الرئيسية / تأريخ وتراث / افضل الطرق لتقليل عدم المساواة تاريخيا هي الامراض والحروب !

افضل الطرق لتقليل عدم المساواة تاريخيا هي الامراض والحروب !

ترجمة : حسين علي عبد الحمزة
تدقيق : فهد وردة

كيف تحل مشكلة مثل مشكلة عدم المساواة؟ فمازال صناع السياسات الاقتصادية يتصارعون مع هذه المشكلة لمدة طويلة و بدرجات متفاوتة حسب الضرورة. حيث أصبح البحث عن حُلول اكثر جدية مُنذ ثمانينات القرن الماضي، عندما بدأ عدم المساواة يزداد مرةً أخرى، حيث وصل مؤخرا إلى مستويات تاريخية.
لكن المشكلة قد تم حلها مسبقا. فبعد دراسة آلاف السنوات من التاريخ البشري، حدد البروفيسوروالتر شيديل في جامعة ستانفورد أربع طرق حاسمة لانهاء عدم المساواة: الحرب، الثورة، انهيار الدولة والأوبئة القاتلة. “الفرسان الأربعة” كما يسميها شيديل في كتابهِ (The Great Leveler)، قد أثبتت فعاليتها في انهاء عدم المساواة اكثر من الجهود السلمية مثل التعليم أو الصدمات غير العنيفة كالأزمات المالية.
يلاحظ شيديل ان مستويات عدم المساواة حاليا مألوفة. حيث ارتفعت مؤخرا حصة الدخل التي يتملكها الأثرياء الأمريكان إلى مستويات شوهدت لآخر مرة في عام 1929. ففي المملكة المتحدة، كان الاغنياء (يمثلون عشرة بالمائة فقط) يمتلكون اكثر من 90% من الثروة الخاصة قبل الحرب العالمية الأولى. اما حاليا فالنسبة هي أكثر بقليل من النصف. هذا يشير إلى أن عدم المساواة الذي نشهده اليوم يمتلك الفرصة ليصبح أكثر تطرفاً. العولمة و شيخوخة السكان والهجرة كلها عوامل تساهم في عدم المساواة عن طريق حرف مسارالخدمات العامة بعيدا عن سياسات إعادة المساواة. ما يزيد الامر سوءاً هو انتشار التكنلوجيا الحديثة و المكننة التي سوف توسع الفجوة بين العمال ذوي المهارات العالية و اقرانهم ذوي المهارات المنخفضة .
يكمل شيديل كلامه فيقول ان مواجهة المستويات العالية من عدم المساواة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة تتطلب تغييرات جذرية في السياسات. وان الوقت الوحيد الذي أدت فيه تلك السياسات إلى “تسوية” مجدية في الماضي كان في أعقاب الكوارث.
في حديث مع شيديل اجراه موقع (Quartz) حول التاريخ الطويل عدم المساواة.
كوارتز: ان الفترات التي شهدت انخفاض عدم المساواة كانت مسبوقة بكارثة فكيف يمكن لهذه الكوارث و التي تصفها في كتابك بالفرسان الاربعة ان تنتج شيء ايجابي ؟
شيديل: الفارس الأول هو الحرب التحشيدية الجماعية، ومن الأمثلة الكلاسيكية الحرب العالمية الأولى و الثانية.حيث تم تجنيد جزء كبير من المواطنين في الخدمة العسكرية، بينما القوى العاملة المدنية أصبحت كذلك مُحشدة من أجل المجهود الحربي.
كانت الدول القومية القوية بحاجة إلى تنظيم الجهد الحربي فعملت على رفع معدلات الضرائب إلى مستويات عالية جدا على الأغنياء – 90% في بعض الحالات – لتامين تكلفة الحرب. ففقد رأس المال قيمته بسبب التدخلات الحكومية ودمار الحرب، خصوصا في اوروبا. في غضون ذلك، كان هناك إعادة توزيع مكثف للعمال. الديمقراطية ايضا نالت نصيبها من الحرب. فانتعشت حقوق التصويت و العضوية في النقابات العمالية، الخ خلال هذه الحروب لأن الحكومات كان واجبا عليها أن تقدم للشعب شيئا ما في المقابل.
الفارس الثاني بديهي جدا وهي الثورة التحولية. إذا كنت لينين أو ماو وظهرت في روسيا أو الصين وجردت جميع الأغنياء من املاكهم، وغالبا ما تقتلهم خلال هذه العملية، وقمت بتأميم كل شيء، وقمت بتخطيط الاقتصاد بحيث تحدد فيه جميع الاجور والاسعار. فإن هذه عملية إجتياحية للغاية لكن إذا كنت مهتماً فقط بالمساواة فأن هذه الطريقة هي الأسرع للقيام بذلك.
كوارتز: ماذا عن الآخرين ؟
شيديل: الاثنان الاخران أكثر شيوعا في الماضي البعيد: انهيار الدولة والأوبئة. فشل الدولة هو أكثر طريقة غير مرغوبة في التسوية مقارنة مع باقي الطرق لان الجميع فقير بشكل متساوي فهي مجرد محو للاختلافات بين الطبقات. عندما أدرج الرومان بريطانيا ضمن امبراطوريتهم كان هناك ازدياد كبير في عدم المساواة، لكن الامبراطورية انهارت بعد ذلك في القرن الخامس. فجاء الأنجلو-ساكسونيين (Angelo-Saxons) لتعود مرة أخرى إلى ما كنت عليه من قبل.
وأخيرا، هناك أوبئة ساحقة تجتاح وتقتل نسبة كبيرة جدا من السكان، مثل الطاعون (الموت الأسود) في العصور الوسطى في أوروبا. وهي لا تدمر البنية التحتية المادية – الأرض أو رأس المال – لذلك هناك إعادة تعيين جوهرية في قيمة العَمالة. بذلك يستطيع العمال طلب أجور أعلى، كما أن أصول أصحاب العمل – الرأسماليين – تفقد قيمتها.
كوارتز: هل يمكن لأي من هذه الأمور أن تحدث مرة أخرى في الوقت الحالي , وهل يكون لها تأثير مباشر على عدم المساواة ؟
شيديل: بسبب التغييرات التكنولوجية التي حصلت فإن نمط الحرب قد تغير. فبدلا من التعبئة الكثيفة التي كانت ممكنة قبل 50 أو 100 سنة ماضية، سيكون لديك حرب سريعة وعالية التقنية. من الممكن أن تكون مكلفة جدا مدمرة لكنها لن تنتج نفس الآثار على عدم المساواة. وعموما، فإن كل العالم أصبح مُسالما أكثر لأي سببٍ من الأسباب. وينطبق نفس الشيء على الثورة التحولية. معظم الشعوب ليس لديها الرغبة الكافية لتكرار ما حدث في البلدان الشيوعية الكبيرة في وقت سابق من القرن العشرين.
كوارتز: هل يمكن أن نرى ثورة قادمة من الحركات الشعبوية اليمينية بدلا من ذلك ؟
شيديل: سيكونون أكثر برجوازية، لذلك فأنه لن يكون هناك ضرورة لإعادة توزيع علنية. مثال على ذلك صعود النازية الى السلطة لكن لم يكن هناك اهتمام حقيقي بأحداث قدر أكبر من المساواة خارج نطاق الخطابات.
إلا أن الأوبئة الساحقة لا تزال تبدو ممكنة بعد مرضي ايبولا وزيكا، ومخاوف الحرب البيولوجية.
شيديل: كان الطاعون فعالا في المجتمعات الزراعية، لكن الاقتصادات الحديثة مترابطة جداً ومُتطورة بحيث انك اذا قتلت بصورة عشوائية 10% من الشعب فإن هذا يمكن أن يسبب ضررا حقيقيا و أن يزعزع النظام بأكمله. لكنه لن يؤدي بالضرورة الى نفس التاثير التوزيعي للعمال كما كان يحدث في الماضي. الان، هناك خيار واحد لم يكن موجودا في الماضي وهو كثرة المكننة. فإذا كان هناك طاعون كبير، فإنك سوف تقوم بتصنيع المزيد من الروبوتات وربما يكون لديك المزيد من عدم المساواة على المدى الطويل.
كوارتز: اذا كانت هذه الطرق الأربعة تاريخيا هي الوسيلة الفعالة الوحيدة لتقليل عدم المساواة، وهي على حد سواء غير مرغوب بها وأقل فعالية عما كانت عليه، فماذا يمكن عمله هنا ؟
شيديل: هذا هو السؤال بالضبط . اليوم الناس أمثال ترامب في الولايات المتحدة والشعوبيون في أوروبا يقولون و بدرجات متفاوتة، ”انظروا الى الامور التي كنا عليها قبل 40 سنة، دعونا نتأكد من عودتنا الى السابق.“ إنهم بشكل ضمني يعودون إلى فترة ما بعد الحرب عندما بدأ النمو الاقتصادي وتوسع الطبقة المتوسطة وانخفاض التفاوت. كل شيء كان عظيما. وهذا هو الصحيح، فهي حالة مرغوبة جدا من الامور. لكن انظر إلى السياسات، الضرائب والرسوم الجمركية والنقابات. كل هذا يظهر في سياق محدد جدا. لذلك يتعين على صناع السياسات المؤيدين والأكاديميين التفكير بجدية في تطوير طرق أكثر نبلا لتقليل عدم المساواة التي قد تحدث اليوم.
كوارتز: هل جاء أي شخص بسياسات فعالة وواقعية ؟
شيديل: في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، عدم المساواة ارتفعت بصورة كبيرة جدا بحيث ان السياسات التي من الممكن تطبيقها سوف تحقق تحسينات هامشية فقط. على نحو معروف، فأن الراحل توني اتكينسون ألف كتابا بعنوان (Inequality : what can be done) وحاول تثمين تكلفة هذه السياسات. هو الوحيد الذي أعرفه والذي حاول أن يفعل ذلك بطريقة حذرة. لقد اظهر ان التحسينات ممكنة لكن فقط لنقطة محددة. وبعدها تصبح التدابير أكثر تطرفا، وأكثر كلفة، وأقل احتمالا للتنفيذ بسبب السياسات.
كوارتز: ما مدى السوء الذي يمكن ان يصل اليه عدم المساواة اذن، إذا لم تكن هناك الإرادة السياسية أو المصادر المالية للتصدي له ؟
شيديل: إن عدم المساواة أو التفاوتات لا يمكن ان ترتفع الى ما لا نهاية. يجب أن يكون هناك شكل من الحدود– نحن فقط لا نعرف أين يكون. إذا عملت في اقتصاد معولم حيث يكون هناك العديد من الطرق للحصول على الموارد من بلدان اخرى، او ايداع أصولك في بلدان أخرى، حينذاك سيكون هناك احتمال كبير لعدم المساواة، خصوصاً في قمة التوزيع، كما لم نرَ من قبل.
كوارتز: يقترح كتابك أن هذا التفاوت الكبير وعدم المساواة قد يؤدي إلى فئة من الناس الخارقين ”Super Humans ”
شيديل: لم يحدث هذا بعد، ولكن اذا تحدثت الى علماء الوراثة فإننا على الطريق. من المعروف أن بعض التجارب الجريئة أو المثيرة للجدل اخلاقيا قد أجريت في شرق آسيا، وهناك احتمال كبير ان هذا التجارب ستستمر. مجرد بضعة عقود من الان وقد يصبح ممكنا للوالدين إنجاب أطفال مُصممين جينيا، فيما لو حدث ذلك يوما، فانه يمكن أن ينتهي بك المطاف مع الطبقة العليا التي تختلف بشكل حقيقي عن الجميع. لا يتحتاج الامر ان يكون فقط جيني، فالعديد من الناس يعملون على تطوير اعضاء محسنة و التي من شأنها أن تعزز قدراتك. انا اعيش في وادي السيليكون (Silicon Valley) , ( وهو اسم مختصر لِمنطقة في جنوب سان فرانسيسكو ) ,حيث يتحدث جميع الناس هناك عن العيش ل1000 سنة. لن يحدث ذلك قريبا على الاغلب، لكنه يظهر أن الإرادة موجودة .
كوارتز: هذا مستقبل مقلق، انا لست مندهشا نظراً لموضوع كتابك، لكن يبدو أن هذه المقابلة سوف لن تنتهي برسالة متفائلة.
شيديل: بالتأكيد هنالك مجال للامل، لكن ما لا يُحتمل أن يحدث في الواقع هو معادلة جوهرية لعدم التساوي بمثل تلك الطريقة التي حدثت في بدايت القرن العشرين.

المصدر هنا

عن رفل مناضل

شاهد أيضاً

الجواز الأمريكي لا فائدة منه

يمكنني التنقل حيث شئت بجواز سفري الألماني. ولكن عدد الدول التي تسمح للأمريكيين بالدخول تكاد …

حصرياً: من داخل مخيمات تدريب تابعة لحزب الله لنشر الأخبار الزائفة  

  بقلم: ويل كريسب وسداد الصالحي  بتاريخ: ٢/آب / ٢٠٢٠ ترجمة: رحاب الهلالي تدقيق: ريام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *