الرئيسية / طب / هل يمكن لعقلك تكوين الذكريات بينما أنت نائم؟

هل يمكن لعقلك تكوين الذكريات بينما أنت نائم؟

ترجمة: عمر فتحي
تدقيق: ريام عيسى
تصميم الصورة: مكي السرحان

وفقاً لبعض علماء الأعصاب، فإن عقلك يمكنه تكوين الذكريات اثناء النوم. فقد قام العلماء بتشغيل أصوات معقدة لبعض النائمين وتمكن بعدها هؤلاء من تمييز تلك الأصوات!
ففكرة أن الانسان يمكنه التعلم وهو نائم او ما تعرف بالتعلم النومي فكرة لها تاريخ طويل وعجيب، ففى عام 1927 طرحت هذه الفكرة نتائج غريبة عندما أظهر المخترع الأمريكى سايجر الهاتف النفسي، وتم الاعلان على أنها آلة اقتراح اوتوماتيكية. ويتكون جهاز الهاتف النفسي من فونوغراف تُشغل عليه اسطوانات تسجيلية قام بصنعها وبيعها المخترع سايجر. وكانت التسجيلات لها اسماء مختلفة مثل “اطالة الحياة”،”الوزن العادى” أو “التزاوج”، كما كان هناك تسجيل آخر يقول: “أنا ارغب فى شريك، أنا أشع حب، حديثي رائع، شركتي مبهجة، لدى جاذبية جنسية قوية.”
وقال سايجر بعد ذلك أن الآلاف قد اشتروا هذا الجهاز ومن ضمنهم نجوم من هوليوود رفض الافصاح عن اسمهم. وبرغم حماسه لهذه الألة إلا أن ساليجر انصرف الى التأمل والصحة، فالآلة كانت مجرد خدعة.
بالرغم من ذلك فقد ظلت فكرة التعلم بدون وعي تحمل بريقاً أكثر مما اقترحه صاحب الهاتف النفسى. ففى بحث جديد نُشر يوم الثلاثاء فى مجلة نيتشر كوميونيكيشن أوضح بعض علماء الأعصاب بأنه من الممكن تعليم الأفراد دروساً صوتية أثناء النوم.
“لقد أثبتنا أنه يمكن التعلم أثناء النوم، والذى كان موضوعاً مثير للجدل سابقاً”، يقول توماس اندريلون واضع الدراسة وعالم الأعصاب فى جامعة بى اس ال البحثية فى باريس: ”ولكن لا تتوقع أن تجربة أندريلون ستجعل الجميع يتحدث الفرنسية بطلاقة!“
ففى خمسينيات القرن الماضى فكك بعض الباحثين ادعاءات التعلم النومي الوهمية. فالنائمون لا يمكن أن يستيقظوا بعقول ممتلئة بمعاني وحقائق جديدة. ففي عام 1956 سجل الباحثون حالتين لشخصين لم يتذكرا ما سمعاه من أحاديث تافهة أثناء نومهم. وبالرغم من ذلك ففكرة الهاتف النفسي ظلت منتشرة على الأقل فى التطبيقات المختلفة التى تروج لتعلم اللغات او الألعاب القتالية عبر التعلم النومي.
ولكن الى الآن فالنجاح ممكن ما دمت لا تريد أن تتعلم تعريفات القواميس او تتقن الكونغ فو!.
فحديثاُ قام العلماء بتدريب النائمين على تكوين الارتباطات العقلية بطريقة غير واعية. ففي دراسة فى العام 2014، قام علماء أعصاب اسرائيليون بعرض رائحة سجائر كريهة على 66 نائم، وعقب استيقاظهم أعرضوا عن تدخين السجائر لمدة أسبوعين بعد التجربة.
أما فى تجربة اندريلون الجديدة، فقد انتقل اندريلون واصدقاءه من تكوين الارتباطات العقلية الى تمييز الأنماط المختلفة. فقد قاموا بعرض ضوضاء بها بعض الترددات المحددة بشدة معينة على مجموعة من 20 شخصاً نائماً.
كانت الأصوات عشوائية تماماً كما صرح اندريلون، فليس هناك مجال للتنبؤ، الا أنه كان هناك بعض الأنماط المتضمنة فى الأصوات. وتم اعادة الشريط الذى يمتد لمائتي ملي ثانية لخمس مرات.
وكانت النتيجة أن تذكر الأشخاص هذه الأنماط المتضمنة فى الضوضاء التى عرضت عليهم أثناء النوم. الأصوات العشوائية الفاقدة للمعنى لم تكن كذلك بالنسبة لهم، فالنائمون ليس بامكانهم التركيز على ما يمكنهم سماعه أثناء النوم أو على عمل ارتباطات صريحة، ولهذا السبب غالباً ما تفشل شرائط اللغات الليلية، فالعقل يحتاج تسجيل أصوات ودلالات بينما فى الأصوات العشوائية فالعقل يسجل تلك الأنماط والايقاعات بشكل اوتوماتيكي، فالعقل النائم كما يقول اندريلون يتضمن كماً كبيراً من المعلومات التى حوله ويستطيع أن يعالجها بدرجة مذهلة من التعقيد!
فبمجرد استيقاظ النائمون أعاد العلماء تشغيل التسجيل الصوتي للضوضاء عليهم وطلبوا منهم التعرف على الأنماط بداخل الضوضاء، ولم تكن مهمة سهلة فالأشخاص العاديون سيجدون صعوبة كبيرة فى تحديد هذه الأنماط ولكن على عكس ذلك استطاع الأشخاص التعرف على هذه الأنماط.
ومما أذهل العلماء أيضاً هو أن عملية تكوين الذكريات هذه تحدث فى مراحل محددة أثناء النوم، فعندما قام الباحثون بتشغيل الأصوات فى مرحلة النوم الخفيف، استطاع الأشخاص تذكر الأصوات صباح اليوم التالي،أما فى مرحلة النوم العميق فقدم الأشخاص اسوأ أداء فى تذكر الأصوات.
وهذا يوضح ولأول مرة كيف أن مراحل النوم يمكن أن تساعد فى تكوين ذكريات جديدة تماماً كما يقول العالم جون بورن أحد علماء الأعصاب بجامعة طوبينجن بألمانيا.
أما فى رأي اندريلون فالتجربة تساعد على التوفيق بين نظريتين متنافستين فيما يتعلق بتكوين ذكريات جديدة أثناء النوم،احداهم تلك التى تقول أن العقل يعيد تشغيل الذكريات التى اكتسبها أثناء اليقظة لترسيخها فى الذهن والشبكة العصبية. أما الأخرى فتقول ان العقل يزيل الذكريات الضعيفة القديمة،\ وتبقى فقط فى الذهن تلك التى تنجو من هذه العملية.
أما التجربة فهى تشير الى أن الحالتين يحدثان ولكن فى مراحل مختلفة من النوم. تقوية الذكريات المكتسبة حديثاُ بالاضافة لاجتثاث الذكريات القديمة الضعيفة.
الا أن مجموعة من علماء الأعصاب الآخرين انتابهم الشك فى امكانية تكامل هاتين النظريتين مع بعضهما، ولكن الى الآن ليس لديهم دليل تجريبي واضح.
فكما تقول عالمة الأعصاب فى جامعة رادبورد فى هولندا “إنه لمن الرائع أن نرى هذه النتائج، فنحن قد طرحنا بالفعل هذه الفرضية عن تأثير مراحل النوم المختلفة على الذاكرة، وهذا هو الدليل الأول لهذا الفرض.”
كذلك لم يكن جميع علماء الأعصاب مقتنعين فإن جون بورن والذي كان أحد مناصري الفرض القائل بأن النوم يقوى ويعزز الذكريات، قال أن هذه التجربة توضح ماذا يحدث عندما نكون ذكريات جديدة أثناء النوم، أما الذكريات العادية التى نكتسبها فى حالة اليقظة، ربما لا تعمل بنفس طريقة تلك التى نكونها أثناء النوم.
أما اندريلوين فقد اعترف بمحدودية البحث، وقال أنهم كانوا يدرسوا الأمر بطريقة غير مباشرة، حيث أن دراسة هذه الآثار من تقوية للذكريات او تضعيفها بطريقة مباشرة ليست فى امكاننا الآن.
وعندما سئُل عما اذا كان هذا البحث من الممكن أن يحيى فكرة الهاتف النفسي او التعلم أثناء النوم من جديد، فقال أننا فى منطقة مجهولة الى الآن ولكن النوم ليس فقط متعلق بالذاكرة فمحاولة استغلال ساعات النوم فى القيام بوظائف أخرى من قبيل تعلم اللغات قد يكون لها من الضرر على المخ أكثر من النفع، فيجب اتخاذ الحذر من مثل هذه الأمور.

المصدر: هنا

عن Mustafa Shahbaz

مهندس مدني ومترجم، مهتم بتحسين المحتوى العربي على شبكة الانترنيت.

شاهد أيضاً

فوسفات الكلوروكين قد تساعد في علاج فايروس كورونا

تجارب سريرية تجرى لتحديد عقاقير فعالة لعلاج فايروس كورونا الجديد .   ترجمة : سهاد …

السجائر الالكترونية تؤثر على الأوعية الدموية حتى بدون النيكوتين

ترجمة: حيدر هاشم تدقيق: ريام عيسى تصميم الصورة: أسماء عبد محمد   ربما تكون السجائر …