الرئيسية / أجتماع / المتدخّلون في أنظمة الدول الأخرى، وقصورهم العقليّ

المتدخّلون في أنظمة الدول الأخرى، وقصورهم العقليّ

المتدخّلون في أنظمة الدول الأخرى، وقصورهم العقليّ
كاتب المقالة: نسيم نيكولا طالب (Nassim Nicholas Taleb).
ترجمة: 
محمد علي العوادي
تدقيق: عمر أكرم المهدي
تصميم: إبراهيم الساكني

 

«المتعهّدُ في الميدان[1]» هو أمرٌ ضروريّ للتقليل من تأثيرات الفجوة التي تتّسعُ بشكل أساسي كتأثير جانبي للــتحضُّر: الأفعال والأقوال، العاقبة والنيّة، التطبيق والنظرية، الشـرف والسُّمعة، المعرفة والمعرفة المُتوهّمة، الملموس وغير الملموس، الأخلاقي والقانوني، الأصليُّ والمُصْطَنَعُ، المقاول والموظّف، المقاولُ والرئيسُ التنفيذي، القوة والتباهي، الحُبُّ والعلاقة من أجل المال، كوفنتري وبروكسل، أوماها وواشنطن، علماء الاقتصاد والناس، الكُتّاب والمحرّرين، المنحة الدراسية والجامعات، الديمقراطية والحكم، العلم والعلماء، السياسة والسياسيون، الحب والمال، المضمون والنصّ، كاتو الأكبر وباراك أوباما، الجودة والإعلان، الإلتزام والإيماء، وبشكل أساسي، جماعةً وأفرادًا.
ولكن بالنسبة إلى هذا الكاتب، سيتطرّقُ إلى العدالة والشـرف والتضحية كأشياء موجودة في طبيعة البشر.
لنقم في البداية بربط بعض النقاط للعناصر المذكور أعلاه.

 

أنتايوس – Antaeus Whacked

أنتايوس كان عملاقًا، أو بالأحرى شبه عملاق، الأبن الأصيل للأرضِ الأمّ، ولغايا وبسايدون (إله البحر). كان لديه مهنة غريبة. كان يُجبِرُ عابري السبيل الإغريق ليتصارعوا معه؛ وكانت طريقته في القتال هي تثبيت ضحاياه في الأرض ثم يسحقهم. مهنة الإماتة هذه هي تعبيرٌ عن برّه لوالده. إذ كان يهدف لبناء معبد لوالده إله البحر من جماجم الضحايا.

اعتقد أنتايوس بأنه لا يُقهَر، لكن كانت هناك طريقة لقتله. إذ كان يكتسب قوته بالاتصال مع أمه الأرض، وبمجرّد انفصاله عنها فسيفقد كل قواه. هرقل هو واحد من عماله الإثني عشر، وكان يؤدّي واجبه لصالح أنتايوس. وقد قرّر أن يرفعه من الأرض ثم يجهز عليه بسحقه كون قدماه قد انفصلت عن أمه (الأرض).

عندما نتذكّرُ هذه القصّة، فـإننا، مثل أنتايوس، لا نقدرُ أن نفصل المعرفة عن الأرض. في الواقع، إنّك لا تستطيعُ قطعَ صلةِ أيّ شيءٍ عن الأرض. وإن الاتّصال بالواقع الحقيقي مرهونٌ بأن يكونَ «المتعهّدُ في الميدان». فهو يعرضُ وجهة العالم الحقيقي، ويدفع ثمن كل عواقبه سيّئةً كانت أم حسنة. إن النّدَبَ على جسدك هي التي تُرشِدُكَ إلى التّعليم والإكتشاف، وهو ما يُسمى بـ (تقنيّة الإيماء العضوي)، ويُسمّيهِ الإغريق (باثيماتا ماثيماتا) أي إن الألم هو الذي يدفعك للتعلُّم، وهذا الأمر قد عاشتهُ الأمهات عند تربيتها أطفالها. إنّ أغلَبَ الأشياءِ التي نؤمِنُ بها قد “ابتدَعتها” الجامعات بتحوير بعض المفاهيم وصقلها على شكل مصطلحات. وقد بيّنتُ في كتاب (ضدّ الهشاشة [2]) أنَّ المعرفة تنشأُ بالتحوير، والتجربة والخطأ، والخبرة، وبـمضيّ الأيام. وبمعنى آخر، فإن الاتصال بالأرض (التجربة) هو أمر ضروريٌّ جدًّا للذي اكتسبناهُ بالإستدلال، وهو شيءٌ لطالما انهمكتِ الجامعاتُ بإخفائه عنّا.

ليبيا بعد أنتايوس – Libya After Antaeus

القصةُ الأخرى، وقبل أن أكتب هذه السطور بـآلاف السنين، كانت ليبيا (المكان الذي عاش فيه أنتايوس) يُقامُ فيها الآن أسواقًا للعبيد نتيجةً لمحاولة فاشِلةٍ سُمّيت “تغيير النظام” وكانَ غرضُها “عزلَ دكتاتور”.
كما صُنّفَ جماعةٌ من الناس كـمتدخّلين في سياسات الدول الأخرى (أمثال بيل كريستول وتوماس فريدمان، وآخرون) الذين ساندوا إحتلال العراق في 2003 بـالإضافة إلى عزل الرئيس الليبي. وقد حمّلوا دولًا أُخرى عِبْءَ تغيير النظام، بما في ذلك سوريا، وذلك لأنّ “زعيمها مُستبدّ”.

إن هؤلاء المتدخّلون في أنظمة الدول وجماعتهم في الولايات المتّحدة قد أسّسوا حركاتٍ لثوارٍ مُسلمين، إدّعوا أنّهم “معتدلون”. لكنّهم بالأخير أصبحوا جُزءًا من القاعدة التي كانت السّببَ في إنفجار أبراج مدينة نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. إنّهم نسوا بغرابة أنّ القاعدة تكوّنت من “ثوار معتدلين” مدعومة من أمريكا لمساعدتهم في القتال ضد الإتحاد السوفييتي لأنّ، كما سـنرى، منطق هؤلاء الناس المتعلّمين لا يستلزمُ هكذا تكرارات.

لذلك فإننا حاولنا تغيير النظام في العراق، وقد فشلت المحاولة فشلًا ذريعًا. كما حاولناهُ في ليبيا، وهي الآن تحفَلُ بـأسواق نشطة للنخاسة لكنّنا اقتنعنا بموضوع “عزل الدكتاتور”. وبنفس طريقة التفكير، رُبَّما يَحقِنُ الطبيبُ المريضَ بخلايا سرطانيّة “معتدلة” لغرض “تحسين حالة الكوليسترول”، وبعدما يموت المريض يدّعي بأنه نجح بسبب إزدياد معدّل الكوليسترول بوضوح بعد الوفاة. لكن ينبغي أن نعي بـأن الأطباء لا يفعلون ذلك بطريقة غير مُهذّبة أو من دون سبب واضح. فـإن الأطبّاء في الغالب لديهم (مُتعهّدًا في الميدان).

ينبغي ألّا تتخلّى عن المنطق والتفكير والتعلُّم، لأن هُناك تلازُمٌ منطقي يؤيّدُ فكرة تغيير النّظام ويتضمّنُ أيضًا تأييد العبودية. لذلك فإن هؤلاء المتدخّلين في سياسات الدول لا يفتقرون إلى الجانب العملي فحسب، بل لا يتعلّمون من التجارب الماضية، كما إنهم يقترفون أخطاءً في مرحلة التفكير المطلقِ أيضًا.
إن هفواتِهِمُ الثلاثَ هي:
1. يهتمّون بالإحصائيات وليس بمصدر القوة.
2. أفقُ تفكيرهِم ضيّق.
3. يفكّرون بالأفعال ولا يرون تطوّراتها.

 

الهفوةُ الأولى هي أنّهُم عاجزون عن التفكير في الخطوات القادمة ولا يعونَ حاجتهم إليها. إن كُلَّ فلاح في منغوليا، وكل نادلٍ في مدريد، وكل مصلّح سيّارات في سان فرانسيسكو يعلمُ ضرورةَ الخطوات الثانية والثالثة والرابعة و… إن هفوتهم الثانية هي أنَّهُم ليسوا قادرين على التمييز بين أبعاد المشاكل، إذ يبدو تفكيرهم ذا الأفق الأُحاديّ كالذي ينظر إلى المشاكل الصحّية بعمقٍ واحد. وعلى النحو التجريبي، فهم لا يستطيعونَ إدراك أنَّ الأنظمة المعقّدة ليس لها عمق أُحاديّ واضح لآليّات السبب والنتيجة، وتحت هذه العُتمة، لا يمكنُك العبث مع هكذا نظام. ومما يزيدُ الطينُ بِلّةً أنّهُم يقارنون أفعال “الدكتاتور” مع أفعال رئيس وزراء النرويج أو السويد دون أن يأخذوا بالحسبان البدائل المحلّيين. أما هفوتهم الثالثة، فهي أنهم ليسوا قادرين على التنبّؤ بتطوّر الأحداث، وعندما يحدث اضطرابٌ ما، يُعرِبون عن جهلهم، وهو ما يُسمى بـ (البجعة السوداء [3])، فإنهم لا يُدركون أنه لا ينبغي أن نعبَثَ بأنظمة ذات نتائج مُحيّرة. وبشكل عام، تجنّب المشاركة في أمرٍ ما إن كُنتَ تَجهلُ ما يؤول إليه. تخيَّل أشخاصًا يقودون طائرات لديهم نفس المشاكل الذهنية، أي لا يُدركون الفرق بين ما يتصوّرونه والواقع؛ إن طيّارين غير أكفّاء لا يتعلّمون من تجارِبِهم أو لا يُمانِعون ولوجَ مخاطر مجهولةٍ عواقِبُها رُبّما يقتلون الكثير، ولكن سينتهي بهم المطاف في أعماق المحيط الأطلسي، عندها سينجو البشرُ من غوائلهم.
لذلك فإننا انتهينا إلى جمعِ ما نُسمّيهم بـ (النخبة المثقّفة مع الناس المُنخدعين)، أو بالمعنى الحرفي، المُختلّين عقليًّا، لأنَّهُم ببساطةٍ لم يُفكِّروا بدفع ثمن ما آلت إليه أفعالهم. إن شعارات اليوم المتكرّرَة قد تجرّدت من معناها الحقيقيّ. في العموم، عندما تسمعُ من شخصٍ مفاهيم عــصريّة مُطلقَة، فلَكَ أن تفترضَ أنّهُ قد نالَ قسطًا من التعليم (لكنّه ليس كافيًا، أو في الاتجاه الخاطئ) ولم يتولَّ المسؤوليّة.

إن على بعض البريئين واليزيديين والأقلّيّات المسيحيّة والسوريّين والعراقيين والليبيّين أن يدفعوا ثمن أخطاءٍ اقترفها هؤلاء الذين تدخّلوا في سياسات الدول الأخرى، والذين ما زالوا يتنعّمون في مكاتبِهِمُ المريحة والمُكيَّفة. وهذا، كما سنرى، ينتَهِكُ قانون العدالة بالذات من قَبْل الكتاب المُقدس في العـصر البابليّ، وكذلك البُنية الأخلاقيّة للمجتمع الإنسانيّ.
إنّنا لن نناقش مبدأ المُعالجين فحسب (لا تقُم بأذيّة) بل ينبغي القولَ أنّ الذي لا يخوض المخاطر ينبغي ألّا يتّخِذَ القرارات.

إنّ هذه الفكرة قد نسجها التأريخ: فكل قادة الحروب ومسبّبيها كانوا يُقاتلون بأنفُسِهِم، وبإستثناء القليل، فإن أغلب المُجتمعات كان يُديرُها الذين يخوضون المخاطر دون الذين يُحيلونها إلى غيرهم. فقد كانوا يخوضون مخاطر أكثر من المواطنين العاديين. إن يوليان المرتد، بطل الكثيرين، مات وهو يقاتل في معركة لا تنتهي على تخوم بلاد فارس. كما إن أحد الأسلاف، فاليريان، قال بعدما رأوهُ أن الشاه پور الفارسي قد استعملَهُ كـمسند لقدميه عندما يركبُ الفرسَ. أقلُّ من ثلث من أباطرة الرومان لقوا حتفهم، وقد يقول قائلٌ إنهم عاشوا مُدّةً أطول، وقد يقعون ضحيةً لإنقلاب أو لمعركة.

Valerian humiliated - إذلال فاليريان

وقد يسأل سائلٌ، ما الذي يُمكِنُنا فعلُهُ عندما يضطَرُّ النظام المركزي إلى ألّا يُعْلِمَ الناسَ عن ثمن الأخطاء بشكل مُباشر؟ حسنًا، ليس لدينا خيارٌ آخر، ولكن ينبغي أن يُقلّل من المخاطر. لكن لا شيء يدعو للقلق، إن لم نتدخّل في تلك الأنظمة، فـسينجحُ النظامُ من تلقاء نفسهِ بطريقة قاسية: فـالنظامُ الذي لا يمتلك (مُتعهّداً في الميدان)، سيضطرُّ في نهاية المطاف إلى التفكّك وإعادة البناء، وسنرى الكثير من الأمثلة حول هذا.

فعلى سبيل المثال، إن قضايا الإفلاس التي حدثت في المصارف عام 2008 بسبب المخاطر غير المعلنة في النظام: إن أصحاب المصارف جعلوا أرباحًا ثابتةً من صنف مُعيّنٍ من المخاطر غير المعلنة. واستعمال نماذج المخاطرة الأكاديميّة لا ينفع (لأنّهم لا يعرفون شيئًا عنها). وبعدها يُعربون عن جهلهِم بعد الإفلاس (بجعة سوداء غير متوقَّعة)، ثم يحتفظون بالأرباح الماضية، وهو ما أُسمّيه بـ (تجارة بوب روبن). إذ جمعَ روبن أرباحًا تُقدّر بـ مئة مليون دولار من المصرف، ولكن بعدما أنقذهُ دافـــع الضرائب، لم يدفَعْ لهُ أيَّ مبلغ. إن الخبر السّار هو أنه على الرغم من الجهود التي تبذلها إدارة أوباما الفاسدة في حماية نشاطات الإبتزاز التي يقوم بها أصحاب المصارف، إلا أن المخاطرة في المشاريع قد انتهجت أسلوب المحافظ الوقائية . وقد أخذ هذا الأسلوب مكانه بسبب الإجراءات الصارمة التي يلتزِمُ بها النظام. وبالحديث عن المحفظة الوقائية [4]، فإن أصحاب المال يضعون نصف صافي القيمة في الأرصدة، مما يجعلهم مُعرَّضين للخطر أكثر من أي واحد من زبائنهم.

إن قضيّة المتدخّلين في سياسات الدول الأخرى هي محور بحثنا، لأنها تُري كيف أنّ غياب «المتعهّدُ في الميدان» يؤدّي إلى تأثيراتٍ أخلاقية ومعرفية. إن هؤلاء المتدخّلين لا يتعلّمون لأنهم ليسوا ضحيّة أخطائهم، فكما نرى في مصطلح (باثيماتا ماثيماتا): إن آليّةَ دَرْءِ المخاطر قد تُعيق مسيرة التعليم.

المصـدر:-

INCERTO


  • هوامش:-

[1] المتعهّد في الميدان، هو مُصطلحٌ عرَّفَهُ الكاتب بأنّ الذي يصنعُ قرارًا ما ينبغي أن يتحمّل تبعاتَه سيئةً كانت أم حسنة. وترجمة هذا المصطلح ليست حرفيّة، لأن كلمات هذا المصطلح في لُغتِهِ الأم (الإنجليزيّة) قائمة على الاستعارة، لذلك حملتُها على ما توحي إليه.

[2] جاء أصلُ هذه التسمية إلى أنّ المؤلّف لم يجد ضد (هشّ) في اللغة، فقد يقولُ البعض أنّ (قوي) أو (صلب) هو ضدُّ (هش)، لكنّهُ زعم أن الهشّ هو ما ينكسرُ أو يتشوّهُ عند أي ضغط أو قوة، كما في قطعة الزجاج. لذلك ينبغي أن يكون ضدّ الهش هو ما شأنُهُ أن يزدهِرَ أو يتكاملَ عندما يتعرّضُ للضغط، وهذا ما لا نراهُ في المواد الصلبة كالحديد، ولكنّنا نرى ذلك جليّاً في تحوّل الفحم إلى ماسٍ عند تعرُّضِهِ للضغط والحرارة العاليتين. وعزا أهمية هذا إلى أن الانسان ينبغي أن يتقوّى ويتكاملَ بأخطائه كالماس.

[3] حادثةٌ تحكي عن ناسٍ عاشوا في قريةٍ ما فيها بجعٌ أبيضٌ. فظنُّ أهل القرية أن البجعَ كلَه أبيض، وكان إذا صادفَهُم أمرُ مستحيل حدوثهُ يقولونَ يحدثُ عندما يكون البجعُ أسوداً. لكنَهم في يوم ما، حدثَ أن سافروا إلى بلاد أُخرى فوجدوا بجعاً أسوداً، ودُهِشوا لذلك. وعلى أثر هذه القصّة، أُلِّفَ كتابٌ.

[4] المحفظة الوقائية، هي عبارةٌ عن استعمال أحدث الأساليب الاستثمار لجني عوائد أكثر ومخاطر أقلّ.

عن Omar Akram Al Mahdi

Hi!: • I'm Omar Akram Al Mahdi • M.B.Ch.B. from ‎Babil University/College of Medicine • Co-founder, Editor and Manager at Iraqi Translation Project ITP • The 3 Halas #Hala_Iraq #Hala_ITP #Hala_Madrid • Briefly; World is FLASHING!

شاهد أيضاً

لماذا الولايات المتحدة منقسمة جدًا؟ ببساطة، لأنها لم تكن موحدةً على الإطلاق

تقديم: سكوتي هندريكس لموقع: BIG THINK بتاريخ: 20 كانون الأول 2016 ترجمة: شهد سعد  مراجعة …

كيف ربحت أنجيلا ميركل مقامرتها في استقبال اللاجئين

بقلم: فيلب اولترمان لموقع: ذا كارديان بتاريخ:30/آب/2020 ترجمة :رهام بصمه جي تدقيق: ريام عيسى  تصميم …