الرئيسية / فكر وفلسفة / البوذية: فلسفة ام دين؟

البوذية: فلسفة ام دين؟

كتبه ل(بيغ ثينك): ديريك بيرز
منشور بتاريخ: 17/4/2018
ترجمة: احمد طريف المدرس
تدقيق: ريام عيسى
تصميم الصورة: مينا خالد

يقول (سام هاريس): “إذا ما حللنا البوذية اعتماداً على علوم الاعصاب والنفس الحديثة، سنجد أن البوذية نظام فلسفي معقد صممه رجل يملك رؤية وقدرة كبيرة على التحليل النفسي، وسنجد فلسفة استمرت اكثر 2400 عام.”
وبالفعل مهدت البوذية الطريق لكثير من العلوم الحديثة وهذا ما ميزها عن باقي المعتقدات، ويتساءل العديد من المفكرين المعاصرين، بما فيهم (سام هاريس) و(ستيفن باتشيلور) عما إذا كان الإيمان ضرورياً لفهم البوذية. ولطالما حاول بوذا تجنب هذا السؤال. يقول (ستيفن باتشيلور):“بدلاً من إنشاء دين، قام داهارما غوتما بتمهيد الطريق لحضارة“. استهدفت تعاليم بوذا العالم كله متجاوزة العوائق القبلية، فلم تكن تعتمد على الجنس أو العرق، وكان الرهبان والراهبات في علاقة تعاونية مع العامة، حيث يقدم الرهبان منفعة روحانية بينما وفر لهم عامة الناس الطعام والمال. يمكن لأي شخص المشاركة في الأركان الثلاثة التي تعتبر أساس البوذية، إما مدى الحياة، أو لموسم واحد كما في بعض الدول (مثل اليابان)، وتشمل هذه الأركان: الإيمان بالدارما (وهي تعاليم بوذا)، والإيمان بسانغا (وهو المجتمع البوذي)، واخيراً الإيمان بالمعلم بوذا.
ولكن إذا كانت البوذية فلسفة وليست ديناً، كيف يمكن أن تكون بحاجة لإيمان؟ في الواقع هناك فرق كبير بين الطريقة التي عامل بها بوذا الدين، وبين ممارسات متبعيه، كان بوذا مشككاً بالأديان الهندية المحيطة به، حيث نشأت البوذية بفضل تشكيك بوذا المستمر بالعادات والسلطات الروحية. فقد ترك أثنين من معلمي اليوغا بعد ما طلبوا منه الإيمان بمعتقداتهم دون أن يخوض أي تجارب بشكل شخصي. ولذلك يعتمد الإيمان في البوذية على التجربة والمنطق، وليس على الآمال السطحية والتمني.
عملياً تعتبر البوذية ديناً. وفي عام 2010 سجل حوالي 488 مليون بوذي، يمثلون 7 في المائة من سكان الكوكب. و ينتشرون في آسيا بالمرتبة الاولى ب 481 مليون بوذي(خاصة في الصين وتايلاند واليابان وميانمار)، ثم أمريكا الشمالية في المرتبة الثانية بأربعة ملايين.
تتشابه البوذية مع الديانات الأخرى بناحية الميتافيزيقيا. ويعتبر (الابهيدارماكوسا) أحد أهم النصوص البوذية الميتافيزيقية. والتي تتضمن حديث مباشر بين بوذا والآلهة. ورغم كل هذا لا يوجد تداخلات بين البوذية والعلم الحديث. كما نجد (اغونا سوتا) وهي اسطورة بوذية تدعي أن الالهة تعيش على منحدرات وقمم جبال، وأحد أجزاء هذه الجبال مصنوعة من اللازورد وبحسب الاسطورة هذا هو السبب وراء زرقة المحيطات. وتعادل السنة للالهة مئة سنة بشرية. وكل الالهة تملك الف سنة (مئة الف سنة بشرية) حتى تموت.
من ضمن 14 سؤال رفض بوذا الإجابة عليها، رفض بوذا تحديد ما إذا كان للكون بداية أو نهاية. و تعتبر فكرة الولادة من جديد من اكثر الافكار اثارة للجدل. حسب البوذية، خلال دورات الوجود، يمكن أن تولد(من جديد) إله أو نصف اله أو إنسان أو حيوان أو شبح أو ان تولد في الجحيم. بينما يزيد فعل الخير خلال حياتك من احتمال أن تولد من جديد إلها، وبهذه الحالة ستملك وعياً بدون شكل مادي وهذا على تناقض مباشر مع فهمنا الحالي للوعي.
وهناك أوجه كثيرة تتشابه بها البوذية مع باقي الاديان. حيث تحتوي البوذية على بعض المحرمات كما تحتوي على صلوات معينة، بل ويوجد حتى طرق للنصب والاحتيال، حيث توجد عصبة في الحي الصيني في مدينة نيويورك تستنزف أموال الآباء والأجداد الحساسين من أجل زيجات الاشباح. ووفق البوذية تعيش الأشباح تحت سطح الكوكب، وتوثر عشوائياً بالشؤون الإنسانية. ووحدهم الرهبان الذين يتمتعون بقدرات فائقة يستطيعون اكتشافهم. رغم تجنب بوذا الكلام عن بداية الكون أو نهايته، مايزال علم الكونيات البوذي متشابك ومعقد. حيث يوجد في البوذية ثمان درجات من الجحيم الباردة ومثلها ساخنة، و يمكن أن تعاقب فيها لملايين السنين إذا قتلت أمك أو أبوك أو أرهات (كائن مستنير يحقق السكينة عند الموت)، أو إذا جرحت بوذا أو تسببت بمشاجرة بين الرهبان والراهبات.
تسمى البوذية احيانا بديانة الكتب حيث لا يوجد كتاب يمثل كامل تعاليم بوذا، فهو يشبه الى حد ما الإنجيل الذي كتب من قبل العديد من الاشخاص على مدار قرون.

هل البوذية ديانة؟
مثل ديانات العالم الأخرى تقدم البوذية مجموعة من القواعد الأخلاقية التي يجب اتباعها، كما تقدم عدد من الممارسات المستخدمة لغرس التعاطف والهدوء في الحياة، كما تملك نظام الميتافيزيقيا الخاص بها. (الحياة بعد الموت- السماوات والجحيم )، و مثل باقي الأديان فإن للبوذية النظام الصوفي الخاص بها. ولكن للبوذية وضع فريد في تأثيرها على العلمانية المتنامية في العالم. ولهذا، لدينا الكثير لنتعلمه منها. يقول الكاتب (بانكاج ميشرا): “مثل اي نوع من التدريب الذهني، فإن نظام التأمل يزود الفرد طرداً بحس جديد. ويظهر له كيف أن الرغبة في الأشياء العابرة وغير الجوهرية تؤدي إلى المعاناة”. فبدلاً من الرغبة في حياة الآخرة، فإن تركيز البوذية يتمحور على اللحظة الحالية. وتعتبر السانغا أكبر مجموعة من الأفراد تتشارك بمنظورها حول الرغبة، التي يعتقدون أنها أصل المعاناة وأن تراكم تصرفاتك يؤثر على العالم الذي نعيش فيه جميعا. حيث تتفاعل المسؤوليات الشخصية والدينية الاجتماعية، بالإضافة الى أن تصرفاتك خلال الحياة قد تؤدي إلى عواقب أليمة (كارما)، وهكذا تساعد البوذية على مواجهة مشاكل الحياة. وتتميز البوذية بانها ليست قبلية، حتى وإن تم اقحامها في صراع بعض المجموعات.

المقال باللغة الانجليزية: هنا

عن Alaa Abdel Ameer

شاهد أيضاً

الإرادة الحرة.. حقيقة أم أسطورة ليبرالية؟

ترجمة: آمنة الصوفي تصميم الصورة: أحمد الوائلي في عام 2016 هيمنت على العالم مفاهيم الليبرالية …

جوردان بيترسون وقصة برج بابل

كتبه لموقع “ناشونال كاثوليك ريجيستر”: كريستوفر كاكزور* نشر بتاريخ: 12/9/2018 ترجمة: إبراهيم العيسى تدقيق: أمير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *