الرئيسية / أجتماع / هل الحضارة مبالغٌّ في تقديرها؟

هل الحضارة مبالغٌّ في تقديرها؟

لماذا يعتقد مُنظّر سياسي بارز أن الحضارة مبالغٌّ في تقديرها
كتابٌ جديدٌ يتحدى طريقة تفكيرنا حول تقدّم البشرية
هل الحضارة في صالحنا؟ هل جعلتنا أسعد حالاً؟
كتبه لموقع (ڤوكس): شون إيلينغ
بتاريخ: 15 شباط 2018
ترجمة: أحمد حازم سلطان
تدقيق: أحمد نُعيم
تصميم:حسام زيدان

خُلاصة ما توصل إليه الكتاب الجديد الذي وضعه (جيمس سكوت)، أستاذ العلوم السياسية والأنثروبولوجيا في جامعة ييل، هي أنّ الجواب عن سؤال ”هل الحضارة في صالحنا؟“: نعم، لكن الأمر معقد، أما سؤال ”هل جعلتنا أسعد حالاً؟“ فالجواب عنه: أنّ الأمر أكثر تعقيدًا.
في كتابه الصادر بعنوان: “عكس هو سائد: تاريخ عميق لأقدم الدول”، يستكشف سكوت لماذا قررت البشرية التحول من نمط حياة الصيد والجمع إلى نمط حياة زراعي أكثر استقرارًا قبل ما يقرب من 12000 سنة. الحكاية السائدة هي أن البشرية تخلت عن الصيد والجمع بمجرد اكتشاف الزراعة، لأنها جعلت الحياة أسهل وأكثر أمنًا.
لكن سكوت يقول إنّ هذا ليس صحيحًا تمامًا. ويضيف أن البشرية أمضت آلاف السنين للحفاظ على نمط حياة الصيد والجمع. بالطبع فإن الاستقرار في مجتمعات زراعية وفر أساسًا للدولة الحديثة من خلال السماح لعدد كبير من الناس بالعيش في مكان واحد لفترات طويلة من الوقت، ولكنه أدى أيضًا إلى انتشار الأمراض وأرغم الناس على التخلّي عن الحرية التي يمثلها نمط حياة التنقل الدائم لصالح ازدهار نمط حياة حديثة.
إن الحكاية التي نرويها عن تاريخ البشرية هي بمثابة سرد خطي يستند في الأساس إلى التطور الأخلاقي والتقني. هناك حقيقة وراء هذه الحكاية، كما أنها منطقية على المدى الطويل، لكن سكوت يقول إن التضحيات التي قُدمت على طول الطريق قلما يُدركها الإنسان.
لقد تحدثت معه مؤخرًا عن تلك التضحيات، وعما يُساء فهمه غالبًا حول الحضارات الأولى. يرى سكوت أن ثمن الحضارة -على صعيد الفرد والبيئة- كان أغلى مما نعتقد.
فيما يلي نص حديثنا، وهو منقول بتصرّف للإيضاح
شون إيلينغ
هل كانت الحضارة في صالح البشرية؟
جيمس سكوت
كثيرٌّ مما اعتقدت أني فهمته عن الحضارات الأولى، وعن الرجال والنساء في مرحلة ما قبل العصر الحديث، كان مجرد خطأ. لقد حاولت تقديم رواية مضادة تشير إلى أن استزراع الحبوب منذ قرون لم يفضِ مباشرة إلى عيش البشر في مجموعات كبيرة في مكان واحد لفترات طويلة من الزمن، كما نفعل الآن.
لقد تبين أن هذا النوع من الزراعة التي مارسها البشر في وقت مبكر كان مرهقًا وشمل قدرًا هائلاً من العمل. كانت الحضارات الأولى شاقة للغاية والأماكن لم تكن صحية، وهو ما أدى إلى ظهور معظم الأمراض المعدية الأولى والتي ما زلنا نعاني من كثير منها. وأفرزت هذه الحضارات الدول القسرية الأولى والتي استعبدت البشر وقمعت أعدادًا كبيرة من الناس.
الآن، هذا لا يعني أن الدولة الحديثة منذ الثورة الفرنسية ليست الأساس للحرية والاضطهاد على حد سواء، لكنه يعني أن الدول الأولى لم تُحرز بأي حال من الأحوال تقدمًا بسيطًا على صعيد الرفاهية أو الحريات أو التحرر أو الخدمات.
شون إلينغ
يمكننا أن نعود إلى تلك النقطة الأخيرة حول ما فقدناه من حيث الرفاهية والحريات، ولكن قُل لي أولاً ما الذي كنت قد أسأت فهمه -في البداية- حول الحضارات الأولى – والذي ربما يسيء الكثير منا فهمه أيضًا.
جيمس سكوت
أمران: أولهما تلك القصة السائدة وهي أننا بمجرد أن استزرعنا النباتات، انتقلنا على الفور إلى مجتمع زراعي حتى نتمكن من البقاء في المكان ذاته. كما يفترض الناس أنه قبل الثورة الزراعية، اُضطر البشر إلى الترحال بحثًا عن الطعام والصيد. إلا أن هذا ليس صحيحًا تمامًا. فقد مرت 4000 سنة بين أول دليل ثابت على استزراع النباتات والحبوب وبداية المجتمعات الزراعية الحقيقية والتي تعتمد في معيشتها -إلى حد كبير- على الزراعة.
الأمر الثاني والذي لم يخطر لي على بال، كان هذا الافتراض بأنه لم يكن بمقدورنا الانتظار لنستقر، وأن ذلك كان جزءًا من التقدم الحتمي للبشرية. هذا ليس صحيحًا على الإطلاق، ومن المؤكد أن الأمر كان من الممكن أن يسير في منحى آخر.
والحقيقة هي أن البقاء في مكان واحد -الذي أجبرتنا عليه الحضارة- لم يكن صحيًا تمامًا بالنسبة لنا، وكان أسلافنا قد قاوموه بكل ما أتوا من قوة لفترات طويلة.
شون إلينغ
لذا لم يكن نشوء الزراعة، التي شكلت أسس للحضارة الحديثة، موضع ترحيب من قبل البشر في ذلك الوقت. ما الذي كانوا يقاومونه؟ وما كانت رؤيتهم؟
جيمس سكوت
حسنًا، عليك أن تتذكر أنه في أماكن مثل بلاد ما بين النهرين، عاش الناس في أماكن كالفردوس بالأراضي الرطبة، مع مستويات مياه أعلى بكثير مما هي عليه اليوم وهجرات متنوعة من الثديات والطيور والأسماك؛ مما خلق مجموعة غنية جدًا من النظم البيئية. كان لدى أولئك البشر وفي وقت مبكر، مجموعة متنوعة من المصادر النباتية والحيوانية والسمكية للبقاء، والحصول على جميع احتياجاتهم من البروتين لم يتطلب سوى وقت ضئيل من العام.
شون إلينغ
كان البشر ممن يعيشون على الصيد وجمع الثمار أكثر صحة من أولئك الذين انتقلوا إلى نمط الحياة الزراعية الأكثر استقرارًا – على الأقل في البداية.
جيمس سكوت
صحيح، كان نظامهم الغذائي متنوعًا للغاية، أي أنه صحي للغاية. حتى أنك عندما تعثر على عظام البشر ممن توفوا في ذات الوقت، وأردت معرفة ما إذا كانوا جزءًا من مجتمع زراعي أو ممن اعتمدوا في معيشتهم على الصيد، والتقاط وجمع الثمار؛ يمكنك معرفة ذلك لأن هياكل الصيادين وجامعي الثمار أكبر بكثير، لأنهم عانوا من فترات تأخر أقل في النمو، كما أن عظامهم لم تظهر تقريبًا أي من علامات سوء التغذية، في حين كان الناس في الحضارات الزراعية أقصر قامة وأضعف عظامًا وأسنانًا. كما أنك ترى أدلة على أنهم قد عانوا من فترات تأخر في النمو، ويرجع السبب في ذلك إلى نقص البروتين لنوع واحد أو آخر.
من الواضح أن الناس ممن عاشوا خارج تلك الحضارات المعتمدة في غذائها على الحبوب كانوا أكثر صحة ممن كانوا بداخلها.
شون إلينغ
يميل الناس للتفكير في التاريخ البشري بوصفه تقدمًا مطردًا، وهذا صحيح إلى حد كبير، لكنه أيضًا أكثر تعقيدًا من ذلك.
جيمس سكوت
حتى اليوم، هناك فكرة أن الحياة في ظل الحضارة هي أيسر وتوفر المزيد من الرفاهية، إلا أن الصيادين وجامعي الثمار أمضوا حوالي 50% من وقتهم في إنتاج ما يحتاجونه للبقاء أو البحث عنه. فالفكرة القائلة بأن الصيادين وملتقطي وجامعي الثمار عاشوا معيشة الكفاف قاب قوسين أو أدنى من الموت جوعًا، لا قيمة لها حتى بالنسبة لأولئك الذين عاشوا في مناطق هامشية جدًا حيث إمكانية وصول أقل بالنسبة للهجرات الطبيعية للأسماك والحيوانات ومواسم جني ثمار الأشجار وما إلى ذلك.
أمضى الصيادون وجامعو الثمار نصف وقتهم في العمل فقط، أما باقي الوقت فقد أمضوه في اللعب والراحة. وعلى النقيض من ذلك، فإن تلك الحضارات الزراعية الأولى اشتملت على المزيد من العمل والكد. كما أنها اقتضت اتباع نظام غذائي أضيق والذي صار في مجمله من كربوهيدرات. وهذا هو السبب في أن الناس قاوموا هذا التحول، وبسببه أيضا أجبر الكثيرون على هذا التغيير.
شون إلينغ
أنت لا تزعم -وكذلك أنا بالتأكيد- أننا سنكون أفضل حالاً إن عدنا جميعا لعالم ما قبل الحداثة. لا أحد يريد تبديل حياته بحياة شخص ما قبل 10 آلاف سنة.
جيمس سكوت
بالتأكيد، فمن وجهة نظرنا اليوم، لا يمكن تصور أننا نريد العودة بهذا الشكل. لكن أعتقد أنه لا يزال من المهم أن نفهم أن ذلك لم يكن خيارًا بين نمط حياة الصيد والجمع من ناحية وبين نظام الرعاية الاجتماعية الدنماركي من ناحية أخرى.
في تلك المرحلة من التاريخ، كان الاختيار بين الصيد والجمع من جهة وبين مجتمع زراعي نشأت فيه جميع الأمراض الوبائية الأولى بسبب اكتظاظ الحيوانات والبشر في مكان معين. لم يكن الأمر واضحًا كخيار كما يظن الكثير من الناس.
نعم، الأمور أفضل الآن، إلا أنه في الحقيقة، فإننا لم نستمتع بالصحة وطول العمر كما نشهدها اليوم إلا في السنوات المئتين الماضية أو نحو ذلك. وبالنسبة لتلك المرحلة المبكرة والتي نعتقد أن الحضارة أُنشأت فيها، في الواقع كانت مرحلة مظلمة حقًا بالنسبة للبشرية.
شون إلينغ
ما تأثير متطلبات الحضارة الحديثة على الفرد؟ نحن ننعم براحة أكبر وبوفرة أكثر، ولكن في الوقت نفسه، فإن الكثير منا أقل سعادة، وأقل حرية، وأكثر بعدًا عن بيئتنا الطبيعية. أليس هذا هو الثمن الحقيقي للحضارة؟
جيمس سكوت
إنه سؤال مهم، فرضت الحياة الصناعية الحديثة على كل منا بأن يتخصص في مجال معين، غالبًا ما تكون في مهام رتيبة ومتكررة. وهو أمر جيد بالنسبة للإنتاجية الاقتصادية، إلا أنه ليس جيدًا جدًا بالنسبة لتحقيق ذات الفرد. وأعتقد أن هذا قد أدى إلى تضييق دائرة الاهتمام بالعالم الأكبر. إن الانتقال من حياة الصيد والالتقاط إلى العمل على خط الإنتاج جعلنا أشبه بالآلة وأقل انسجامًا مع العالم من حولنا؛ لأننا يجب أن نتقن شيئًا واحدًا فحسب.
شون إلينغ
أريد أن أُلِحّ بخصوص سؤال هل نحن أسعد حالاً الآن؟ نحن نعيش حياة معزولة في الغالب في ثقافة تُقدّر التقدم والازدهار على الاستدامة. ونشجع على امتلاك الكثير من الأموال لشراء المزيد من الأشياء، لتمييز وتقدير أنفسنا في مقابل الآخرين على أساس المنزلة والثروة. وأعتقد أن هذا جعلنا أقل سعادةً وأكثر وعيًا بذواتنا. كيف ترى ذلك؟
جيمس سكوت
أود أن أنوّه إلى أمرين، أولهما هو أنه بمجرد أن كان لدينا زراعة مستقرة، بدأنا الاستثمار في الأراضي، وبالتالي العقارات التي يمكن أن تخضع للضريبة. عندئذ توفر لدينا أساس الملكية الموروثة؛ ما أتاح انتقال الثروة من جيل لآخر. كل العناصر التي ذكرتها مهمة لأنها أدت إلى التفاوت الضمني الحالي والذي فرضته حماية الدولة للملكية. ولم يكن هذا مطبقًا في مجتمعات الصيد والالتقاط والتي كانت تعتبر أن جميع الممتلكات مشاعًا يمكن لأي فرد في القبيلة. لذلك، أنشأت المجتمعات الزراعية الأولى الأساس للتمييز الطبقي الممنهج الذي يمكن أن يستمر عبر الأجيال، وبهذا تلمس هذا الكم الهائل من الطبقات الهرمية والتفاوتات التي نراها اليوم.
شون إلينغ
لقد ذكرت في وقت سابق أن التاريخ البشري كان من الممكن أن يسير في منحى آخر. وأتساءل عن البدائل التي كانت متاحة. هل كان من الممكن أن نتطور أو نتقدم بطريقة تجعلنا أسعد مما نحن عليه اليوم؟
جيمس سكوت
كشف التاريخ عما صار ومن الصعب معرفة كيف كان من الممكن أن يكون ذلك. أرى أنه بمجرد إنشاء الدولة الحديثة، فإن الأمور كان مقدّر لها أن تسير بالشكل الذي سارت عليه.
شون إلينغ
هذه نقطة مثيرة للاهتمام، ماذا تعني؟
جيمس سكوت
في النهاية، كانت الدول دومًا متفوقة عسكريًا وتقنًيا على مجتمعات الصيد وجني الثمار، وتمكنت الدول من زيادة عدد سكانها بوسائل لم تتمكن منها تلك المجتمعات. لذلك يبدو أنه كان من المحتم أن ننتهي في نهاية المطاف إلى شيء مثل نظام الدولة الحديثة الذي لدينا اليوم.
شون إلينغ
أنت لست ميالاً لنقد الحضارة الحديثة كما يبدو لي، على الرغم من اتفاقنا على أنه من الأفضل أن تكون على قيد الحياة الآن من أن تكون قبل 1000 عام، لكني أتساءل عما إذا كنت تعتقد أن العالم الذي بنيناه قابل للاستدامة.
جيمس سكوت
حسنًا، أعتقد أننا في مأزق فيما يخص بيئتنا الطبيعية. فنحن نواصل البناء والهدم والنمو، وأنا قلق من أننا قد نعرض كل شيء للخطر إن لم نتأنَ ونعيد النظر فيما نقوم به. أحد أسباب اهتمامي بدراسة هذه الثقافات البائدة هو فهم كيف عاش البشر بنسبة تُقارب 95% من عمر وجودنا على الأرض، وأحاول تذكير نفسي بأن الأمور يمكن أن تكون بصورة مختلفة.

رابط المقال باللغة الإنجليزية:

عن Amna Alsoofi

شاهد أيضاً

القضاء على الفقر المدقع في شرق اسيا ومنطقة المحيط الهادي 

ترجمة: سهاد حسن عبد الجليل تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   في …

عملية هدم الحضارة

ادريان ولدرج يرثي انهيار منظومة العادات والاعراف    بقلم : ادريان ولدرج ترجمة: سهاد حسن …