجية – أن اليورو سيبقى, وهو ما يبدو مرجحًا إلى الآن، فأفضل نتيجة لهذه المرحلة لمنطقة اليويو – على عكس ما يزعم الآخرون – هي الحفاظ على عضويته الكاملة مع 17 دولة، بما في ذلك اليونان إذا كان ممكنًا. في الواقع قد تكون الطريقة الوحيدة التي يمكن تحقيقها في البلدان المكافِحة مع بعض التحسينات.

 

أجري مرصد اليورو (Euro Plus Monitor) دراسةً تفصيليةً حديثة أشارت إلى أن التقارب الذي لم يحدث عندما تم إدخال اليورو لأول مرة؛ يحدث الآن بسرعة كبيرة. تصنِّف البحوثُ دولَ منطقة اليورو ضمن الدول التى يتأقلم اقتصادُها من حيث الصحة الإقتصادية الشاملة والسريعة. في حين صُنَّفَت دولٌ كالبرتغال وأيرلندا واليونان وإسبانيا ضمن الست دول الأوائل ذات الإصلاحات الشاملة، حيث يقومون الآن بفتح أسواق عملٍ ورفع سن التقاعد وتبسيط الأجهزة الحكومية الباهظة والحد من التهرب الضريبي. وكما أظهر العرض السابق للبلدان الأكثر نجاحًا؛ مثل هذه التغيرات هى شرط الحفاظ على نشاط الدولة، وهو ما يُعرف بـ«النموذج الاجتماعي الأوروبي».

 

اليونان بدورها هي أدنى 17 دولة من حيث الوضع الاقتصادي العام, لكنها في المرتية الثانية من حيث درجة التكيف في اقتصادها. ويطالب القائمون على الدراسة بضرورة تحريك النقاش الأوروبي بعيدا عن التقشف على المدى القصير تجاه إصلاحات طويلة الأجل لتعزيز الثروة. لنأخذ اليونان كمثال, يقولون أن المساعدة الخارجية وإعادة تشكيل الهيكل الداخلي ينبغي أن يركزان على خلق فرص الاستثمار وفتح أسواق جديدة. واستنتج الباحثون من خلال مراقبة ذلك؛ أنه في حين ستكون هناك فترة من المعاناة بلا شك؛ إلا أن البلدان الواقعة في منطقة اليورو قد تصبح أقوى من الولايات المتحدة واليابان, حيث لا تقدمان مثل هذه الإصلاحات.

 

وقد ذكر العديد من الدول الأعضاء عزمهم على الانضمام إلى منطقة اليورو إذا تم التغلب على مشاكلها الحالية. وستكون المملكة المتحدة جزءًا من المجموعة الصغيرة التى تقف جانبًا. وقد لاحظ وزير الخارجية البولندي راديك سيكورسكي (Radek Sikorski) أن إجمالي العملة الذهبية البريطانية وديون الشركات والأسر يمثل عدة مئات في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ويسأل: «هل تظنون أن الأسواق سوف تحبذك دائما؟»، هذا السؤال سيكون على حكام بريطانيا أن تفكر فيه جيدًا؛ إذا بقي اليورو وقام بالاتساع.

 

وماذا عن مصير الديمقراطية في كل هذا؟ أولئك الذين من المفترض أن ينقذوا الاتحاد الأوروبي، (أنجيلا ميركل) و(نيكولا ساركوزي) جنبًا إلى جنب مع التكنوقراطيون في اليونان وإيطاليا، قد تجاوزوا جهات صنع القرار في الاتحاد إلى حد كبير. وقد اشتكى الفيلسوف الشهير يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) بمرارة أن العمليات الديمقراطية قد تهدمت, وهو ما يبدو أنه قد حدث بالفعل. ومع ذلك؛ فإن أكبر تهديد للديمقراطية في هذه المرحلة سيكون انهيار اليورو، والفوضى التي من شأنها أن تترتب على ذلك.

 

يجب تحقيق استقرار لليورو على المدى الطويل، بحيث يكون جسرًا للتغيير وحافزًا للخيال. ينبغي تشجيع مناظرة جديدة في جميع أنحاء أوروبا حول كيفية التغلب على القيود التقليدية المفروضة على الاتحاد الأوروبي. إن المنظمة المشغولة بالترويج للديمقراطية في العالم؛ تعاني هي نفسها من عجز في اليدمقراطية.

المصدر: هنا

عن Ali Adham

شاهد أيضاً

الاقتصاد الأوروبي ينمو بينما الانبعاثات تنخفض

ترجمة : سهاد حسن عبد الجليل تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: أسماء عبد محمد إن …

الجريمة والاقتصاد في حقبة مارغريت تاتشر  

نشر في: موقع “ذي أوبزيرفر” بتاريخ: 27 أبريل 2019 الكاتب: جيمي دوارد ترجمة: مازن سفّان …