الرئيسية / أجتماع / التفسير المحتمل لوباء التعاسة

التفسير المحتمل لوباء التعاسة

كتبه للكونفورزيشن: جين توينغ
منشور بتاريخ:23/1/2018
ترجمة: آلاء عبد الأمير
تدقيق: نعمان البياتي
تصميم: حسام زيدان

نودّ جميعاً أن نكون أكثر سعادة، لكن المشكلة تكمن في إن أغلب أسباب السعادة تقع خارج سيطرتنا؛ بعضنا مستعدّ جينياً لرؤية العالم من منظور متفائل، بينما يمتلك آخرون نظرة عامة سلبية عنه، فهناك حوادث سيئة تحدث لنا وللعالم، ويمكن للناس أن يكونوا قُساة، والوظائف أن تكون مُضجرة.
إلا إننا نمتلك بعض التحكم بطريقة إنفاقنا لأوقات فراغنا، ويُعد هذا أحد الأسباب التي يصبح بموجبها السؤال عن ارتباط نشاطات وقت الفراغ بالسعادة أمراً يستحق الاهتمام.
قمتُ وبالتعاون مع أحد زملائي بتحليل بيانات مليون مراهق من الولايات المتحدة، مُلقين نظرةً على كيفية قضاء أولئك المراهقين لأوقات فراغهم، وأياً من تلك النشاطات ترتبط بالسعادة. كنّا نرغب بمعرفة إن كان بإمكان التغيرات التي طرأت على طريقة قضاء المراهقين لأوقات فراغهم، تفسير الانخفاض المُفزع لمعدلات السعادة عند المراهقين بعد 2012، وربما تفسير تراجع نفس المعدلات لدى البالغين منذ عام 2000.
ظهور جانِ محتمل
قمنا في هذه الدراسة بتحليل البيانات من استطلاع وطنيّ خضع له طلاب الصفوف الثامنة والعاشرة والثانية عشر، وكان يتم إجراء هذا الاستطلاع سنوياً منذ عام 1991.
في كل عام يتم سؤال المراهقين عن سعادتهم بشكل عام، وعن كيفية قضاءهم لوقتهم، فوجدنا أن المراهقين ممن يمضون وقتاً أكبرَ في رؤية أصدقائهم بصورة شخصية، أو ممارسة الرياضة، أو أداء الخدمات الدينية، أو القراءة، أو حتى القيام بالواجبات المنزلية، أكثر سعادة، بينما المراهقون ممن يمضون وقتهم في تصفح الإنترنت، أو لعب الألعاب الإلكترونية، أو على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تبادل الرسائل النصية، أو استخدام محادثات الفيديو، أو مشاهدة التلفاز، هم أقل سعادة.
بعبارة أخرى، كل نشاط لا يرتبط بشاشة كان يؤدي لسعادة أكبر، وكل نشاط مرتبط بشاشة يؤدي لسعادة أقل. وكانت الاختلافات كبيرة: فالمراهقون ممن يمضون أكثر من خمس ساعات يومياً على الإنترنت ينخفض معدل سعادتهم إلى النصف عن أولئك ممن يمضون أقل من ساعة في اليوم.
بالطبع يمكن اعتبار أن الأشخاص غير السعيدين يتجهون إلى الأنشطة التي تتضمن الشاشات، لكن عدداً متزايداً من الدراسات تُظهر أن العلاقة السببية تتجه من استخدام الشاشات إلى قلة السعادة وليس العكس.
في إحدى التجارب كان الأشخاص ممن تم تعيينهم بشكل عشوائي للتخلي عن فيسبوك لمدة أسبوعٍ بالنتيجة أكثر سعادة، وأقل وحدة، وأقل اكتئاباً من أولئك الذين واصلوا استعماله، وفي دراسة أخرى، كان الشباب ممن تخلّوا عن حسابات فيسبوك لدواعي العمل أكثر سعادة من الذين احتفظوا بحساباتهم على الموقع، بالإضافة لكل ذلك، أظهرت دراسات طويلة الأمد أن الوقت الذي نقضيه مع الشاشات يقود لقلة السعادة، لكن قلة السعادة لا تقود لوقت أكبر مع الشاشات.
وإذا رغبتَ بإعطاء نصيحة بناءً على هذا البحث فستكون بسيطة جداً: أترك هاتفك أو جهازك اللوحيّ، واذهب لفعل شيءٍ ما، أيّ شيء.
ليس المراهقون فحسب
هذه الروابط بين السعادة واستخدام الوقت أمر يدعو للقلق، فالجيل الحاليّ من المراهقين (الذين أسميهم “أي جين” في كتابي الذي يحمل ذات الاسم) يقضون وقتاً أكبر مع الشاشات من أي جيل سبقهم، كما تضاعف الوقت الذي يمضيه الناس على الانترنت بين عاميّ 2006-2016، وتوجد نسبة 82% من طلاب الصف الثاني عشر اليوم يستعملون وسائل التواصل الاجتماعي بصورة يومية (كانت النسبة 51% في عام 2008).
مما لا شك فيه إن سعادة المراهقين شهدت هبوطاً مفاجئاً بعد 2012 (العام الذي امتلك فيه أغلب الأمريكيين هواتف ذكية)، وانخفضت كذلك ثقة المراهقين بأنفسهم وشعورهم بالرضى عن حياتهم، وبالأخص شعورهم بالرضى مع أصدقائهم، كما انخفض كمّ المتعة التي يحضون بها؛ هذا التراجع في الرفاهية يعكس ما وجدته دراسات أخرى من ارتفاع حاد في مشاكل الصحة النفسية بين أفراد (أي جين)، تشمل أعراض الاكتئاب، والاكتئاب الحاد، وإيذاء النفس، والانتحار، خصوصاً إذا ما أجرينا مقارنة مع جيل الألفية المتفائل والإيجابي، نجد أن (أي جين) هو أقل ثقة بالنفس وأكثر اكتئاباً بشكل ملحوظ.
وقد يحدث أمر مشابه للبالغين: فقد وجدنا أنا وزملائي أن البالغين ممن يتجاوزون الثلاثين من العمر أقل سعادة عما كانوا عليه قبل 15 سنة، وأنهم يمارسون الجنس بشكل أقل؛ قد تتعدد الأسباب الكامنة وراء ذلك، لكن البالغين يمضون وقتاً مع الشاشات أكثر من ذي قبل أيضاً، مما يعني تقلص الوقت الذي يمضونه بشكل شخصي مع الآخرين، من ضمنهم الشركاء الجنسيين، والنتيجة: جنس أقل وسعادة أقل.
وعلى الرغم من أن معدلات السعادة لدى المراهقين والبالغين انخفضت خلال سنوات البطالة وسط الركود الكبير (2008-2010)؛ إلا أن السعادة لم تنتعش بعد 2012، حين كان الاقتصاد يتحسن بشكل تدريجي، وبدلاً من ذلك استمرت معدلات السعادة بالهبوط فيما كان الاقتصاد ينمو، مما يجعل إلقاء اللوم على الاقتصاد بعد 2012 أمراً غير ممكن.
قد يلعب عدم المساواة في الدخل دوراً بين البالغين بشكل خاص، لكن لو كان الأمر على هذا النحو لكان من الأجدر توقع حصول انخفاض مستمر في مستويات السعادة منذ ثمانينات القرن الماضي، حين بدأ التفاوت في مستوى الدخل بالازدياد، وبدلاً من ذلك نلاحظ تراجع هذه المستويات مع عام 2000 لدى البالغين، وعام 2012 لدى المراهقين، مع ذلك من المحتمل أن يكون القلق بشأن سوق العمل والدخل قد وصل لأقصاه مع نهاية عام 2000.
من المدهش إلى حد ما أن نجد المراهقين ممن لم يستخدموا الوسائط الرقمية على الإطلاق هم أقل سعادة بقليل من أولئك الذين يستخدمونها بشكل قليل (أقل من ساعة يومياً)، كما تتناقص السعادة مع كل ساعة إضافية، وهكذا كان المراهقون ممن يستعملون الأجهزة الرقمية لفترة زمنية محددة الأكثر سعادة.
فالإجابة إذن ليست في التخلي عن التكنولوجيا بشكل نهائي، بل في القول المأثور: “افعل الأشياء باعتدال”، استعمل هاتفك لجميع الغايات الرائعة التي صُمم لأجلها، ثم ضعه جانباً وافعل شيئاً آخر.
لربما تصبح أكثر سعادة هكذا.
المقال باللغة الانجليزية: هنا

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

القضاء على الفقر المدقع في شرق اسيا ومنطقة المحيط الهادي 

ترجمة: سهاد حسن عبد الجليل تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   في …

عملية هدم الحضارة

ادريان ولدرج يرثي انهيار منظومة العادات والاعراف    بقلم : ادريان ولدرج ترجمة: سهاد حسن …