الرئيسية / صحة / الهواتف الذكية والصحة العقلية

الهواتف الذكية والصحة العقلية

بقلم :- ديريك بيرس (Derek Beres)
ترجمة :- نورالهدى عباس التميمي
تدقيق :- نعمان البياتي

تسمية الجيل ليست مهمةً سهلة؛ ففي حين أنّي عاشرت جيلي، المسمى الجيل إكس (Generation X)، وهو ذات الاسم الذي أطلق على رواية (دوغلاس كوبلاند) (Douglas Coupland) عام 1991، إلا أن المصطلح شاع منذ عام 1965، عندما استخدمه المصور الهنغاري (روبرت كابا) (Robert Capa) كعنوان لمقال مصور؛ وأطلق العازف (بيلي أيدل) (Billy Idol) على فرقته اسم فرقة الجيل إكس في بداية عام 1976؛ مع ذلك، يعد (كوبلاند) هو من أشاع هذا المصطلح.
ومع انغراس جيل الألفية في الوسط الثقافي الحالي، بدأ المرشحون لنيل اسم الجيل بالتقاطر؛ فقد أدلت البروفسورة جين توينغ (Jean Twenge) _ بروفسورة علم نفس في جامعة سان ديغو _ بدَلوِها، من خلال كتابها (iGen)، الذي احتوى على عنوان ثانوي مكّنني من الوصول إلى تعداد الكلمات لمقالي هذا؛ دعونا فقط نَقُل، إنه عن الأطفال الذين ولدوا بين عاميّ 1995 و2012، والذي عُني بالتكنلوجيا، التي تجعل الأطفال غير سعداء، وغير مهيَّئين ليكونوا بالغين.
كأمٍ لثلاث فتيات شابات، فإن لدى (توينغ) الكثير من التجارب القصصية؛ والأهم إنها درست تغيّرات الأجيال لخمسٍ وعشرين سنة، كما كتبَت في مقال حديث؛ وفي الوقت الذي ينظر أي جيل الى الجيل الذي يليه، بخليطٍ من السخرية، والازدراء، والارتباك، فإن بيانات (توينغ) تعرض مؤشرات صارمة على اطروحتها: الهواتف الذكية تفسد رؤوسنا.
في عام 2012، بدأت (توينغ) ملاحظتها حول “التغيرات المفاجئة” في سلوك المراهقين، والتي شبهتها بالجبال والمنحدرات بدلًا من المنحنيات؛ فهو العام الذي أُعلن فيه أن أكثر من نصف الأمريكيين يمتلكون هواتف ذكية؛ فقد أظهرت دراسة حديثة أن ثلاث من كل أربع مراهقين الآن، يمتلكون جهاز آيفون.
بدأت (توينغ) قصتها مع (أثينا)، الفتاة ذات الثلاثة عشر ربيعاً، والتي تقضي معظم وقتها في غرفتها، تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي على هاتفها؛ هذا الاقتباس من (أثينا) يصور هذه النقطة بوضوح تام: “لا نملك خياراً لنعرف أية حياة من دون الآيباد أو الآيفون، أنا أعتقد أننا نحب هواتفنا أكثر من الناس”.
ملاحظتها ليست ناشزة، فمشاعر (أثينا) تجاه الأشخاص الآخرين استمرت بصورةٍ عامة خلال السنوات الأخيرة، فقد انخفض معدل تسكع المراهقين مع بعضهم إلى 40% خلال عاميّ (2015 – 2000)، وانخفض المعدل عند طلاب المرحلة الثانوية إلى 56% فقط مقارنةً بجيلي، الذي كان 86%، وانخفض معدل ممارسة الجنس إلى 40% عن عام 1991، وانخفض معدل النوم أيضًا الى 40% (النوم أقل من سبع ساعات)؛ الشيء الوحيد الذي يبدو أنه يتزايد لديهم هو الوحدة.
جميع التغيّرات في الجيل لها جوانب إيجابية وسلبية؛ فعلى سبيل المثال، جنس أقل يعني عشر ولادات أقل؛ تقول (توينغ): “مرتاحين أكثر في غرفهم من السيارة أو في الحفلة، مراهقو اليوم أكثرُ أمنًا من أي وقت مضى، فهم أقل عرضةً للوقوع في حادث سيارة، وشرب الكحول من سابقيهم، وأقل عرضةً للأمراض المصاحبة لشرب الكحول”.
لكنها تذكر أيضاً أن المراهقين يواجهون أزمة في الصحة العقلية؛ تشير (توينغ) للسعادة، لكن هناك صفة أخرى أكثر أهمية، أقل تقديرًا لكنها أكثر قيمةً، وهي: القناعة؛ الحصول على السعادة ليست بالأمر الجديد، على الرغم من أن السعي وراءها مدفوع جزئياً بحركة نفسية إيجابية: فكرة أن تكون سعيدًا هي الإشارة الأولى لحياة يتم عيشها بشكلٍ صحيح، أما القناعة، فهي قصةٌ أخرى تماماً.
القناعة ممكنة في الحالات غير المريحة؛ وفي الحقيقة، فإن القناعة تستحق أن تُكتشف عندما نحزن، ونواجه ظروفاً صعبة؛ تكنولوجيا الهواتف الذكية مناقضة للقناعة، ويتم تحريك الخوارزميات عن طريق الاضطراب؛ فالعقل المضطرب لا يمكن أن يكون قانعاً، لأنه يسعى للتحفيز باستمرار، وهذا يحدث أثناء تطور قشرة الدماغ، عندما تتشكل العادات التي تمثل مرحلة البلوغ، مما يعني أن الاكتئاب والوحدة سيستمران.
ما قصدته (توينغ) في كلامها حقًا هو الإدمان، ومن الصعب التغلب على الإدمان؛ فالأمريكيون ليسوا جيدين في معالجة المدمنين، وحربنا ضد المخدرات، حرب فاشلة؛ فأزمتنا تجاه المواد الأفيونية، تتلقى الكثير من الكلام وقليلاً من التغيير الحقيقي، إذ تستمر صناعة الأدوية وجماعات المصالح بإنتاج وترويج المنتجات المضرة، وأي تلميحٍ لمكافحة الأغذية المدمِنة، كفرض ضرائب على الصودا، يتم التعامل معها كاعتداءات على الحرية؛ إن عدم انتشار تسمية “إدمان الهواتف الذكية” حتى الآن، هو خير دليل على أن الرؤساء أنفسهم مدمنين، نحن نمزح بأننا نخضع لتويتر، وإنها مزحة سيئة لأننا نعلم أنها الحقيقة.
كل إدمان يتجلى بصورة مختلفة في المجتمع، فمستويات الاكتئاب لدى طلاب الصف الثامن ازدادت بنسبة 27% لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة، والمراهقون الذين يمضون ثلاث ساعات أو أكثر على أجهزتهم، أكثر عرضة للانتحار بنسبة 35%؛ كما لاحظت (توينغ) خلال العقد الماضي، أن معدلات القتل انخفضت بين المراهقين، لكن معدلات الانتحار تحركت بالاتجاه المعاكس.
إننا حيوانات مدمنة، ولا يوجد جين للإدمان؛ إذ لا يمكن لأحد التخلص منه بشكل أسرع من شخصٍ آخر، فالبيئة مهمة؛ لقد رأيت الأصدقاء ينشرون صور أطفالِهم وهم يحدقون في الآيباد، (كم هو لطيف!)، هذه البيئة أعدت الطفل ليكون ضمن إحصائيات (توينغ)؛ لديّ أصدقاءٌ آخرون كذلك، يحددون الوقت الذي يمضيه أطفالهم على أجهزتهم اللوحية، ومن تجربتي، هؤلاء الأطفال يميلون إلى النظر إلي بأعينهم عندما يحدثونني، شيء يصعب على العديد من البالغين القيام به.
أتذكر أول مرةٍ سمح لي والديّ بالرد على المكالمات، كان ذلك في الثمانينيات، وعندما بدأت التعارف، كنت أندفع عائدةً إلى المنزل، على أمل رؤية ضوء الهاتف الدال على رنينه؛ مصابةً بالحزن لعدم رؤية ضوء الهاتف، كنت أقفز على دراجتي، وأتوجه إلى المتنزه؛ إن مشكلة امتلاك لعبة وامضة (موبايل) في يديك طوال الوقت، أن التشويق غير موجود؛ فأنت على الخط دائماً، وتشعر بخيبة أمل دائمة عند عدم حدوث ما تريد؛ انتباهك أصبح مثبتاً على الشاشة، بدلاً من العالم الذي أمامك، فقد نسيتَ الدراجة، ونسيتَ المتنزه.
تعتقد (توينغ) إن البيانات تشير إلى أن الآباء بحاجة إلى مراقبة أولادهم أكثر، لكن كيف يفعلون ذلك، إذا كانوا هم أنفسهم مدمنين؟ لقد توقفتُ عن عدّ الأمهات والآباء، الذين يتراسلون على هواتفهم أثناء قيادة السيارة، على الطرق السريعة، والشوارع الجانبية، ومقعد الطفل مثبت بقوة في المقعد الخلفي؛ إذا لم يتمكنوا من الاعتراف بأن لديهم مشكلة، هل يمكننا أن نتوقع منهم أن يدركوا بأنهم يُعِدون أطفالهم لحياة من التبعية؟
يكمُن أمل (توينغ) في الأطفال أنفسهم، ولحسن حظ البشر أنهم مرنون؛ فقد عشت طفولتي معتمدة على العشاء المحضَّر بالمايكرويف، أما الآن فإني نادرًا ما آكل الأغذية المصنّعة، فالطبخ لم يعد تسلية فقط، وإنما ضرورة؛ سألَت (توينغ) (أثينا) عن شعورها عندما يحدّق أصدقائها في هواتفهم أثناء المحادثة، ردها كان مريحاً: “إنه مؤلم، أعلم أن جيل والدي لم يفعل ذلك، ربما أكون أتحدث عن أمرٍ مهم جداً بالنسبة لي، مع ذلك لن يستمعوا لي حتى”.
يجب أن نتعلم جميعاً من (أثينا) أنها تخطو في الاتجاه الصحيح، طالما أننا لا نخطو بينما نحدق في شاشات هواتفنا.
المصدر: هنا
* ديريك بيرس هو صاحب كتاب (Whole Motion: Training Your Brain and Body For Optimal Health)

عن Mustafa Shahbaz

مهندس مدني ومترجم، مهتم بتحسين المحتوى العربي على شبكة الانترنيت.

شاهد أيضاً

ماذا تعرف عن سرطان القولون

السرطان الذي قتل تشادويك بوسمان هو السبب الثاني لوفيات السرطان في الولايات المتحدة، والمعدلات اخذة …

كيف تعمل اللقاحات وما سبب احتمالية فشل لقاح كورونا؟

بـقــلـــم: تشوانغ بينغوي  كتبتـه لـ: صحيفة جنوب الصين الصباحية نُـشر بتأريخ: 11آب/أغسطس 2020 ترجـمـة: ورود …