الرئيسية / بايولوجي / الذكاء وثورة الحمض النووي

الذكاء وثورة الحمض النووي

ترجمة: نعمان البياتي
تدقيق: فهد وردة
تصميم: مكي السرحان

حدد العلماء 22 جيناً مرتبطاً بالذكاء

منذ أكثر من 60 عاماً، اكتشف كل من فرانسس كريك وجيمس واطسون الهيكل الحلزوني المزدوج للحمض النووي الرايبي منقوص الأوكسجين – المعروف اختصاراً بالـ(DNA). اليوم بإمكان أي شخص وبمبلغ مالي متواضع، أن يعرف تسلسل شريط الـ(DNA) الخاص به، ويعرف أكثر عن أسلافه وميوله. ورغم أن انتقال الـ(DNA) من الآباء إلى الأبناء هو الأساس البيولوجي للوراثة، مع ذلك، بالرغم من كون الحقيقة الراسخة حول انتقال الـ(DNA) من الاباء الى الابناء هي الأساس الاحيائي للوراثة، إلا أننا ما زلنا نعرف القليل نسبيا عن أثر كل جين في صناعة كل فرد منا.
يتغير ذلك بسرعة كبيرة من خلال دراسات المرتبطة بالجينوم، المعروفة اختصاراً بـ(GWAS). هذه الدراسات تبحث عن الاختلافات في التركيب الجيني للبشر (Genotypes)، والمرتبطة مع الاختلافات في الصفات الظاهرية للبشر (Phenotypes). في دراسة (GWAS) منشورة حديثاً في مجلة (Nature Genetics)، قام فريق من العلماء حول العالم، بتحليل سلسلة الـ(DNA) لـ 78308 شخص، لدراسة الارتباط بالذكاء العام والذي تم قياسه من خلال اختبارات الذكاء (IQ Tests).
الهدف الرئيسي للدراسة كان تحديد متعددات شكل نوكلوتيدات منفردة (Single Nucleotide Polymorphisms -SNP-)، والتي قد يكون لها ترتبط بشكل واضح مع نتائج اختبارات الذكاء. الـ(DNA) المتواجد في معظم خلايا الجسم يتكون من أربع جزيئات تسمى النوكليوتيدات (Nucleotides)، وهي: السايتوسين (Cytosine –C-)، الثايمين (Thymine –T-)، الأدينين (Adenine –A-)، والكوانين (Guanine –G-) ضمن الخلية، ينتظم الـ(DNA) في تركيبات تدعى كروموسومات (Chromosomes). يمتلك البشر عادة 23 زوجاً من الكروموسات، أحدهما من الأم والآخر من الأب.
جزيئة الـ(SNP) هي نوكليوتيد، في موقع كروموسومي معين، يختلف من شخص لآخر. على سبيل المثال، قد يحمل شخص نوكليوتيد ثلاثي (TAC)، ويحمل الآخر (TCC)، وهذا التنوع قد يؤدي إلى التأثير على سمات مختلفة بين الأشخاص كالذكاء. تحتوي الجينات على تسلسل نوكليوتيدات أطول بكثير، والتي تعمل كتعليمات لبناء البروتينات، المادة الأساسية للحياة.
بعد تحليل أكثر من 12 مليون من جزيئات الـ (SNP)، وجدت 336 منها ذات ارتباط ملحوظ بالذكاء، مشيرة إلى 22 جيناً مختلفاً. أحد هذه الجينات يساهم في نمو الخلايا العصبية؛ جين آخر يرتبط بالإعاقة الذهنية واضطراب تشكل الدماغ (Cerebral Malformation). ساهمت جزيئات الـ(SNP) معاً في 5% من الاختلافات بين الناس فيما يخص الذكاء – ما يقارب ضعف تأثير نتائج دراسات الـ(GWAS) على الذكاء. وبدراسة أنماط أوسع لـ(SNP)، اكتشف الباحثون 30 جيناً إضافياً مرتبطين بالذكاء.
وعلى سبيل التأكد من نتائج الدراسة، قام الباحثون بفحص معاملات الارتباط بين الـ(SNP) الـ 336، ومستوى التعليم -والذي يعد من المؤثرات المرتبطة بقوة بالذكاء- في عينة من 200 ألف شخص، تم إجراء فحص الـ(DNA) عليهم مسبقاً. ووجد أنه في تسعة وتسعين بالمئة من الوقت =ارتبطت الـ(SNP) مع التعليم، بنفس اتجاه ارتباطها مع الذكاء. هذه الاستنتاجات من شأنها إزالة مخاوف كون ارتباط الـ(SNP) بالذكاء محض صدفة. من خلال الدراسة استنتج الباحثون أن النتائج هذه، ”تمثل نقطة بداية لفهم آليات العمل العصبي الجزيئي، المرتبط بالذكاء، إحدى أهم السمات عند البشر.
كما يذكر عالم الأعصاب الإدراكي ريتشارد هاير في كتابه الجديد (The Neuroscience of Intelligence)، أن دراسات أخرى تحاول جمع تحليلات الجينات الجزيئية مع التصوير العصبي. في إحدى الدراسات، وباستخدام عينة من 1583 مراهق، تم اكتشاف جزيئات (SNP) مرتبطة بـ(Synaptic Plasticity)، والذي بدوره كان ذو تأثير واضح على نتائج اختبارات الذكاء وسمك قشرة الدماغ، والذي تم قياسه بصور الرنين المغناطيسي. في اختبارات على الحيوانات، يقوم بعض الباحثين باستخدام تقنيات كيميائية جينية (Chemogenetic) لتفعيل وإيقاف عمل الأعصاب التي قد تكون مهمة للذكاء.
من المؤكد أن الذكاء لا يعتمد فقط على الـ(DNA)، ولا يعتقد أحد بالرأي المعاكس أيضاً. البيئة ايضا ذات تأثير رئيسي على تطور الذكاء أو أي سمة سايكولوجية أخرى. ومن الممكن في يوم من الأيام أن يتم استثمار هذه المعرفة الجينية، في تحديد الأطفال الذين يقعون تحت خطر الإصابة بإعاقات ذهنية خطيرة، أو الذين يمكن تقليل احتمالية إصابتهم بهذه الإعاقات بتدخلات معينة في أوقات مبكرة من حياتهم. يزودنا هذا البحث ايضا بأساس علمي للتفكير في الطريقة التي يمكن بها التلاعب بالدماغ لزيادة الذكاء.
الصورة الكبيرة التي يمكن رسمها من خلال الدراسات العصبية والجينية، للذكاء والسمات السايكولوجية الأخرى، هو أن الجدل حول تأثير الطبيعة في مقابل تأثير التربية، قد انتهى للابد. إذ إننا نتاج الاثنين معاً، التركيب الجيني والبيئة المحيطة، والتفاعل المعقد بين الاثنين. البحث الموجه لفهم هذه العلاقة، سيعطينا فهماً أفضل لنقاط التشابه والاختلاف في تكويننا السايكولوجي.

المصدر: هنا

عن Mustafa Shahbaz

مهندس مدني ومترجم، مهتم بتحسين المحتوى العربي على شبكة الانترنيت.

شاهد أيضاً

“حمضٌ من بين ملايين الأحماض”: حمض الـ DNA ليس الجزيء الجيني الوحيد

تقديم: مات دافيس بتاريخ: 21. نوفمبر. 2019 لموقع: BIGTHINK.COM ترجمة: هندية عبد الله تصميم الصورة: …

“محرك الوعي” في الدماغ هي منطقة بالغة الصغر

بقلم: ستيفن جونسن بتاريخ: 12/شباط/2020 ترجمة: رهام عيروض بصمه جي تدقيق: ريام عيسى  تصميم الصورة: …